< كواليس تحركات وزارة الصناعة لإعادة تنظيم سوق الأراضى الاستثمارية
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

مواجهة ظاهرة «التسقيع»..

كواليس تحركات وزارة الصناعة لإعادة تنظيم سوق الأراضى الاستثمارية

الأراضى الاستثمارية
الأراضى الاستثمارية

تتجه وزارة الصناعة إلى إعادة تنظيم منظومة تخصيص الأراضي الصناعية، في إطار خطة تستهدف تعظيم الاستفادة من الأراضي المتاحة، ومنع الممارسات التي تعطل إقامة المشروعات الصناعية.

وتأتي هذه الخطوة من خلال قرار تعليق التعامل على الأراضي الصناعية التي مر على تخصيصها ثلاث سنوات، بالتزامن مع إطلاق نظام الإيجار المنتهي بالتملك لأول مرة عبر منصة مصر الصناعية الرقمية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستهدف دعم المستثمر الجاد وزيادة معدلات الإنتاج.

ويأتي قرار تعليق التعامل على الأراضي الصناعية التي مضى على تخصيصها ثلاث سنوات بهدف الحد من المضاربة على الأراضي ووقف الارتفاعات غير المبررة في أسعارها، بعد أن شهدت بعض المناطق الصناعية عمليات إعادة بيع للأراضي دون إقامة مشروعات فعلية.

ومن المقرر أن يبدأ تنفيذ القرار اعتبارًا من منتصف أغسطس المقبل وحتى نهاية العام، لإتاحة الفرصة أمام الجهات المختصة لمراجعة موقف تلك الأراضي والتأكد من مدى التزام المستثمرين بخطط التنفيذ.

الإيجار المنتهي بالتملك

في المقابل، أعلنت وزارة الصناعة إطلاق نظام الإيجار المنتهي بالتملك للأراضي الصناعية لأول مرة، عبر منصة مصر الصناعية الرقمية، في خطوة تستهدف تخفيف الأعباء المالية عن المستثمرين، خاصة أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

ويتيح النظام للمستثمر الحصول على الأرض مقابل سداد قيمة إيجارية دورية، بدلًا من تحمل تكلفة الشراء كاملة في بداية المشروع، مع إمكانية تملك الأرض بعد استيفاء الشروط والالتزامات المحددة.

ويعتمد النظام الجديد على مجموعة من الضوابط، تبدأ بالتقديم الإلكتروني عبر المنصة الرقمية، مرورًا بدراسة الجدوى الفنية والمالية للمشروع، وتحديد النشاط الصناعي المستهدف، ثم الالتزام ببرنامج زمني واضح لإنشاء المصنع وبدء التشغيل.

كما يرتبط انتقال ملكية الأرض إلى المستثمر بالتزامه بتنفيذ المشروع وسداد المستحقات المالية وفقًا لشروط التعاقد، بما يضمن توجيه الأراضي إلى المستثمرين الجادين.

ويتيح النظام للمستثمرين مددًا إيجارية تبدأ من 7 سنوات وتصل إلى 21 عامًا كحد أقصى، مقابل إيجار سنوي يعادل 5% من سعر المتر المربع، مع إعادة تقييم القيمة الإيجارية بعد انتهاء السنة السابعة والرابعة عشرة، في حال عدم تقدم المستثمر بطلب تملك الأرض.

ويرى متخصصون، أن نظام الإيجار المنتهي بالتملك يمثل تحولًا مهمًا في سياسات تخصيص الأراضي الصناعية، إذ يقلل من حجم السيولة التي يحتاجها المستثمر عند بدء المشروع، ويمنحه فرصة لتوجيه الجزء الأكبر من استثماراته إلى شراء المعدات وخطوط الإنتاج وتوفير الخامات، بدلًا من تجميد جزء كبير من رأس المال في شراء الأرض، وهو ما ينعكس على سرعة تنفيذ المشروعات الصناعي.

ومن المتوقع أن يسهم النظام -أيضًا- في جذب مستثمرين جدد إلى القطاع الصناعي، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة إنشاء المصانع خلال السنوات الأخيرة، حيث يمنح الشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة فرصة الحصول على أراضٍ صناعية بشروط أكثر مرونة، بما يعزز من قدرة القطاع الخاص على التوسع وزيادة الاستثمارات الإنتاجية.

ورغم الإعلان عن إطلاق النظام، لم تكشف وزارة الصناعة حتى الآن عن القيمة الإيجارية أو أسعار الأراضي ضمن آلية الإيجار المنتهي بالتملك، ومن المنتظر إعلان الضوابط المالية وآليات السداد خلال الفترة المقبلة.

ومن المتوقع أن تختلف القيمة وفقًا لموقع الأرض ومساحتها وطبيعة النشاط الصناعي، بما يحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على أصول الدولة.

ويؤكد خبراء، أن الجمع بين قرار وقف التعامل على الأراضي غير المستغلة وإطلاق نظام الإيجار المنتهي بالتملك يعكس توجهًا نحو إعادة هيكلة سوق الأراضي الصناعية، بحيث تصبح الأرض وسيلة للإنتاج وليست أداة للمضاربة.

كما يتوقع أن تسهم هذه الإجراءات في رفع معدلات تشغيل المصانع، وزيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص عمل جديدة، بما يدعم مستهدفات الدولة في تعميق التصنيع وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في النمو الاقتصادي.

تسقيع الأراضي

وفي هذا السياق، قال الدكتور رضا لاشين، رئيس منتدى مصر للدراسات الاقتصادية والمثمن العقاري، إن أكبر نسب الفساد في أي دولة ترتبط بملف الأراضي، موضحًا أن نسبته قد تصل إلى 85% في بعض صور التخصيص، مثل وضع اليد والتعدي على أملاك الدولة.

وأضاف «لاشين»، في تصريحات خاصة لـ«النبأ»، أن الحكومة خصصت أربع هيئات رئيسية لتخصيص الأراضي وفقًا لطبيعة النشاط، تشمل هيئة التنمية الصناعية للأراضي الصناعية، وهيئة التنمية السياحية للأراضي السياحية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة للأراضي السكنية، والهيئة العامة للتعمير والتنمية الزراعية التابعة لوزارة الزراعة للأراضي الزراعية.

وأوضح أن الفترة الماضية شهدت مشكلات تتعلق بقيام بعض الحاصلين على أراضٍ باستخدامها في غير الأغراض المخصصة لها، أو الاحتفاظ بها بغرض التسقيع لفترات تتجاوز ثلاث سنوات ثم إعادة بيعها بأسعار أعلى، مشيرًا إلى أن بعض الأراضي الصناعية جرى تحويلها إلى أنشطة زراعية أو سكنية، كما تم تحويل بعض الأراضي الزراعية إلى استخدامات سكنية أو تجارية أو صناعية أو إدارية.

وأكد أن الدولة اضطرت في بعض الحالات إلى سحب الأراضي التي لم تشهد أي تقدم في التنفيذ، إلا أن تصاعد المضاربات على الأراضي وارتفاع الأسعار بصورة غير مبررة دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار بوقف التعامل على بعض الأراضي حتى نهاية عام 2026.

وأشار «لاشين» إلى أن القرار من شأنه تحفيز النشاط الصناعي وتشجيع الاستثمار الحقيقي بدلًا من المتاجرة في الأراضي، لافتًا إلى أن الطروحات الجديدة تتم عبر منصة مصر الصناعية الرقمية بشكل دوري كل ثلاثة أشهر، وتشمل أنشطة متنوعة مثل الصناعات الكيماوية والغذائية والدوائية والهندسية، بمساحات تتراوح وفق طبيعة كل نشاط وقد تتجاوز 10 آلاف إلى 20 ألف متر مربع.

وأضاف أن الوزارة تسعى من خلال هذه الآليات إلى معالجة العيوب التي كانت تعوق جذب المستثمرين في السابق، مؤكدًا أن الأرض والبنية التحتية تمثلان أكبر عنصر تكلفة في أي مشروع صناعي، فالمستثمر الذي يضخ نحو 20 مليون جنيه في إنشاء مصنع قد تصل تكلفة الأرض والبنية الأساسية وحدها إلى ما بين 15 و17 مليون جنيه، وهو ما يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من السيولة المتاحة للمشروع.

واختتم «لاشين» تصريحاته بالتأكيد على أن تطبيق نظام الإيجار التمليكي سيسهم في الحفاظ على سيولة المستثمرين، ويوفر لهم القدرة على توجيه الأموال إلى شراء الخامات أو إنشاء خطوط إنتاج جديدة، وهو ما يرفع معدلات الاستثمار ويزيد الإقبال على الطروحات الصناعية خلال الفترة المقبلة.