المستشار وليد عز الدين يكتب: حكم الدستورية بشأن جداول المخدرات.. زلزال قانوني يعيد ضبط حدود التجريم
في تطور قانوني بالغ الخطورة، أصدرت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 16 فبراير 2026 حكمًا بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023 بشأن استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، مع سقوط ما تلاه من قرارات صدرت استنادًا إليه.
الحكم لا يقتصر على إلغاء قرار إداري، بل يمتد أثره إلى صميم المنظومة الجنائية، وقد ينعكس على عدد من القضايا المنظورة أو حتى الأحكام الصادرة بالفعل.
لماذا كان الحكم مفصليًا؟
قانون مكافحة المخدرات منح وزير الصحة سلطة تعديل الجداول التي تحدد المواد المخدرة والمؤثرات العقلية.
غير أن الجداول جرى استبدالها بقرارات صادرة من رئيس هيئة الدواء المصرية، وهو ما اعتبرته المحكمة تجاوزًا لحدود التفويض التشريعي.
المحكمة أكدت مبدأً دستوريًا راسخًا:
لا يجوز توسيع نطاق التجريم أو تعديل عناصره بقرار صادر من جهة لم يمنحها القانون هذا الاختصاص صراحة.
فمسألة إدراج مادة ضمن جدول المخدرات ليست شأنًا تنظيميًا عابرًا، بل عمل يمس أصل التجريم ذاته، ويترتب عليه سلب الحرية وفرض العقوبات الجنائية.
الأثر الأخطر… كأن لم تكن
حكم المحكمة لم يقف عند حد الإلغاء، بل قرر أن القرارات المقضي بعدم دستوريتها تُعد كأن لم تكن منذ صدورها.
وهذا يعني أن أي تجريم تأسس حصريًا على إدراج مادة بموجب القرار غير الدستوري، يفتقد سنده القانوني.
وهنا قد تفتح أبواب إجرائية مهمة، منها:
• الطعن أمام محكمة النقض
• طلبات وقف التنفيذ
• التماس إعادة النظر
• إعادة فحص أوضاع بعض المحكوم عليهم
غير أن الأمر لن يكون عامًا أو تلقائيًا، بل يخضع لتقدير كل حالة وفقًا لظروفها القانونية.
بين الردع والشرعية
قد يظن البعض أن الحكم يمثل إرباكًا للسياسة الجنائية في ملف المخدرات، إلا أن الحقيقة الدستورية تختلف.
المحكمة لم تُلغِ قانون مكافحة المخدرات.
ولم تمس الجداول الأصلية السارية.
وإنما أبطلت الوسيلة التي عُدِّلت بها الجداول دون سند تشريعي صحيح.
فالردع الجنائي لا يقوم على تجاوز حدود الاختصاص، ومكافحة الجريمة لا تبرر الالتفاف على مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
رسالة دستورية واضحة الحكم يعيد التأكيد على أن: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صحيح صادر من جهة مختصة.
واحترام حدود التفويض التشريعي ليس مسألة شكلية، بل ضمانة جوهرية لحريات الأفراد، وصمام أمان لدولة القانون.
فالتجريم ليس قرارًا إداريًا، بل اختصاصًا مقيدًا بإطار دستوري صارم.
ماذا بعد؟ الأيام المقبلة قد تشهد تحركات قانونية داخل أروقة المحاكم، وستكون لمحكمة النقض والنيابة العامة الكلمة الفصل في كيفية إعمال أثر الحكم على القضايا القائمة.
لكن المؤكد أن هذا الحكم سيظل علامة فارقة في ضبط العلاقة بين السلطة التنفيذية ومجال التجريم الجنائي.
لسنا أمام حكم لصالح متهمين بقدر ما نحن أمام انتصار لمبدأ.
ففي دولة القانون، لا تُحمى الشرعية بتوسيع نطاق التجريم، بل باحترام حدوده.
الدستور لا يُعلّق عند بوابة مكافحة الجريمة.. بل يبدأ منها.