أزمة في طريق الاستثمار..
وقف نظام «صافي القياس» يهدد بإغلاق 168 شركة للطاقة الشمسية
في وقت الذي تراهن فيه الدولة على التوسع في الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على استيراد الغاز، تفجّرت أزمة وقف نظام «صافي القياس»، ما تسبب في وضع مستقبل عشرات الشركات العاملة في مجال الاستثمار بالطاقة الشمسية على «المحك».
وكان جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، أصدر قرارًا بوقف العمل بآلية صافي القياس (Net Metering) اعتبارًا من نهاية شهر ديسمير الماضى، وذلك مع عدم عقد أي اجتماع تشاوري مع الشركات منذ الإعلان الأول للقرار في مارس الماضى.
ويسمح نظام «صافي» القياس لمنتجي الكهرباء عن طريق الطاقة الشمسية بتغذية الشبكة بفائض إنتاجهم، مقابل عدم دفع ثمن استهلاكهم من الشبكة العمومية، ما يساهم في خفض تكاليف الاستثمار وتحسين الجدوى وخاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة العاملة في قطاع الطاقة الشمسية.
وبحسب خبراء، فأن القرار يهدد نحو 168 شركة طاقة شمسية بالإغلاق إلى جانب شركات صناعية كانت تعتمد على الطاقة الشمسية لتقليل التكاليف، كما يحرم القطاع الصناعي من إحدى أهم الوسائل التي تتيح خفض التكلفة والالتزام بمعايير التصدير المرتبطة بالبصمة الكربونية، ويمد فترة استرداد الاستثمارات من 5 سنوات إلى أكثر من 10 سنوات، بما يفقد مشروعات الطاقة الشمسية جدواها الاقتصادية ويعطل قدرة المصانع على التحول للطاقة النظيفة.
التعامل عبر الوسائل القانونية والدستورية
وفي هذا السياق، رفضت شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أي توجه لوقف العمل بآلية صافي القياس، والتمسك باستمرار تطبيق الكتب الدورية والتشريعات المنظمة لربط محطات الطاقة الشمسية، باعتبارها إطارا قانونيا معتمدا أسهم في دعم الاستثمار وتعزيز دور الطاقة الشمسية في مزيج الطاقة الوطني.
وقال المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن ما يُثار حول هذا الملف لا يعكس حقيقة الموقف القائم، مشيرا إلى أن الخلافات المطروحة تظل خلافات فنية وتنظيمية يتم التعامل معها عبر القنوات المؤسسية والقانونية، وفي إطار من الحوار الجاد والبنّاء مع أجهزة الدولة المختصة، بما يخدم مصالح القطاع والدولة في آنٍ واحد.
وأكد هيبة، الثقة الكاملة في الدولة المصرية وإدراكها العميق للأبعاد الاستراتيجية المرتبطة بملف الطاقة والأمن القومي، موضحا أن قطاع الطاقة الشمسية يمثل أحد الركائز الأساسية لتحقيق الأمن الطاقي والتنمية المستدامة.
وأضاف أن الشعبة تتوافق مع أهداف الحكومة المصرية في الانتقال الطاقي وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030، مشيرا إلى أن أي تباين في وجهات النظر بشأن السياسات التنفيذية أو التنظيمية يتم التعامل معه عبر الوسائل القانونية والدستورية، وبما يحافظ على استقرار القطاع ويشجع الاستثمار.
حق المستثمرين وأصحاب الأعمال
ومن ناحيته، قال المهندس أشرف أبو العيش، الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الطاقة الشمسية، إن قرار وقف العمل بنظام صافي القياس يثير تساؤلات جوهرية داخل سوق الطاقة المتجددة، في ظل غياب خطة بديلة واضحة أو تصور دقيق لمصير استثمارات الشركات العاملة بالقطاع.
وأضاف أبو العيش أن الشركات العاملة في مجال الطاقة الشمسية استثمرت ملايين الجنيهات، ودربت كوادر فنية، والتزمت بمعايير جودة وتشغيل معتمدة، مشيرًا إلى أن القطاع الحكومي شارك بدوره في بناء المنظومة، من خلال هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، وشركات توزيع الكهرباء، وجهاز تنظيم مرفق الكهرباء.
وأوضح أن النتيجة المباشرة للقرار تتمثل في ضبابية المسار الاستثماري، وارتفاع المخاطر، وتضاعف فترات استرداد رأس المال، مؤكدًا أن وقف نظام كان يمثل آلية أساسية لنمو سوق الطاقة الشمسية لا يمكن اعتباره قرارًا بسيطًا.
وأشار إلى أن من حق المستثمرين وأصحاب الأعمال معرفة ما إذا تم التشاور مع أصحاب المصلحة قبل اتخاذ القرار، متسائلًا: «هل لم تعد الشبكة بحاجة إلى نظام صافي القياس، وهل جرى تقييم حجم السوق وتأثير القرار على الاستثمارات القائمة، خاصة في ضوء الالتزامات التي أُعلن عنها خلال مؤتمر شرم الشيخ».
وأكد أبو العيش، أن القرار جاء رغم إعلان الدولة سابقًا استهداف رفع نسبة مساهمة الطاقة المتجددة إلى ما بين 40 و45% بحلول عام 2040، مشددًا على أن غياب التوضيح يحوّل القرار من رؤية تنظيمية إلى عبء على السوق.
وطالب بضرورة إعلان خريطة طريق واضحة، وتحديد آليات تعويض عادلة للشركات والمستثمرين، وطرح بدائل مكتوبة ومعلنة، بما يتيح للقطاع الصناعي والمستثمرين الانتقال إلى مستقبل مستدام بدلًا من حالة الضبابية الحالية.
الخسائر بمليارات الجنيهات
وبدوره، قال المهندس محمد توما، خبير الطاقة الشمسي، إن نظام صافي القياس «Net Metering»، هو آلية تسمح لمالك المحطة الشمسية بإدخال فائض الكهرباء التي ينتجها إلى شبكة الكهرباء، مقابل خصم هذا الفائض من استهلاكه المسجل على العداد ثنائي الاتجاه، وبفضل هذا النظام، استطاعت المصانع والفنادق والمباني التجارية والسكنية تركيب محطات شمسية دون الحاجة إلى بطاريات، لأن الشبكة العامة اضطلعت بدور «مخزن» مؤقت للطاقة الزائدة.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن هذا النظام ساهم في نشاط سوق المحطات الصغيرة والمتوسطة، وساعد على ظهور عشرات الشركات وزيادة الاستثمارات في مجال الطاقة الشمسية خلال السنوات الماضية.
وأشار «توما»، إلى أن هناك نحو 168 شركة مؤهلة مباشرة تعمل بنظام صافي القياس، وأكثر من ألف شركة بطريقة غير مباشرة، حيث حجم إيرادات هذه الشركات أكثر من 30 مليار جنيه سنويا
وأوضح أن قرار وقف نظام صافي القياس، يُعدّ ضربة مباشرة للشركات والأفراد العاملين في مجال محطات الشبكة «on-grid» للقطاعين التجاري والصناعي، حيث يتم فقدان مشروعات كانت مُدرجة ضمن دراسات الجدوى باعتمادها على نظام صافي القياس.
وتابع: «الخسائر المتوقعة تشمل عقودًا لم تُنفَّذ بعد، ومصروفات تسويقية وتكاليف فرق العمل التي تم إنفاقها مسبقًا، إضافة إلى توقف خطط التوسع التي كانت تعتمد على استمرار نمو هذا النظام، أما على مستوى القطاع ككل، فتُقدَّر الخسائر بمليارات الجنيهات، نتيجة توقف الاستثمارات وتقلص الأنشطة المرتبطة بمحطات الشبكة الشمسية».
وواصل: «لم تُعقد أي لقاءات رسمية بين شركات الطاقة الشمسية مع وزارة الكهرباء أو الجهاز التنظيمي منذ إعلان القرار في مارس 2025، رغم تكرار مطالبات الشعبة بالجلوس للحوار، وهو ما وُصف بـ(الصمت شبه الكامل) من الجانب الرسمي».
وحول هدف الحكومة من القرار، أكد خبير الطاقة الشمسية، أن هناك فائض واضح في القدرات المركبة التي تتجاوز 60 جيجاوات، مقابل الأحمال القصوى أقل من هذا الرقم، وهذا الفائض يقلل من الحاجة الملحة للتوسع السريع في الطاقة المتجددة على المدى القصير، وقد يكون أحد الأسباب التي دفعت إلى تقييد نظام صافي القياس، رغم تعارض هذا التقييد مع أهداف التحول الطاقي على المدى الطويل.

