رئيس التحرير
خالد مهران

محمد كمال يكتب: عملية سفنكس الأسرار الكاملة لضرب المفاعل النووي العراقي.. الحلقة الثامنة

محمد كمال
محمد كمال

بعد تأكيد جاك لحليم أن المخابرات الأمريكية هي الجهة المسؤولة عن كل ما يحدث مع حليم وما تورط فيه، تأزم الموقف في عين حليم وارتبك وكأن حبل المشنقة يلتف حول رقبته، لكن جاك كان حريصًا على طمأنته والتأكيد له أنه يستطيع إنهاء هذا الأمر إذا ما أجاب حليم على السؤال الأخير، وبعدها سيتركوه لحاله.

أجب يا حليم على هذا التساؤل..
ما هو موقف العراق إذا ما عرضت فرنسا أن تبيع بدلًا من المواد النفيسة "اليورانيوم" كما هو متفق عليه واستبداله بمادة الكراميل.
هذا هو فقط السؤال أجب عنه وسيتركونك لحالك بعدها.

فأجاب حليم....

في الحقيقة لا أعرف...
لكن خلال أيام سيحضر إلى هنا في فرنسا واحد من العلماء العاملين بالمشروع العراقي اسمه يحيى المشد.. هو عالم من أصل مصري أعتقد أنه منوط بإبداء رأي العراق في هذا الشأن.
وهل ستجتمع به يا حليم؟
نعم.. نعم إنه سيجتمع معنا جميعًا هنا.
عظيم.. إذن يمكنك أن تأتي بهذه المعلومة حليم وكل شيء سينتهي بعدها..
أعدك بذلك يا صديقي.

رغم علاقة حليم بالعاهرة ماري كلود التي توطدت كثيرًا خاصة بعد أن أصبح يملك من المال ما يكفي أن يدفع لها شخصيًا، إلا أنه كان وعن طريقها استأجر عاهرة أخرى لحسابه الشخصي.

لم يكن يتوقع حليم أبدًا أن توشي به ماري كلود للشرطة الفرنسية وهذا حقيقي، ولكن الذي لم يكن يعرفه أنها كانت تنقل الأخبار للموساد الإسرائيلي عن طريق الخلية في فرنسا لقاء حفنة من المال ولكنها لم تكن تعرف في الحقيقة لمن هي تعمل لحسابه.

دُعي حليم المشد للقاء عشاء في البيسترو والمفاجأة أن جاك حضر هذا اللقاء وعرف حليم.. جاك على المشد، إلا أن هذا الأخير تجاهل تمامًا وجود جاك وتعامل بحذر بالغ حتى إنه قال لحليم: انتظرك على الطاولة الأخرى حيثما تنهي لقائك مع صديقك.

ترك جاك مضطرًا حليم يستكمل ليلته مع المشد ولكنه اتصل على جاك بعدها ليخبره أنه لم يستطع الحصول على معلومة مفيدة أو إجابة شافية للسؤال المطلوب من العالم المصري.

فشلت محاولة الموساد في استراق المعلومة الأكثر أهمية من بين يدي العالم المصري يحيى المشد، ولكن بالطبع لن تترك الطير طليقًا وهو ما زال مربوطًا.

بعد يومين من لقاء حليم والمشد اتصل جاك بحليم ليخبره أنه استطاع الوصول إلى اتفاق آخر لإنهاء الموقف الخطر الذي يعيشه حليم.

ما هو يا صديقي.. ائتني به أرجوك
أنت لا تدري عما أنا فيه شيء
أنا أعيش أيامًا مرعبة

اهدأ يا حليم.. قلت لك من قبل إنني لن أتخلى عنك
لكن عليك التزام الهدوء أكثر من ذلك
إن توترك الذي أنت فيه يمكن أن يسبب كثيرًا من المشاكل.

سأحاول يا صديقي جاك

ماذا يريد الأمريكيون أن أجيب عنه بدلًا من تغيير المواد النفيسة؟

عزيزي حليم إنهم يقولون لو استطعت أن تأتي لهم بموعد تسليم الشحنة من مصنع سيرسيلي كل شيء سينتهي.

عن طريق عميل فرنسي يعمل في البورصة علمت الموساد أن العراق أبى تمامًا فكرة استبدال اليورانيوم بمادة الكراميل وأن المشد لن يتنازل عن ما تم الاتفاق عليه بين الحكومتين العراقية والفرنسية دون تبديل أو تغيير.

عادت سميرة من العراق مرة أخرى وقد بدا عليها التعجب من تغيير حال حليم المادي والذي ظهر بمظهر أكثر ثراءً من ذي قبل.. وإن أبدى حليم مبررًا لذلك أنه تم ترقيته وما ترتب على ذلك من زيادة في الراتب، إلا أن الأمر لم يكن يعني سميرة زوجته كثيرًا.

تغيرت الأحوال بين حليم وزوجته سميرة فاخذا يخرجان في شوارع باريس ويتناولان الطعام في أرقى المطاعم والفنادق.

وعلى الرغم من كون حليم عالمًا كبيرًا وبارعًا في مجاله، إلا أنه كان ينقصه كثير من الحكمة في أن يدير الحوار مع زوجته خاصة وبعد أن قرر أن يخبرها كل شيء.

بعد سهرة جميلة وتناولهما العشاء في أحد المطاعم الفاخرة في الشانزليزيه ومناقشتهما حول شراء سيارة جديدة، وبعد العودة إلى المنزل أفصح حليم بحكايته كاملة لسميرة وعلاقته بجاك.

رغم أن حليم كان حريصًا على أن يزيح هذا الحمل من على صدره وأن تتقاسم معه زوجته شيئًا منه، فكان صريحًا جدًا في سرد الأحداث والمواقف إلا بخصوص ماري كلود التي اختفت من بين ثنايا حكايته لزوجته سميرة.

على الرغم من الرعب الذي شعرت به سميرة مما يحكيه حليم لها، إلا أنها كانت أكثر واقعية وبعين فاحصة كانت تستمع له وفي النهاية قالت له:

هل تظن أن الأمريكيين حقًا هم من وراء ذلك!!!
أجبني...
ما يهم الأمريكيين أو السي آي إيه مثل تلك التفاصيل
أنا أعتقد أنهم اليهود
بل بالتاكيد أن اليهود هم من يهتمون بمثل هذا الأمر.

حقًا إنها كانت ذكية
.
.
.

استطاع حليم أن يجيب على التساؤل الأخير مؤخرًا..
متى يتم التسليم من مصنع سيرسيلي؟
....

بنفس فكرة حصان طروادة وفي الموعد الذي أخبر به حليم عن موعد التسليم.

ثلاث شاحنات اثنتان منهما خرجتا من مصنع داسول بريكيت لصناعة الطائرات الميراج الحربية إلى مستودع الريفييرا في بلدة لاسين سور مير، ولكن في الحقيقة أن شاحنتين فقط هما من خرجتا والتحقت بهما الشاحنة الثالثة دون أن يكترثا لذلك كثيرًا.

الشاحنة الثالثة كانت مواكبة لهما دون أن يلاحظا ذلك، وكان الشاحنات الثلاثة متصلين بعضهم ببعض في مهمة واحدة.

كانت الشاحنة الثالثة على نسق خدعة حصان طروادة تحمل بداخلها خمسة من الأشخاص تم إخفاؤهم داخلها بعناية تابعين للـ "نيفيوت" مخربين محترفين ومعهم عالم فيزياء نووية، لا يرتدون شيئًا مميزًا بل ملابس عادية جدًا، استطاعوا الوصول إلى المنطقة الآمنة كجزء من الشاحنات الثلاثة، وذلك بالطبع بناءً على المعلومات الأخيرة التي أخبر بها حليم.

لقد عرفت الخلية أن العناية تكون للبضائع التي قيد التسليم أكثر من تلك المنقولة إلى الداخل، فلم يفعلوا أكثر من إشارة سلام من الشاحنة الثالثة لسائق الشاحنة التي أمامهم.

يبدو أن الإسرائيليين راهنوا على هذا الأمر ولكن جانبهم الخطأ في رهانهم.

دخلت مجموعة المخربين وفي المكان المخصص لتخزين المفاعل العراقي تحسبًا لنقله إلى العراق، دخلت المجموعة المكونة من خمسة رجال ومعهم العالم الفيزيائي ليحدد أفضل الأماكن التي توضع فيها العبوات المتفجرة لإحداث أكبر ضرر ممكن في المفاعل الذي استغرق صنعه ثلاث سنوات.

كانت نصيحة العالم الفيزيائي بتحديد خمسة أماكن توضع فيها العبوات البلاستيكية وبشكل خفي لا يتلاحظ لأحد بغرض تفجير المفاعل.

بعد تركيب العبوات بشكل فني جدًا وعند مقربة من باب المصنع انتبه الجنود المكلفون بالحراسة إلى صراخ فتاة في الشارع بالقرب من البوابات.

فتاة صغيرة لا تتجاوز عقدها الثاني تصرخ إثر اصطدام سيارة بها، وعلى الرغم من أن الحادث كان يعد بسيطًا، إلا أن الفتاة بالغت في تصرفاتها جدًا تجاه سائق السيارة بشكل لفت انتباه الجنود الحراس جدًا.. إلا أن السائق وقف مشدوهًا مما تفعله الفتاة.

كان طبيعيًا أن يتجمهر نفر من الناس تشاهد صراخ الفتاة للسائق، ولكن في هذا التوقيت تحديدًا كانت المجموعة استطاعت أن تعبر الشريط الحديدي وساروا إلى الأمام يتفحصوا وجوه الجنود الفرنسيين للتأكد أن يكونوا بمنأى عن الخطر.

أحد الخمسة وقبل أن ينفض التجمهر كان يحمل في يده جهازًا صغيرًا غير مرئي استطاع من خلاله تفجير المفاعل القابع بالداخل ليحدث إصابة وتلفيات تجاوزت الستين بالمائة من مكوناته بتكلفة قدرت وقتها بـ 23 مليون دولار خسائر مالية، ولم يكن ذلك فقط بل عاد المشروع العراقي إلى سبعة أشهر إلى الخلف.

لكن الغريب أنه رغم استخدام عبوات شديدة الانفجار، إلا أن آثار الانفجار لم تمتد إلى أكثر من المستودع الموجود به الهدف فقط.

كان صوت الانفجار شديدًا فانتبه له الجنود الفرنسيون وهرعوا إلى مكان الحادث، في تلك اللحظة سيارة الحادث التقطت الفتاة والرجال الخمسة والعالم واختفت في لحظات.

لقد نجحت المهمة وسبب الانفجار تلفًا بالغًا للمشروع العراقي مسببًا حرجًا شديدًا بين صدام حسين وجاك شيراك رئيس الحكومة الفرنسية.

كان يلزم لإتمام الشكل العام لعملية التفجير أن يكون هناك مسؤول عنها حتى تكف الشرطة الفرنسية يدها عن البحث أو على الأقل تضلل في ذلك.

في اليوم التالي تعلن مجموعة فرنسا لعلم الأحياء مسؤوليتها عن الحادث.. الغريب أنه لم يسمع أحد من قبل عن تلك المجموعة والأغرب أنه لم يسمع عنها حتى بعدها مرة أخرى.

كانت الشرطة الفرنسية ولسبب ما تحاول التعتيم على تفاصيل الحادث، الأمر الذي أدى إلى تساؤل الكثير عن من وراء مثل تلك الحادثة، فتكهنت الصحافة الفرنسية في ذلك قدر استطاعتها، فمثلًا..

صحيفة فرانس سوار قالت إن الشرطة تشك في مجموعة يسارية متطرفة، في حين أن صحيفة اللوماتان قالت إن الفلسطينيين بتأييد من ليبيا هم وراء تنفيذ العملية.

أما مجلة لو بوان الأسبوعية فوجهت الاتهام للمخابرات الأمريكية.

على المستوى السياسي هناك بعض الساسة الفرنسيين اتهموا الموساد بمسؤوليتها الكاملة عن الحادث، ولكن المسؤولين الإسرائيليين رفضوا تمامًا مثل ذلك وألصقوا التهمة بجهات مناهضة للسامية.

في ذات ليلة الحادث كان يقضي حليم وزوجته سميرة سهرة جميلة يتناولان فيها العشاء الساخن من المطبخ الفرنسي وعادا وهما منتعشان خاصة حليم الذي انقطعت أخبار هؤلاء المزعجين كثيري الطلبات بعد تسليم آخر معلومة عن موعد التسليم المرتقب.

دخلت سميرة بعد أن فتح لها حليم باب المنزل في حركة استعراضية عاشمًا في قضاء ليلة دافئة بين أحضان زوجته، وما إن قاما بتغيير ملابسهما إلا ويسمعا صوت دوي انفجار عظيم يبثه التلفزيون الفرنسي.

انتبه حليم إلى الخبر وعرف وأدرك أن عملية التفجير تخص المفاعل النووي العراقي.

صرع حليم.. وجن جنونه.. صرخ في وجه سميرة وهو يحطم ما تطوله يداه بالمنزل

اندهشت سميرة لحالة الجنون التي أصابت زوجها متسائلة:

هل جننت يا حليم؟!!

صرخ فيها قائلًا:

لقد نسفوا المفاعل والآن سوف يقضون عليّ أيضًا.