رئيس التحرير
خالد مهران

تحالف ثلاثي..

تحركات مصر وتركيا لمواجهة مخطط إسرائيل المشبوه في شرق المتوسط

مصر وتركيا
مصر وتركيا

شهدت الأيام القلية الماضية القمة الثلاثية العاشرة بين إسرائيل واليونان وقبرص، والتي انتهت إلى إعلان جيش الاحتلال، توقيع خطة العمل للتعاون العسكري بين الدول الثلاثة، إلى جانب الخطط الثنائية بين الجيش الإسرائيلي والقوات المسلحة اليونانية والحرس الوطني القبرصي لعام 2026، على أن تشمل التدريبات والحوار العسكري الاستراتيجي.

ورغم أن القمة ركزت كما هو معلن على التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك بحث خطط مشروع خط أنابيب غاز إيست ميد «EastMed» الذي يهدف لنقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر اليونان وقبرص وإسرائيل، إلا أن مصادر أمنية إسرائيلية كشفت عن أن المبادرة جزءا من جهد أوسع لردع الأنشطة العسكرية والاستراتيجية التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط.

يأتي ذلك في الوقت الذي تراقب فيه مصر الوضع بحذر شديد ودون تعليق رسمي على هذه القمة.

قوة عسكرية مشتركة

فيما أفادت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية نقلًا عن موقع «تانيا» اليوناني أن الدول الثلاث ناقشت تشكيل وحدة عسكرية قوامها حوالي 2500 فرد، ألف جندي من اليونان ومثلها من إسرائيل، و500 عنصر من قبرص، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون في مجالات الأمن والدفاع والشؤون العسكرية، وتعميق التنسيق في حماية الممرات البحرية والبنى التحتية الحيوية من التهديدات، كما نوقشت فكرة إنشاء قوة تدخل سريع مشتركة لحماية البنية التحتية، مثل خطوط الغاز.

ووصف «نتنياهو» القمة بأنها الأكثر أهمية حتى الآن، مشددًا على مأسسة التحالف الإقليمي وردع تركيا، التي تختلف مع اليونان وقبرص حول ترسيم الحدود البحرية ومناطق التنقيب.

وجاءت تصريحات «نتنياهو» في هذا السياق بعد أن نشر موقع الأخبار اليوناني «تا نيا»، قبل انعقاد القمة، تقريرًا أفاد بأن تل أبيب وأثينا ونيقوسيا تدرس إقامة قوة عسكرية مشتركة في شرق البحر المتوسط، تضم قوات بحرية وجوية وبرية.

ووفق التقرير، جرى بحث الفكرة من ضباط في مناصب رفيعة، في إطار مساعٍ لتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الأطراف الثلاثة، غير أن إسرائيل سارعت إلى نفي صحة هذه المعلومات.

وبحسب ما أوردته صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، فإنّ أي إطار أمني أو عسكري مشترك قد يوفر لإسرائيل ما وصفته الصحيفة بـ "عمق استراتيجي" إضافي في مواجهة محاولات التمركز التركي في شرق المتوسط، ولا سيّما في ظلّ العلاقات المتنامية بين أنقرة والنظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع.

وفي المقابل، تسعى اليونان وقبرص، وفق الصحيفة، إلى تحقيق مستوى من الردع في مواجهة ما تعتبرانه «التحدي التركي» في المنطقة.

وتأتي هذه النقاشات على خلفية النزاع البحري المحتدم بين اليونان وتركيا، والمخاوف القبرصية المزمنة من أنقرة، إضافة إلى القلق الإسرائيلي المتزايد من تمدّد النفوذ التركي في سورية وشرق البحر المتوسط.

تركيا تدعم الحوار

وفي أول تعليق من أنقرة، قالت وزارة الدفاع التركية، إنها «تتابع من كثب» الأنشطة الأخيرة لإسرائيل واليونان وقبرص، والبيانات الصادرة عنهم عقب القمة الثلاثية، مبينة أن هذه المبادرة لا تشكل تهديدًا عسكريًا لتركيا.

وأضافت الوزارة، في المؤتمر الصحافي الأسبوعي للمتحدث باسمها زكي أكتورك، أن تركيا «تؤكد التزامها الحفاظ على الاستقرار واستمرار الحوار في المنطقة، وأن تصريحات إسرائيل الموجهة إلى تركيا وخطابها الذي قد يزيد التوتر في المنطقة لا أساس له في الواقع على الأرض ولا في القانون الدولي».

وشدّدت وزارة الدفاع على أن تركيا، انطلاقًا من حلف شمال الأطلسي «ناتو»، تؤيّد الحوار البنّاء في بحر إيجة وشرق المتوسط، ومع ذلك «يجب أن يُفهم أن الخطوات المخالفة لروح التحالف لن تغيّر الوضع على أرض الواقع، وأن موقف تركيا من أمن قبرص التركية وحقوقها واضح وثابت، ولن تتردد تركيا في استخدام الصلاحيات الممنوحة لها بموجب وضعها، باعتبارها ضامنًا لقبرص التركية».

وأكدت الوزارة أن تركيا «ليست هي من يصعّد التوترات في بحر إيجة وشرق المتوسط، بل الخطوات والنهج الإقصائي والأحادي الذي يهدف إلى فرض أمر واقع»، فيما تفضّل أنقرة «أن تكون المنطقة حوضًا للتعاون والاستقرار، لا ساحةً للصراع».

وتعيد هذه القمة إلى الأذهان؛ تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط الذي تم في عام 2019، لتنسيق سياسات الطاقة بين الدول الثلاثة بالإضافة إلى إيطاليا ومصر والأردن وفلسطين، مع تجاهل تركيا، رغم امتلاكها أكبر ساحل على المتوسط، فكان أداة لاحتواء تركيا، ولاحقًا دخل المنتدى في شكل من أشكال التجميد وتحول من الطموح السياسي لعزل تركيا واحتوائها إلى منصة تنسيق لسياسات الطاقة دون مهام سياسية.

ومع تحسن العلاقات بين مصر وتركيا لاحقًا بالتوازي مع توتر العلاقات بشدة بين إسرائيل وتركيا على خلفية الصراع على الجغرافيا السورية بعد سقوط نظام الأسد، قررت إسرائيل إحياء التحالف القديم (دون مصر) لكن بدلا من كونه تنسيق طاقي حولته لتكتل جيوسياسي منظم يستهدف الضغط العسكري على تركيا.

كسر الطوق الحديدي

ويرى مراقبون أن تركيا تسعى إلى تعزيز التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي مع مصر لكسر الطوق الحديدي حولها بإضافة ثقل مصر الوازن إلى المعادلة، مؤكدين أن مصر تحتاج لتحالف حقيقي مع تركيا ليس لإنقاذ أنقرة من التطويق والعزلة، ولكن لأسباب أخرى، أبرزها أن التحالف الثلاثي يندمج ضمن مشروع «الممر الهندي – الشرق الأوسط – أوروبا (IMEC)» باعتباره مسارًا جيوسياسيًا موازٍ لقناة السويس، يهدف إلى تقليص الاعتماد عليها عبر الخط الملاحي الرابط بين الهند وأوروبا مرورا بالخليج وإسرائيل.

وأكد المراقبون أن الخطر الحقيقي ليس في تقليل عدد السفن المارة في القناة وتخفيض الحصيلة الدولارية لمصر، ولكن في التحايل الجيوسياسي على موقع مصر، وبالتالي إضعاف قيمتها الجيوسياسية ووزنها الاستراتيجي، لذلك من مصلحة مصر إفشال هذا التحالف بالتعاون مع تركيا.

وأشاروا إلى أن من مصلحة مصر ضمان توازن القوى في الإقليم من ناحية، وكل اختلال في موازين القوى يمثل خطرًا على مصر لصالح إسرائيل (المحرك الرئيسي للتحالف الثلاثي) التي ترغب في القيام بدور الحاكم الفعلي للإقليم والقوة المهيمنة عليه.