المهندس محمد الفيشاوى يكتب: الإسراء والمعراج.. تسرية إلهية ومنهج إنساني للحياة
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد انتقال مكانى من الأرض إلى السماء، ولا مجرد معجزة خارقة لقوانين الزمان والمكان، بل كانت قبل ذلك كله تسرية إلهية لقلب أنهكته الآلام، ورسالة عميقة لكل من يحمل هم الدعوة ومسؤلياتها الحسام.
جاءت الرحلة بعد عام الحزن، بعد أن فقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السند فى عمه أبى طالب، والاحتواء فى حبيبة القلب السيدة خديجة، جاءت ليعلّمنا الله أن القلوب حين تثقل بالهموم، تحتاج إلى إسراء، وأن الأرواح حين ترهق، تحتاج إلى معراج. فالتسرية ليست رفاهية نفسية، بل ضرورة إنسانية ومنهج رباني.
من هذا المعنى السامي، نتعلم أن أعظم ما نقدمه للناس ليس الحلول المادية وحدها، بل الإحساس. لأن تشعر بوجع غيرك، وأن تسري عنه، وتخفف عنه ثقل الطريق، وأن تنتشله من الألم إلى الأمل، ومن الحزن إلى انشراح الصدر وطمأنينة القلب، لهو العطاء الحقيقى الذى لا يدركه إلا ذوو البصيرة وأهل الحكمة.
الإسراء والمعراج يعلمانا أن الإنسان قد يكون فى مكانه، لكنه يحتاج من يأخذ بيده إلى معنى أوسع، وأفق أرحب، ونظرة أعمق للحياة.
وهذا هو دورنا في علاقاتنا كلها، فى الأسرة، فى العمل، مع القريب والصديق،مع الزميل والرفيق، فى القيادة والإدارة، وفى التربية.
حين تحسن الإحساس بالناس، فإنك ترفعهم دون أن تشعرهم بالدونية، وتداويهم دون أن تفضح جراحهم، وتقودهم دون أن تكسر خواطرهم.
حين تسرى عن إنسان، فأنت لا تغير مزاجه فقطر، بل تعيد ترتيب داخله، وتفتح له بابا للنجاح والأمل، وطريقا للتقدم والرقى والازدهار.
لقد فرضت الصلاة فى المعراج، وكأن الرسالة واضحة، أن أعظم ما يعين الإنسان على الصعود في حياته هو صلة قلبه بالله سبحانه وتعالى، وصلة قلبه بالناس.
لنجعل من الإسراء منهجا فى علاقاتنا، ومن المعراج اسلوبا فى تقديم رسالتنا، ولنكن سببا فى أن ننتقل بمن حولنا من ضيق الدنيا وقسوتها إلى سعة المقاصد ورحابة المعانى، ومن أثر الألم إلى خفة الأمل وبلوغ الرجاء.