من الصدارة الإقليمية إلى الترقب..
أسباب تأجيل مشروعات الهيدروجين الأخضر فى مصر لـ2030
في الوقت الذي تتصدر فيه مصر خريطة الطموحات الإقليمية في مجال الهيدروجين الأخضر، بدأت خلال الفترة الأخيرة تتردد أنباء عن تأجيل عدد من المشروعات المخططة إلى ما بعد عام 2030، في ظل اتجاه عالمي متصاعد لإعادة تقييم الجدوى الاقتصادية والتمويلية لهذا النوع من المشروعات.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع موجة مماثلة تشهدها أسواق الطاقة الدولية، حيث أعادت شركات ودول كبرى جدولة استثماراتها في الهيدروجين الأخضر، مدفوعة بارتفاع التكاليف وضعف الطلب وتأخر إبرام عقود الشراء طويلة الأجل، وهو ما يفتح باب التساؤلات حول مستقبل هذه المشروعات وأثرها على خطط التحول إلى الطاقة النظيفة في مصر والعالم.
وكان تقرير دولي حديث صادر عن مجلس صناعات الطاقة «EIC» كشف أن مصر تتصدر خريطة مشروعات الهيدروجين الأخضر في إفريقيا من حيث حجم الاستثمارات المخططة، حيث تمثل مصر وحدها قرابة 88.5 مليار دولار من هذه الاستثمارات، مدعومة باستراتيجيتها الوطنية للهيدروجين منخفض الكربون، وذلك برغم تباطؤ الزخم العام لهذه المشروعات على مستوى القارة نتيجة صعوبات تتعلق بتأمين المشترين والبنية التحتية وسلاسل الإمداد.
وعزا التقرير تراجع الزخم في سعي إفريقيا للتحول إلى مُصدر رئيسي للهيدروجين الأخضر، إلى أن معظم المشروعات تواجه صعوبات في تأمين مشترين، وبناء البنية التحتية الداعمة، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية.
40 مشروعًا و30 مذكرة تفاهم
ويبلغ عدد مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر 40 مشروعًا غالبيتها لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، وتقع الغالبية العظمى داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث أبرمت الهيئة العامة للمنطقة نحو 30 مذكرة تفاهم، تم تفعيل نحو 14 مذكرة منها، وتم توقيع 11 اتفاقية إطارية يُقدَّر حجم الإنتاج السنوي المتوقع من مشروعاتها حال اكتمال مراحلها بصورتها النهائية بـ18 مليون طن سنويًا.
كما بلغ إجمالي حجم مشروعات الهيدروجين الأخضر في مصر التي تمّ توقيع مذكرات تفاهم أو اتفاقيات أولية أو نهائية بشأنها خلال الفترة من 2021 إلى 2023 نحو 215.5 مليار دولار، حسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وقعت البلاد 4 اتفاقيات كبرى العام الماضي لإنتاج الأمونيا الخضراء، وتشمل اتفاقية مع شركة «داي إنفراستركشر» الألمانية بقيمة 11 مليار دولار لإنشاء مشروع بميناء شرق بورسعيد، واتفاقية مع شركة «أوكيور إنيرجي» الهندية بقيمة 4.25 مليار دولار لإنشاء مشروع بميناء العين السخنة.
كما أبرمت مصر اتفاقية مع تحالف «طاقة عربية» و«فولتاليا» الفرنسية بقيمة 3.46 مليار دولار لمشروع بميناء السخنة، واتفاقية مع تحالف يضم «بريتيش بتروليوم»، و«مصدر» الإماراتية، و«حسن علام» للمرافق، و«إنفينيتي باور» القابضة، بقيمة 14 مليار دولار لتطوير محطة بميناء السخنة. كذلك اتفقت مصر وفرنسا في أبريل الماضي على إنشاء محطة لإنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، بما في ذلك الأمونيا الخضراء، بتكلفة إجمالية 7 مليارات يورو ممولة من القطاع الخاص.
تستهدف مصر زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة لتصل إلى 42% من القدرة الإجمالية للشبكة القومية للكهرباء بحلول 2030، موزعة بنسبة 22% للطاقة الشمسية، و14% من الرياح، و4% من المركزات الشمسية، و2% من الطاقة الكهرومائية.
تتضمن الاستراتيجية إنتاج 5.8 مليون طن سنويًا من الهيدروجين الأخضر، بهدف الاستحواذ على نسبة تتراوح بين 5% و8% من السوق العالمية والمساهمة في تحقيق أهداف المناخ من خلال خفض انبعاثات الكربون بمقدار 40 مليون طن سنويًا، وخلق حوالي 100 ألف فرصة عمل، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار يتراوح بين 10 مليارات دولار و18 مليار دولار.
مرحلة الجدوى الاقتصادية الصارمة
وفي هذا السياق، قال المهندس مصطفى الشربيني، استشاري مشروعات الطاقة المتجددة، إن مؤشرات التراجع في مشروعات الهيدروجين الأخضر، بدأت في عام 2025 وليس في مصر فقط بل على مستوى العالم.
وأضاف «الشربيني» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن هناك عددًا من المشروعات الموقعة مذكرات تفاهم بشأنها تم ترحيل تنفيذها لما بعد 2030، في ظل تحديات عالمية ومحلية متشابكة، أولًا: التكلفة فإنتاج الهيدروجين الأخضر لا يزال مرتفع مقارنة بالهيدروجين التقليدي أو الأزرق، بسبب ارتفاع أسعار المحللات الكهربائية الحاجة إلى كهرباء متجددة رخيصة ومستقرة، وكلفة التخزين والنقل والبنية التحتية.
وتابع: «ثانيًا: ضعف الطلب المحلي والعالمي، رغم الحديث عن مستقبل واعد، فإن الطلب الفعلي المضمون بعقود طويلة الأجل لا يزال محدودًا، خصوصًا في: الصناعات الثقيلة، وقطاع النقل، والأسواق الناشئة، والشركات ترفض ضخ مليارات الدولارات دون وجود مشترين مؤكدين، ثالثًا: ضبابية السياسات والدعم الحكومي سواء بخصوص آليات تسعير الكربون، والحوافز الضريبية، زالدعم المباشر للهيدروجين الأخضر، وهو ما يرفع المخاطر الاستثمارية ويجعل التأجيل خيارًا آمنًا للشركات، رابعًا: تحولات في أولويات الاستثمار حيث شركات طاقة عالمية أعادت توجيه رؤوس أموالها إلى: تحسين كفاءة الأصول الحالية والطاقة التقليدية منخفضة، بجانب المخاطر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي».
وأشار «الشربيني»، إلى أن التحديات الماضية حقيقية وليست مفتعلة، ولا يمكن القفز فوقها بالشعارات، والتأجيل أصبح مبررًا فقط إذا كان جزءًا من خطة تصحيح، لا وسيلة للهروب من القرار موضحًا أن قرار التأجيل سيكون فائدة في حالة استُخدمه لإعادة هيكلة المشروعات، وتحسين دراسات الجدوى، وربط الإنتاج بطلب صناعي محلي حقيقي، وخفض التكاليف عبر الابتكار والتوسع التدريجي.
وأكد أن قرار التأجيل لـ2030، لن يزيد التحديات، بل سنتخفض نتيجة لعدة عوامل منها: «تكاليف الهيدروجين الأخضر مرشحة للانخفاض مع تطور التكنولوجيا، والتوسع في الإنتاج سيقلل كلفة الوحدة، بجانب من المتوقع نمو الطلب بعد 2030 مع تشديد سياسات المناخ، زتوسع الصناعات الخضراء، وفرض ضرائب الكربون عالميًا، ولكن في المقابل التنافس سيكون أشد، والدول التي تأخرت في بناء الخبرة وسلاسل القيمة قد تجد نفسها خارج السباق».
وأوضح استشاري مشروعات الطاقة المتجددة، أن مصر تمتلك ما يساعدها لدعم إنتاج الهيدروجين الأخضر، مثل موارد شمسية ورياح تنافسية، موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وبنية أساسية للطاقة قيد التطوير، لكن النجاح يتوقف على ربط الهيدروجين بصناعات محلية «الأسمدة – الصلب»، وخلق طلب داخلي حقيقي، والانتقال من «مشروعات عملاقة مؤجلة» إلى «مشروعات مرحلية قابلة للتنفيذ».
وأكد أنه في النهاية التأجيل لا يعني نهاية الهيدروجين الأخضر، لأن هناك مؤشرات إيجابية للاستثمارات لا تزال تنمو، ومن المتوقع أن تقفز بنسبة 70% خلال عام 2026 لتصل إلى حوالي 8 مليارات دولار، كما انخفاض تكلفة التكنولوجيا مع الوقت (خاصة في الصين) قد يعيد الزخم للمشروعات المؤجلة بحلول عام 2028-2030،
وختم: «نحن فقط ننتقل من مرحلة الوعود والاتفاقيات غير الملزمة إلى مرحلة الجدوى الاقتصادية الصارمة، وهو ما أدى لغربلة المشروعات غير الجاهزة مع العلم أن (الهيدروجين الأخضر لن ينتظر المترددين.. والسوق العالمي لا يرحم من يتأخر عن لحظة الانطلاق)».