< هل تتحول المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية إلى «ثغرة» البراءة في جرائم القتل؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

بعد إلغاء عقوبة «الإعدام» لشقيقين..

هل تتحول المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية إلى «ثغرة» البراءة في جرائم القتل؟

عقوبة الإعدام
عقوبة الإعدام

أصدرت محكمة النقض حكمًا تاريخيًا بتخفيف عقوبة الإعدام بحق شقيقين في قضية قتل عمد بالجيزة، إلى السجن المؤبد والمشدد، مستندة إلى «التصالح» وتقديم أوراق رسمية توثق عفو ورثة المجني عليه؛ كأول تطبيق لمبادئ قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، رغم أن تاريخ العمل به رسميًا في أكتوبر المقبل.

إلغاء عقوبة الإعدام

وجاء في تفاصيل الحكم وتطبيقه للقانون الجديد أنه تم تعديل الحكم من الإعدام شنقًا إلى السجن المؤبد للمتهم الأول، والسجن المشدد 10 سنوات للمتهم الثاني، حيث استندت المحكمة إلى المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي يتيح التصالح في جنايات القتل عمدًا.

وكشف الحكم عن قبول المحكمة أوراق رسمية موثقة تثبت تصالح ورثة المجني عليه مع المتهمين، وهو ما يعد ركيزة أساسية لتخفيف العقوبة بموجب القانون الجديد، مؤكدة تطبيق هذا القانون رغم عدم العمل به رسميًا، استنادًا إلى مبدأ تطبيق القانون الأصلح للمتهم منذ تاريخ إصداره وليس العمل به، وهو الأمر الذي يثير تساؤلًا حول هل تتحول المادة 22 من القانون لـ«ثغرة» يستغلها أصحاب النفوذ والمال لشراء البراءة؟.

حيثيات الحكم في طعن المتهمين

وتضمنت حيثيات الحكم، أن الطعن المقدم من المتهمين «بلال غازي» و«إسلام غازي» على حكم إعدامهما شنقًا الصادر من محكمة جنايات الجيزة، لاتهامهما بقتل المجني عليه «لبيب حمدي» عمدًا مع سبق الإصرار والترصد، بعد أن اقتحما مسكنه بمنطقة 6 أكتوبر، وسدد له المتهم الأول طعنات متفرقة في أنحاء جسده أودت بحياته انتقامًا منه لاستيلاء الضحية على أمواله، وذلك خلال تواجد المتهم الثاني على مسرح الجريمة للشد من أزر شقيقه، قد استوفى الشكل المقرر في القانون.

تطبيق القانون الأصلح للمتهمين

وأضافت الحيثيات، أنه وفقًا لنص المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 نوفمبر 2025، -الذي يبدأ العمل به رسميًا في أكتوبر المقبل-، فإنه رغم ذلك، وتطبيقًا لقاعدة تطبيق القانون الأصلح للمتهمين من تاريخ إصداره بغض النظر عن تاريخ العمل به، وبعد أن قدم المتهمان ما يفيد إثبات التصالح مع ورثة المجني عليه.

وتأسيسًا على ذلك، قضت المحكمة بتعديل حكم إعدام المتهمين شنقًا إلى السجن المؤبد للمتهم الأول، والسجن المشدد 10 سنوات للمتهم الثاني.

كما رفضت المحكمة باقي دفوع محامي المتهمين بشأن القصور في التسبيب، مؤكدة أن الحكم المطعون فيه قد بيّن وجود أدلة سائغة على ثبوت الجريمة بحق المتهمين بأركانها وملابساتها، بالإضافة إلى أن وجود اسم قاضٍ رابع زيادةً في محضر الجلسة لا يعد وجهًا من أوجه البطلان.

وأشارت إلى أن دفاع المتهمين حضر جلسات المحاكمة وترافع وأبدى دفوعه، وسجلت المحكمة ذلك في صدر حكمها، بما ينفي الإخلال بحق الدفاع.

نص المادة 22 من القانون الجديد

وتنص المادة (22) من قانون الإجراءات الجنائية الجديد على أنه «مع عدم الإخلال باختصاصات رئيس الجمهورية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها، يجوز لورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح في أية حالة كانت عليها الدعوى إلى أن يصدر فيها حكم بات في الجرائم المنصوص عليها في المواد 230، 233، 234 (الفقرتين الأولى والثانية)، 235، 236 (الفقرة الأولى) من قانون العقوبات، ويترتب على الصلح في هذه الحالة تخفيف العقوبة وفقًا لحكم المادة 17 من قانون العقوبات».

التصالح مرهون بإرادة ورثة المجني عليه

وتعليقًا على ذلك، قال الدكتور محمد أبو شقة، أستاذ القانون الجنائي والمحامي بالنقض، إن المادة 22 من قانون الإجراءات الجنائية الجديد تمثل نصًا مستحدثًا يسمح بالتصالح في جرائم الدم، مشددًا على أن هذا الحق مرهون بإرادة ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص، وليس المتهم.

وأوضح «أبو شقة» -في تصريحات له-، أن النص يتيح للورثة إثبات الصلح في أي مرحلة من الدعوى حتى صدور حكم بات، في جرائم القتل العمد وظروفه المشددة، والقتل بالسم، والضرب المفضي إلى الموت، وغيرها من الجرائم المحددة في القانون.

وبيّن أن الصلح قد يأخذ ثلاثة أشكال: عفوًا مطلقًا دون مقابل، أو مقترنًا بالدية، أو بالدية والتعويض معًا، مؤكدًا أن الدية مقدرة شرعًا وفق نصاب تحدده دار الإفتاء، بينما التعويض هو ما يزيد على هذا المبلغ.

وشدد الدكتور محمد أبو شقة، أستاذ القانون الجنائي والمحامي بالنقض، على أن النص يستخدم كلمة "يجوز" مما يعني أن الأمر جوازي وليس وجوبيًا، ومرتهن بإرادة ورثة المجني عليه دون إلزام لهم.

وأشار إلى أن الصلح لا يعني براءة المتهم أو انقضاء الدعوى الجنائية، بل يترتب عليه تخفيف العقوبة وفق المادة 17 من قانون العقوبات، حيث يلتزم القاضي بالنزول درجة أو درجتين في العقوبة، من الإعدام إلى المؤبد أو السجن المشدد، ومن المؤبد إلى السجن المشدد أو السجن، وهكذا.

وأكد «أبو شقة»، أن النص له أساس شرعي راسخ في القرآن الكريم، مستشهدًا بآية القصاص في سورة البقرة التي تجيز العفو من أولياء الدم، معتبرًا أن إدخال هذا النص إلى التشريع المصري جاء متأخرًا لكنه يرسخ مبدأ الرحمة ويتيح حلولًا عملية لوقف نزيف الدم في قضايا الثأر.

الحد من عقوبة الإعدام وحقن الدماء

من جهتها، علقت الدكتورة صابرين أحمد مصطفى، المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، على تفعيل نصوص قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 قبل موعد نفاذه الرسمى المقرر فى أكتوبر المقبل، وهو ما أدى لإنقاذ متهمين من حبل المشنقة بعد ثبوت تصالحهما مع ورثة المجنى عليهم، موضحة أن محكمة النقض استندت فى قرارها إلى المادة 5 من قانون العقوبات، التى توجب تطبيق القانون الأصلح للمتهم إذا صدر قبل صدور حكم نهائى وبات.

وكشف المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- عن أن المادة 22 من القانون الجديد جاءت بناءً على رؤية شرعية واجتماعية تبناها الأزهر الشريف، بتكليف من الإمام الأكبر للدكتور عباس شومان رئيس لجنة المصالحات الثأرية، بهدف الحد من عقوبة الإعدام وحقن الدماء فى النزاعات القبلية والثأرية، موضحة أن القانون لا يلغى العقوبة تمامًا بل يستبدلها بالسجن المؤبد أو المشدد، مانحًا القاضى سلطة تقديرية للرأفة وفقًا للمادة 17.

وحول مدى تعارض المادة مع الشريعة، أكدت أن القانون يتماشى مع جوهر الدين الإسلامى والمسيحي؛ ففى المسيحية يرتكز الجوهر على الغفران، وفى الإسلام أقرت الآية (178) من سورة البقرة مبدأ العفو والديّة بقوله تعالى: «فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان».

ووجهت الدكتورة صابرين أحمد مصطفى، انتقادات حادة للصياغة التشريعية، معتبرة أن وضع المادة (22) ضمن قانون الإجراءات الجنائية بدلًا من قانون العقوبات هو وضع للشيء فى غير موضعه، ويفتح بابًا لعلامات الاستفهام القانونية والدستورية.

العدالة يجب ألا تُباع بالمال

وردًا على تساؤل حول الردع العام، وهل يتحول القانون إلى ثغرة يستغلها أصحاب النفوذ والمال لشراء البراءة؟، أكدت المحامية بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، أن هناك مخاوف مشروعة من شخصنة الحق، وأن يستفيد أصحاب المال فقط من هذا النص، بينما يظل الفقير تحت مقصلة الإعدام لعدم قدرته على الترضية المالية.

واستطردت قائلة: إن القانون أغفل أيضًا حالات الشروع فى القتل، مما يجعله تشريعًا مليئًا بالثغرات التى قد توجب الطعن عليه مستقبلًا.

واختتمت: أن هذا القانون سيواجه موجة من الطعون من المتضررين فعليًا، خاصة فى ظل الجدل حول ما إذا كان السجن كافيًا لتحقيق الردع، أم أن إتاحة مفر للمتهمين من الإعدام سيشجع على العنف، مؤكدة أن العدالة يجب ألا تُباع بالمال، والتشريع يحتاج لمراجعة دقيقة لضمان عدم استغلاله.