عودة السوق السوداء..
وقف إعفاء الموبايلات المستوردة يهدد بتقليص تحويلات المصريين بالخارج
أثار قرار الحكومة بإنهاء الإعفاء الاستثنائي عن الهواتف المحمولة الواردة بصحبة الركاب، جدلًا واسعًا بين المصريين المقيمين في الخارج، حيث أعلن عدد منهم عن احتمالية وقف التحويلات البنكية لأول مرة في التاريخ، احتجاجًا على القرار وخاصة مع ارتفاع الأسعار في مصر عند مقارنتها بالدول الأخرى مثل تركيا والسعودية والإمارات وقطر، وهو ما اعتبره الخبراء قرار صادم للمصريين في الخارج والداخل أيضًا.
وبلغ إجمالي الإنتاج المحلي نحو 20 ملايين جهاز سنويًا، تشمل هواتف مخصّصة للتصدير إلى الأسواق الخارجية، وتشكل حوالي 45% من إجمالي المبيعات المحلية، مما يعكس تزايد الطلب على الأجهزة المنتجة محليًا تلبية لاحتياجات المستهلكين المصريين.
وتعمل في مصر 15 مصنعًا محليًا للهواتف الذكية بالشراكة مع علامات تجارية عالمية أبرزهم سامسوج وأوبو وشاومي، وتوفّر هذه المصانع آلاف فرص العمل بينما تساعد في تقليل الاعتماد على الواردات، بقيمة استثمارات تقدر بـ200 مليار دولار.
القرار الجديد يفرض قيودًا غير عادلة
المصريون في الخارج يشيرون إلى أن الأسعار في مصر وخاصة الآيفون فارق سعرها يقارب 400 – 500 دولار مقارنة بأسعارها في الدول التي يقيمون فيها، مؤكدين أن القرار الجديد يفرض عليهم قيودًا غير عادلة على حياتهم اليومية، ويؤثر على شعورهم بالانتماء لبلدهم، ما يؤدي إلى المساس بحرية التنقل والامتيازات التي يجب أن يتمتعوا بها كمواطنين.
واتفق عدد من المواطنين في الخارج، على استبدال التحويلات بالسوق السوداء أو إرسالها عبر وسطاء أو شركات صرافة، حتى تلبّي الحكومة مطالبهم، والسماح بإعفاء هاتف للمصريين المغتربين.
وبحسب بيانات البنك المركزي، فأن تحويلات العاملين المصريين في الخارج ارتفعت خلال الفترة من يناير وحتى نوفمبر 2025 حقق نموًا لافتًا بنسبة 42.5%، ليصل إلى نحو 37.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 26.3 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق.
ورغم الانتقادات وعضب المواطنين في الداخل والخارج والتهديدات بوقف تحويلات، إلا أن أحمد أموى، رئيس مصلحة الجمارك، خرج بتصريحات اعتبرها البعض بالاستفزازية قائلًا: «القرار مطبق، ولا يوجد أى تفكير فى إعادة النظر فيه».
تحويلات المصريين في الخارج شريان حياة
ويرى خبراء، أن توقف التحويلات سيكون له تأثيرات مباشرة على الاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بالنقد الأجنبي، إذ تمثل تحويلات المصريين في الخارج أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبنوك والاقتصاد المحلي.
وفي هذا السياق، قال وليد رمضان، رئيس مجلس شباب الأعمال الاقتصادي ونائب رئيس شعبة المحمول والاتصالات باتحاد الغرف التجارية، إن إعفاء الموبايلات الواردة من الخارج، كان يعطي مساحة في سوق الموبايلات الجديدة لتثبيت الأسعار، وخاصة أن الأسعار في مصر بمقارنتها بالدول المجاورة مرتفعة جدًا رغم لدينا تصنيع محلي، حيث الفرق كبير يصل إلى 40% و50% وهو ما يعني وأن الأسعار في مصر ليست تنافسية.
وشدد «رمضان» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، على ضرورة وجود رقابة على المصانع لضمان عدم استغلال الأسعار الفترة المقبلة، بما يضمن للمواطن الشعور بتحسن من توطين صناعة الموبايلات في مصر بعد القرار.
وأشار نائب رئيس شعبة المحمول والاتصالات، إلى أن سوق المستعمل سيشهد رواجًا الفترة المقبلة، وسيلجأ المواطن إلى صيانة الموبايل بدلًا من شراء الجديد، مما سيؤدي إلى ركود مؤقت وبسيط في سوق الهواتف الجديدة.
ومن ناحيته، قال هاني أبو الفتوح، الخبير المصرفي، إن قرار وقف الإعفاء الاستثنائي على أجهزة الهواتف المحمولة الواردة من الخارج، جعل الموبايل كنزًا، لافتًا إلى أن القرار يجامل التصنيع المحلي على حساب المواطن.
وأضاف «أبو الفتوح» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، ـن الرسوم على الموبايل القادم من الخارج وصلت 38.5% من سعر الجهاز، في الوقت الذي يصل فيه سعر آيفون 17 برو ماكس في السعودية 65.7 ألف جنيه، يسجل في مصر 94 ألف جنيه، أي فرق 28 ألف جنيه وهو رقم مرعب لأي أسرة مصرية.
وأوضح أن المغترب يري السعر في الخارج أرخص بنسبة 20 إلى 50%؛ لذلك كان يعتمد على الهواتف كهدايا لأهله وأبنائه، ولكن القرار بمثابة صدمة كبيرة، حيث تكليف شراء الموبايل أصبح حمل تقيل على للمصريين في الخارج.
وتابع: «المواطن في الخارج والداخل، سيكون أمام مشكلة كبيرة في حالة الاضطرار إلى شراء هاتف جديد، حيث هناك ميزانيات كثيرة من الأسر لن تتحمل صدمة الأسعار الجديدة».
وأشار الخبير المصرفي، إلى أن القرار جاء بعد وصول تحويلات المصريين بالخارج إلى 37.5 مليار دولار، أي أصبح شريان حياة للسوق والأكل والدواء، وانخفاض التحويلات أو اهتزازها بشكل بسيط سيؤثر بشكل مباشر على الدولار، وليس من المنطق التضحية بمليارات التحويلات لجمع ملايين للجمارك.
الاعتماد على اقتصاد الجباية
بدوره، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن تحويلات المصريين في الخارج وصلت لمعدلات تاريخية خلال الـ5 سنوات الماضية مسجلة 38 مليار دولار سنويًا، وهو يعني ثقة المغتربين في الاقتصاد المصري، وقرار يعني فقدان هذه الثقة مرة أخري، والتي تم بناءها خلال سنوات والأمر سيتسبب في مشكلات على المدى الطويل.
وأضاف -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الاعتماد على اقتصاد الجباية أمر صعب للاقتصاد والمواطن، حيث أكبر إيرادات الدولة تدخل من الضرائب، لافتًا إلى أن القرار لم يطبق في أي دولة في العالم ولكن المتعارف عليه هو الإعفاء الجمركي السلع التي يرتفع قيمتها عن 1500 دولار.
وأشار «فهمي»، إلى أن ما تردد عن تهريب الهواتف عن طريق المعتمرين أمر غير منطقي لتطبيق الضريبة، حيث عدد ما يتحدث عنهم قليل جدًا ولا يستدعي هدم منظومة كاملة وأثارة غضب المواطنين وفرض جمارك ترفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، مؤكدًا أن الحكومة ستفقد أكثر مما ستجني من القرار.
وتوقع تأثير تحويلات المصريين في الخارج الفترة المقبلة، وخاصة مع إصرار الحكومة على تطبيق القرار، حيث سيلجأ المواطنين إلى إرسال ما يحتاجه الأقربون فقط، دون أي زيادة، بالإضافة إلى اعتماد بعضهم على الوسطاء أو شركات الصرافة بعيدًا عن البنوك، مما ينشط السوق السوداء مرة أخري.
تابع: «أصبح المصريين في الخارج يظنون أنهم الفئات المستهدفة من زيادة إيرادات الدولة، ويعطي ليهم إحساس بعدم الانتماء للبلاد، وخاصة أن الضرائب التي يدفعها المواطن في الداخل والخارج لا يشعر مقابلها في أي تحسن في الخدمات».
وأوضح أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أنه يجب على الحكومة دارسة القرارات وتأثيرها على المواطن قبل التطبيق ومراعاة الضغوط التضخمية التي يعاني منها المصريين خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى أن القرار يهدم الثقة بين المواطن والدولة والتي تم إنشاؤها منذ عام 2011 أي خلال 15 سنة.

