ads

وكيل الأزهر السابق يرد على المطالبين بتجريم اغتصاب الزوج لزوجته

الدكتور عباس شومان
الدكتور عباس شومان
أحمد بركة


نشر الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف السابق، مقالا، في جريدة صوت الأزهر، بعنوان "لا اغتصاب في زواج".


شهدت الأيام الماضية جدلا واسعا حول "اغتصاب الزوجة "، ومطالبة البعض بتشريع قانوني يحاسب الزوج في حالة إقامة علاقة زوجية مع زوجته دون رضائها، على خلفية ما حدث في مسلسل "لعبة نيوتن".


وفي هذا الشأن أكد الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر السابق، أن الاغتصاب جريمة في شرعنا، حيث أنه سَلَبَ ما ليس مستحقا لسالبه، كالاعتداء على عرض الغير من دون عقد شرعي، أو سلب ماله أو أرضه من دون رضاه، وحيث أن الاغتصاب جريمة؛ فهو يوجب عقوبة فاعله، تختلف باختلاف الواقعة، فمع أن الاغتصاب لم ترد في شأنه عقوبة محددة شرعا، وإنما تُرك للقضاء يجتهد القاضي في ضوء نصوص قانونية في إنزال العقوبة الملائمة على الفاعل.

 

وأضاف شومان، أن عقوبة الاغتصاب قد تزيد على العقوبة المقدرة شرعا لنفس الجريمة، إن ارتكبت من دون غصب، فالاعتداء على العرض بالزنا؛ جريمة حديّة، متى وقعت تراضيا بين طرفيها؛ يجلد فاعلها؛ إن لم يكن متزوجا، ويُرجم حتى الموت؛ إن كان محصنا بالزواج، أما مرتكب نفس الفعل قهرا ودون موافقة الطرف الآخر، فهو مغتصب، قد تصل عقوبته للإعدام، إن رأى القاضي ذلك، وكذلك أنواع الغصب الأخرى، فقد تركها الشرع بلا عقوبة محددة؛ ليتمكن القاضي من تطبيق العقوبة الرادعة، بالغة ما بلغت، فغصب بعض مال قد يكتفي بالحكم على الغاصب برد المال المغصوب مع بعض توبيخ حتى لا يعود للفعل ثانية، وهو يختلف عن غصب أرض شعب يجيز لأهلها شن حرب على الغاصبين لاستردادها.

 

وتابع : هذا يعني أن كلمة الاغتصاب أو الغصب ليست من الكلمات الهينة ؛التي يجوز أن نرددها في مجال مخالفة المرؤة أو ارتكاب ما يلام عليه من المخالفات التي لا تدخل في دائرة الجرائم الموجبة للعقاب، وهذا ما يفعله بعض الناس في الفترة الأخيرة فيما يعرف بالاغتصاب الزوجي، هذا المصطلح الوافد مع مصطلحات كثيرة تسللت إلى ثقافتنا وقيمنا ،وحلت بأحكامها محل ما جاءت به الشرائع السماويّة ومنها شريعتنا الغراء.

 

وذكر انه في بلاد الغرب يمكن للزوجة أن تتقدم شاكية زوجها ومتهمة له باغتصابها لمجرد أنه عاشرها معاشرة الأزواج في وقت لم تكن راغبة في المعاشرة، وهنا يحق للقاضي أن يعاقبه غير معتبر لعقد الزواج الذي وقع الفعل تحت مظلته، وإذا كان للغرب أن يفعلوا ما يحلوا لهم حتى في عقد الزواج نفسه حيث إنه عقد مدني لا علاقة له بالشرع عندهم، فإن  من التجني على شريعتنا وثقافتنا التسوية بين المعاشرة تحت مظلة عقد مدني لا تعرفه شريعتنا ولا تعترف به وبين المعاشرة التي يضمنها عقد الزواج في شريعتنا وهي مقصود أساس من مقاصده لما فيه من تعطيل لأثر من آثار عقد الزواج في شريعتنا الذي بني على المودة والرحمة، ويختلف عقده عن عقود المعاملات المادية  الأخرى، ولذا ذكرنا الخالق عند الإقدام عليه بهذه المعاني الراقية حيث قال: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

 

وقال إن المودة والرحمة لا يناسبهما اعتبار فعل من آثار عقدهما جريمة من الجرائم ، وكيف يوصف الفعل المباح بالعقد والذي هو أحد مقاصد ه بوصف مجرم في شريعتنا قبل القانون؟ ألم يقل ربنا في كتابه :{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ... }؟ فهل ورد في الآية اشتراط الرضى لتحقق اللباس حتى يكون من دونه اغتصابا؟ أم يقل في آية أخرى :{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}؟  فهل يرى هؤلاء محذوفا في الآية تقديره متى رضيت الزوجة؟! ،ولست أدري موقف هؤلاء من قوله – تعالى - :{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} ؟وهل علموا أن النشوز منه إعراض الزوجة عن زوجها أو لا؟ وهل علم هؤلاء بقول رسولنا الأكرم في الحديث المتفق عليه : «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ » ؟ .

 

ونصح وكيل الأزهر السابق، أصحاب هذه الدعوات بأنه كان الأولى بهم بدلا عن تحريض المرأة وإيهامها بأن استجابتها لرغبة الزوج في معاشرتها محض فضل وتكرم منها، لا تلام إذا ما ضنت به ليرفعوا من درجات تمرد المتمردات منهن، كان الأولى بهم توجيه المرأة إلى الاجتهاد في تحقيق حاجة الزوج الذي تزوج ليُحصن نفسه ويشبع حاجته في إطار مشروع، وإذا كان هؤلاء والنساء معهن يسعون لتقليل حالات تعدد الزوجات ،فإن بحثا تجريه جهة مختصة سيثبت أن كثيرا من الرجال يتزوجون ثانيا وثالثا لفشل الزوجات في إشباع حاجة الأزواج وإهمالهن في زينتهن نتيجة أعباء منزليّة ؛وربما وظيفية ضاغطة على الناحية العاطفية، ولأن كثيرا من الأزواج لا يحسن التماس العذر لهن يفر باحثا عن هذا الذي ينقصه بعيدا عنها في إطار زوجية أخرى، وأحيانا لضعف الوازع الديني  يبحث عنه في إطار غير مشروع أصلا.

 

وتساءل عباس شومان : هل انتبه هؤلاء إلى الآثار  المترتبة على هذه الكلمات التي تخرج من أفواههم ويحسبونها تطويرا ورقيا لمواكبة المعمول به في دول يحلوا لهم وصفها بالمتحضرة؟ وهل انتبهت المرأة العاقلة إلى خراب بيوتها القادم متى صدقت هذا الكلام الذي ما أنزل الله به من سلطان؟ أم أنها تظن أنها ستعود من المحكمة بعد أن عوقب زوجها بالسجن لاغتصابها تنتظر زوجها ليعود لها بعد انقضاء العقوبة ليغدق عليها حنانا متمسكا بها إلى الرمق الأخير! ما أسهل الكلام الذي يدغدغ المشاعر خاصة إذا كان موجها للنساء متى كان مؤلبا لهن على الرجال حيث يرين قهرهن لحسابه حتى في الأحكام الثابتة شرعا.

 

وقال وكيل الأزهر السابق، إن العشرة بين الزوجين يجب أن تكون في ظل التراحم ومراعاة كل طرف لحالة شريكه، والتماس العذر له، وأن المرؤة الحقة لا يناسبها أن يكره الرجل زوجته على معاشرته وإن كان حقه؛ لأنه حتى إن فعل فلن تتحقق له حاجته من الإشباع خلافا لمباشرة الفعل في وجود الرغبة من الطرفين معا، ولذا لا أقول للأزواج واقعوا زوجاتكم ولا تلتفتوا لرضاهن من عدمه، ولكن أقول: إن المرأة إنسان لها مشاعرها وكرامتها، وإن الحرص على صونها واحترام مشاعرها هو الذي يحقق لك حياة سعيدة فاحرص على ذلك في أم أولادك فاعذرها بما نقص من حقك لانشغالها ببيتك وأولادك، فليست الحياة كلها متعة جسدية ،وتذكر وصية رسولنا بها : «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ» ولكن أرفض التمادي مع هؤلاء فأجعل الرضى التام من شروط حل المعاشرة وإلا كانت اغتصابا.

 

كما تساءل: هل سيغير هؤلاء حكم رجعة المرأة وإن لم ترض إن هي طلقت طلقة رجعية، حيث أجمع العلماء على صحة رجعتها واستئناف الزوجية وإن لم ترض بالرجعة، ومن الرجعة معاشرة المطلقة رجعيا ،فهل إذا عاشرها من غير رضاها تبقى مطلقة ولا تعود لزوجته؟ وهل تعدونه مغتصبا لمطلقته فتوجبون عقابه، وهل يعقل أن المعاشرة ولو من دون رضا من المطلقة مستأنفة للزوجية التي هي الأصل، بينما توصف إذا وقعت بعد الرجعة بالاغتصاب؟!،وهل يرى هؤلاء أن اغتصاب الزوجات الذي يدعونه مساويا لاغتصاب غير الزوجات ؟،أو أنه نوع آخر من الاغتصاب مع أن الفعل واحد في الحالين؟فإن اعتبروا اغتصاب الزوجة كغيرها من النساء فماذا يفعلون بعقد النكاح الذي أحل لكل واحد من الزوجين الاستمتاع بالآخر من دون نص على اشتراط الرضى؟،وإذا فرقوا بين اغتصاب الأجنبية واغتصاب الزوجة فمعناه اعتبار عقدا الزوجية نصف اعتبار ، حيث خفف من وصف الفعل وفرق بينه وبين مثله مع الأجنبية ،وفي نفس الوقت اعتبروا شيئا من اغتصاب الأجنبية حيث حرموه على الزوج، وهذا تفريق عجيب لم نسمعه عن عاقل من فقهاء السلف ولا الخلف، فيا هؤلاء اتقوا الله قبل أن تنطلق الكلمات من أفواهكم تحسبونها هينة وهي عند الله عظيمة.

.