ads
ads

كيف نتجنب فوضى التطعيم؟

زياد بهاءالدين
زياد بهاءالدين
زياد بهاء الدين

اعتدتُ ألا أبدى رأيًا منتقدًا لأداء الوزارات والهيئات العامة- خاصة فى المجالات الخدمية- إلا بعد الأخذ فى الاعتبار الموارد المالية والبشرية المتاحة، وبعد التفكير جيدًا فى القيود والعوائق التى تعترض طريق التغيير أو الإصلاح، فالأفكار كثيرة ومتاحة، والمقارنات بالدول الأخرى سهلة، ولكن الواقع مختلف، والإمكانات محدودة، والتنفيذ على الأرض أصعب مما يبدو فى الدراسات المكتبية أو عبر الفتاوى والاجتهادات الإعلامية.

لهذا فإننى مقدر حجم التحدى الذى مثّله وباء «كورونا»- ولايزال- لحكومتنا ولوزارة الصحة منذ بدء انتشاره عالميًا فى ربيع العام الماضى، ولصعوبة التعامل مع ما جلبه من مرض وموت وأحزان وعزلة ومشقة اقتصادية. وأزعم أننى لست وحدى فى هذا الموقف، بل إن من طبيعة شعبنا الصابر والحمول أن يتعامل بواقعية مع ندرة وضعف الخدمات العامة، والناس فى قرارة نفسها اعتادت ألّا تتوقع الكثير، وأن تتلقى الوعود والتصريحات بحذر، لأن حكمة السنين علّمتها التأقلم مع المتاح.

ولكن إن كان ضعف الموارد وقلة الإمكانات مقبولين ومفهومين، فإن سوء الإدارة والتنفيذ أمر مختلف ولا مبرر له. من حق وزارة الصحة علينا أن نقدر حجم التحدى الذى تواجهه وضعف الإمكانات المتاحة لديها، ولكن من حق الناس فى المقابل أن تتوقع أمرين: الصراحة والمصداقية فى توفير المعلومات المتعلقة بالوباء وبخطط مكافحته، والالتزام بسياسة قومية تكون محل احترام الجميع.

أما عن المعلومات فلا داعى إلى الإلحاح على إشكالية الأرقام المعلنة يوميًا عن عدد الإصابات، والتى كانت منذ البداية محل شك محلى ودولى، حتى من أعضاء الحكومة. وكذلك الأمر مع الكثير من التصريحات الخاصة بأسعار الخدمات الطبية، وتوافر الأَسِرّة فى المستشفيات، وتوفير الإمكانات اللازمة لحماية الأطباء والممرضين. وحينما بدأ الحديث عن اللقاحات المتاحة إذا بسيل آخر من التصريحات المتناقضة: دفعات وصلت بالفعل، وأخرى فى الطريق، وتصنيع محلى، وبدء التطعيم فى يناير، ثم فى مارس، وتاريخ فتح باب التسجيل، ومَن لهم حق التسجيل مبكرًا، وأسباب تقديم مَن سجلوا مؤخرًا على الذين سجلوا مبكرًا، وغير ذلك من المعلومات المتناقضة. ولو التزمت وزارة الصحة بالمزيد من الصراحة والأمانة فيما تعلنه لكان فى هذا على الأقل احترام للناس.

وأما عن سياسة التطعيم، فللأسف صاحبها من البداية غموض واضطراب: قيل إن التطعيم سيكون بالمجان لمحدودى الدخل وبالتكلفة لغيرهم، ثم تم تأكيد أنه بالمجان للجميع، وهذا جيد جدًا، ثم تم الإعلان فى الصحف عن بعض الشركات التى تبرع أصحابها لحملة التطعيم وحصل العاملون فيها على الأمصال، ثم قيل إن الأولوية المطلقة للأطباء والعاملين فى الخدمات الطبية، ولكن لايزال هناك أطباء فى انتظار دورهم. ما نريده أن يكون هناك نظام واضح معروف للجميع ومحل احترام الجميع. لا بأس أن يتضمن هذا النظام مشاركة مَن يرغبون فى تمويل الحملة القومية، ولا بأس أن يُتاح للشركات من خلاله الإسهام فى تغطية العاملين لديها، ولا بأس أن يتضمن منح فئات معينة أولوية التطعيم إذا كانت طبيعة أعمالهم تقتضى ذلك، ولكن ترك الأمر للاجتهاد والغموض والشائعات يضر بمصداقية النظام، وبالتالى فاعليته. وقد هالنى شخصيًا أن يُنشر فى الصحف أن وزارة الصحة وافقت على تطعيم أعضاء مجلس النواب بشكل عاجل لأنهم- وفقًا للتبرير المنشور- يستحقون هذه الأولوية، نظرًا لأنهم «يمثلون» الشعب ويلتقون كثيرًا بالناس، فيما أراه تعبيرًا صارخًا عن اضطراب معايير تحديد أولويات المستحقين للتطعيم.

لا أنكر أن الأسبوعين الأخيرين شهدا فتح المزيد من مراكز التطعيم وتقديم خدمة معقولة فى معظم المراكز التى تابعتها واستيعاب أعداد أكبر من المسجلين. ولكن الواقع أننا لانزال فى مستهل الطريق، وأن عدد الذين جرى تطعيمهم والذين قاموا بالتسجيل لايزال محدودًا للغاية مقارنة بما يجب تحقيقه وما يمنح البلد حماية من الوباء، وقد يلزم استيعاب عشرات أضعاف الأعداد الحالية.

المصداقية فى المعلومات واحترام الجميع النظام القومى للتطعيم قد لا يحلان ما نعانى منه من نقص فى الموارد والإمكانات، ولكنهما يمنحان الناس الثقة فى أن النظام عادل، وأن الجميع فى مركب واحد، وهذا لو تعلمون مكسب كبير.
نقلا عن "المصري اليوم"