< هشام زكي يكتب: الست.. وطمس التاريخ
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

هشام زكي يكتب: الست.. وطمس التاريخ

هشام زكي
هشام زكي

عندما يأمر أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام بإعادة بث مسلسل أم كلثوم للكاتب المبدع محفوظ عبدالرحمن وإخراج انعام محمد علي، عبر الشاشات التابعة للهيئة، متخطيا بذلك خريطة البرامج التلفزيونية الموضوعة مسبقا فهذا يعني وجود خلال ما توجب التدخل السريع لمعالجته، ظهر هذا الخلل جليا مجسدا في سعي البعض لتشويه الرموز وطمس الحقائق التاريخية التي عاشتها وآمنت بها أجيال متتالية من شعبنا.

ولعلنا لانبتعد عن موضوع المقال عندما نتذكر محاضرات البرفيسور الروسي المعني بتدريس مادة الموسيقى في قسم الدراسات العليا بالمعهد العالي للفنون المسرحية، الذي كان يركز في معظم محاضراته على عبقرية وموهبة الفنانين المصريين، مشيدا بعبقرية الفنان سيد درويش، ومشيرا إلى إنه لو كان أوروبيا لتم وضعه في مصاف العظماء مثل بيتهوفن، وباخ،وموتزارت وغيرهم، واحتفل العالم اجمع بيوم ميلاده وربما بيوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى، دون النظر إلى سلوكه بل النظر إلى ما قدمه للبشرية ( مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ )(يو ٧: ٨)، مؤكدا إن دول الشرق الأوسط لا تتقن فن التعامل،ولا سبل الاهتمام بالعبقرية والموهبه في المجالات المختلفة. لقد جسد البروفيسور الروسي في بضع كلمات ثقافة وفكر شعوب تتفنن في تشويه الماضي وطمس الهوية، ساعية إلى تلطيخ الصور الجميلة المرسومة في أذهان الناس دون سبب واضح ودون رؤية لعواقب هذا التلطيخ.

ولا يقف هذا التشوية عند فئة الفنانين بل يتعداه إلى المجالات الأخرى، ففي مجال العلوم تعرض الراحل الدكتور أحمد زويل لهجمة مماثلة بل لهجمة مدمرة من خلال مجموعة من الأشخاص الذين شككوا في أبحاثه وابتكاراته العلمية، وفي مجال الأدب تم تخوين الأديب نجيب محفوظ، والحبل على الجرار.

والواقع إن المرء لا يكاد يدرك أهداف تلك الحملات الساعية لتشويه الرموز والنيل منهم في المجالات المختلفة، ولماذا ؟ ولصالح منْ تعمل تلك الأصوات النشاز التي تخالف كل المبادئ الأخلاقية والقيم الروحية، فضلا عن عدم إدراكها لأهمية التاريخ وعلاقته بمكانة الأمم،التاريخ الذي يحفظ الذاكرة الجماعية ويعمق الشعور بالهوية والذات، التاريخ الذي يساعدنا على فهم الحاضر وتشكيل المستقبل، التاريخ الذي يساعد على تطوير الفكر وبلورة رؤية واضحة للتعامل مع المواهب القادرة على تحويل تلك الموهبة إلى فعل حضاري ملموس في المجالات المجتمعية المختلفة.

ولعلنا لا نجانب الصواب عندما نطالب بالقضاء على تلك الأصوات النشاز، وهذا لا يعني ديكتاتورية الرأي الواحد، بل يعني تعليم الأجيال المتعاقبة أهمية احترام وتقدير الرموز، ويعني تعليم الأجيال أن الأمم من حولنا تبذل الغالي والنفيس لايجاد وصياغة تاريخ لها في المجالات المختلفة حتى لو كان مزيفا، في الوقت الذي نشوه نحن فيه تاريخنا، من جانب آخر إن الله عز وجل لن يسألنا عما فعل السابقون في المجالات المختلفة ولن يحاسبنا عن المقامر أو المستغل أو الفاسد، وهذا ما أشار إليه جل جلاله في قوله ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة الآيتين ١٣٤ و١٤١)، سيسألنا فقط عن أعمالنا فقط، فلماذا ننصب أنفسنا أولياء على خلق الله متخذين من حجة إظهار الجوانب الإنسانية، أو جوانب أخرى وسيلة للتشويه والتلطيخ؟ ومنْ الذي منحنا السلطة لنقيم بشر مُثلنا قضوا نحبهم من سنين طويلة بعدما سطروا أسمائهم بأحرف من نور على صفحات التاريخ، بينما لازالنا نحبو في محاريب ما تركوا  لنا من ارث.