رئيس التحرير
خالد مهران

صبري الموجي يكتب: الصحافة بين مجد الأمس وهوان اليوم!

صبري الموجي
صبري الموجي

المتأملُ في حالِ العديد من المؤسسات الصحفية اليوم بأنواعها: القوميِّة والحزبيِّة والخاصة، خلافا لذي قبل، يجد أنَّها صارت أشبه بعِزبٍ أو (أبعاديات)، يعتبرُ فيها رئيسُ مجلس الإدارة، وكذلك رئيسُ التحرير نفسه الحاكمَ بأمره، يقول للشيء كن فيكون ! أو على أقل تقدير، يُوطِّن نفسه على أنّه أحدُ الإقطاعيين الكبار، الذي يملك حقَّ الأمر والنهي، دون نقاش ولا جدال، فيستكتب من يريد كنوع من المجاملة المقيتة، ويستبعد آخرين، ممن ليسوا على هواه، دون اعتبار لموهبة أو احترام لأقدمية أو كفاءة، وهو ما تسبَّب في تقديم مادة صحفية ضعيفة أحيانا، ودون المستوى في أغلب الأحيان.

أقول: وإن جازت هذه المجاملة المقيتة ـ ووالله لا تجوز ـ في حقِّ الصُّحف الخاصة؛ باعتبارها ملكياتٍ خاصة لأصحابها، فإنها لا تجوز بحالٍ في الصحف القومية، التي هي ملكٌ للدولة.

وأؤكد أنَّ هذه الحال المتردية، تختلفُ عمَّا كانت عليه أيام نجوم الصحافة الكبار، ممن كانوا يبحثون عن الموهبة بـ(مُنكاش)، ويُتيحون لها فرصة الإبداع والتحليق في بلاط صاحبة الجلالة، وهو ما أسهم في إخراج مُنتَج صحفي متميز آنذاك، جعل من الصحافة سلطة رابعة، تُسهم في علاج مشاكل المجتمع، وصنع القرار السياسي، ومحاربة الفساد.

وباعتباري ابنا لصحيفة قومية، التحقتُ بها في زمن ثلة من النجوم الكبار، أمثال فيلسوف الصحافة المصرية أنيس منصور، وشيخ الكتَّاب صلاح منتصر، والكاتب الفذِّ سلامة أحمد سلامة، الذي كان عموده (من قريب) أشبه بترياق، يداوي علل العقول، ويمنحُ قارئه نبض الحياة المعرفية؛ بما يقدِّمه من معلومات دقيقة ومكثَّفة، ترقى بقاموسه السياسي والفكري. ومن هؤلاء أيضا طبيبُ القلوب عبد الوهاب مطاوع، الذي حمل على عاتقه ـ بجانب كتاباته الإنسانية الراقية، خلال رئاسته للديسك المركزي ـ مشقَّة خروج صحيفة الأهرام في أبهى صورة، تُمكنها من منافسة الصحف الأخرى، بل والتَّربع علي عرش السيادة في ميداني الرأي والتحليل السياسي، بالإضافة إلي نجوم آخرين مثل صلاح الدين حافظ، والمفكر فهمي هويدي، وأخيه الأكبر أمين هويدي، وغير هؤلاء الكثير ممن كانت لهم بصمتهم الواضحة في عالم الصحافة والفكر والسياسة.

أقول: ولم تتكمن هذه الكتيبة آنفة الذكر، وغيرهم من النجاح والتميز، إلا في ظل إدارة المايسترو الأسطورة إبراهيم نافع، الذي عاش طيلة حياته الصحيفة ـ بفضل علاقاته الواسعة مع أصحاب القرار ـ مُدافعا عن مهنة الصحافة، وحقِّ الصحفيين، بل ودخل مع كثيرٍ من مسئولي الدولة الكبار في معارك ضارية انتصارا للمهنة وأصحابها، وحفاظا على كرامة الصحفيين.

وأبدا لم تكن الحال في بقية المؤسسات الصحفية، مختلفة عمَّا كانت عليه بالأهرام، فلا ننسى الكاتب الكبير إبراهيم سعدة وجهوده الجبارة بمؤسسة الأخبار، والأستاذ سمير رجب بجريدة الجمهورية، والنقيب مكرم محمد أحمد، والكاتب مصطفى شردي بالوفد، والأستاذين صلاح قبضايا، وجلال الدين الحمامصي بالأحرار وغيرهم الكثير، ومن قبل هؤلاء جميعا: الأساتذة محمد حسنين هيكل، وعلي ومصطفي أمين، وغيرهم من المناضلين ممن عاش كارنيه نقابة الصحفيين في عهدهم أزهى عصوره، فكان أشبه بسيفٍ بتَّار، إذا خرج من جيب صاحبه، تقوم الدنيا ولا تقعد، عكس اليوم، بعدما أريق دمه، وتفرَّق بين القبائل، ولم يعد للأسف (يهش ولا ينش).

وهو ما يجعلني أتساءل: من المتسبِّب في ذلك كله؟.

إنَّ قوة الصحافة ـ يا سادة ـ  مُستمدّة من قوة أصحابها، وأنَّى لصاحبها هذه القوة، وهو لا يملك قدرةَ التعبير عن رأيه، حتى في صحيفة مؤسسته، التي صار الاستكتاب فيها خاضعا للهوى والاستلطاف، ولا عزاء للكفاءة!
إنَّ نافذة الصحفي هي صحيفتُه، التي يطل منها على قارئه، وهي أقوى أسلحته، وإن تجرَّد من هذا السلاح، صار أعزل لا يقوى على المواجهة، أو محاربة الفساد؛ لأنَّ فاقد الشيء لا يُعطيه.

وأخيرا أقول: إن جموع الصحفيين في كلِّ مؤسسة صحفية، هم بمثابة رُكّاب في سفينة، يقودها رئيس مجلس الإدارة، ورئيس التحرير، اللذان يستمدان قوتهما من قوة مرءوسيهما، أمَّا تقليم أظافرهم بحرمانهم من التعبير عن رأيهم، الذي هو حق لهم، وليس منحة من أحد، فهو إضعافٌ للصحفي، ولمؤسسته، وللمهنة ككلِّ، تلك المهنة، التي لا بد أن نحافظ عليها حفاظا على أنفسنا، فأفيقوا يرحمكم الله.