ads
ads

النيل بين الوجود والحياة والشرعية

عمار على حسن
عمار على حسن
عمار علي حسن
ads


(1)

النيل لمصر وجود، وللمصريين حياة، وللسلطة الراهنة شرعية، وعبر التاريخ الإنسانى كانت الشرعيات تروح وتأتى، تسقط وتقوم، لكن الوجود بديله العدم، والحياة بديلها الموت. لهذا لا تفريط فى قطرة من مائنا، وأى تهاون سيجرف فى طريقه كل مفرط، كما يفعل الماء فى أيام فيضانه الرهيب. لقد كانت حكمة المصريين دومًا أو عقدهم المتفق عليه وغير المكتوب هو أنه لا طاعة لأحد فى ضياع النيل.

إن ما يجرى الآن يطرح سؤالًا جوهريًا: هل العالم فقد عقله حتى يترك 140 مليون نَفَس فى مصر والسودان مُعرَّضين إما للعطش أو الغرق؟ ماذا لو وقعت الكارثة وزحف 30 مليونًا إلى الشمال الشرقى ليشربوا من «الليطانى»، وزحف أضعافهم عبر القوارب إلى شواطئ أوروبا، أو زحفوا جميعًا إلى المنابع فى الجنوب؟!. لا نطلب سوى تطبيق القانون الدولى الذى يطول أى اتفاقات تخالفه، وهو فى صفنا.

(2)

فارق كبير بين «الأحياء التاريخية» فى القاهرة، التى كانت مدنًا قديمة لحقب من الحكم المتتابع، وبين العشوائيات. وبذا فإن أى اتجاه إلى اعتبار الاثنين شيئًا واحدًا هو خلل جسيم فى التفكير والتدبير، فالأحياء التاريخية فى حاجة إلى ترميم وتطوير دون جَوْر على قيمتها الرمزية والثقافية. هذه الأحياء ليست عشوائيات حتى يفكر أحد فى إزالتها، أو يعتقد أن أرضها أهم من مبانيها العتيقة، فيقيم بين بيوتها الأثرية أبراجًا سكنية مثلًا تقضى على هويتها وصورتها. إن التعامل مع هذه الأحياء يكون بمشرط جراح لا بمعول فلاح.

(3)

‏عارضت مبارك منذ أن صرت طالبًا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وقضيت فترة تجنيدى ضابطًا احتياطيًا يحمل نوط الواجب العسكرى قائد سرية مدفعية مضادة للطيران. كتبت مرات أيام مبارك: لو فُرضت على مصر حرب سأرتدى زيى العسكرى وأسلم نفسى لأقرب معسكر مجندا أو متطوعا، وأقول للرئيس: تمام يا أفندم.‎

(٤)

قبل أيام، أكد د. عوض تاج الدين، مستشار الرئيس لشؤون الصحة، أنه من المتوقع أن يزيد عدد المصابين فى مصر خلال الفترة المقبلة، مع دخولنا إلى الموجة الثالثة من وباء كورونا. من أجل هذا لابد من تطبيق القانون فى اتخاذ إجراءات الوقاية، ففى الحقيقة، هناك تقاعس أو تباطؤ أو تغافل أو عدم مبالاة من قِبَل الحكومة، فالالتزام بالتباعد، ولو قليلًا، وارتداء الكمامة، والاستمرار فى توخِّى النظافة ضرورة، ولاسيما مع تباطؤ تلقيح الناس.

بهذه المناسبة، أُذكّر الحكومة المصرية بما جرى فى الأردن، وليس فى اليابان أو ألمانيا، فحين مات مصابو كورونا لانقطاع الأكسجين، سارع أكبر رجل فى الدولة، وهو الملك عبدالله الثانى، إلى المستشفى، وهرع نواب البرلمان إلى هناك، وكذلك رئيس الحكومة، ثم دعا إلى اجتماع عاجل، وعقد مؤتمرًا صحفيًا، وقبله اجتمع وزير الصحة مع الأطباء، وبعدها استقال، وقامت وكالة الأنباء الرسمية «بترا» بتغطية الحدث ومختلف وسائل الإعلام الأجنبية فى البلاد، أما الناس فقد سُمح لهم بالتظاهر تعبيرًا عن غضبهم، فطالبوا بمحاسبة المسؤول. لم يتنصل أحد وينكر ويتبلد ويتجبر أبدًا.

ويطيب لى فى هذا المقام أن أذكر شيئًا مما على الناس، إذ عليهم أن يقدموا نوعًا من الدعم النفسى والمعرفى المتبادل، ولهذا، يا ليت كل شخص تعافى من كورونا يكتب تجربته ويعطى للناس نصائحه. نعم، كل حالة مختلفة عن أختها إلى حد ما مع هذا الفيروس اللعين، لكن عرض تجارب عبور الأزمة مهم ليمنح الناس أملًا وقوة، ويرفع الروح المعنوية التى بدورها ستعمل على حفز جهاز المناعة، فعليه ينعقد العزم فى تحصيل الشفاء، بإذن الله.

(٥)

تتقلب السياسة كموج البحر، لا صداقات تدوم ولا عداوات دائمة، وتغيُّر فجائى أحيانًا يجعل الحليم حيرانَ، لهذا فإن كل صاحب علم أو معرفة أو فن عليه ألا يُلحق نفسه بسياسى، وأن يخلص للحقيقة والجمال، وينحاز إلى أشواق الناس للحرية والعدل والكرامة، فهذه قيم ثابتة لا تختلف مع تبدُّل الزمان والمكان.

(٦)

حضرت قبل 15 سنة ورشة عمل لمنظمة نسائية، فوجدت بعضهن يتحدثن دون أدنى اعتبار لأحوالنا وظروفنا وما تعارفنا عليه. قلت يومها: النموذج السياسى الغربى هو الأرقى حتى الآن، وقابل للاستعارة والاستفادة منه تمامًا. أما النموذج الاجتماعى الغربى ففيه الكثير من العيوب والثقوب، وهم يعترفون بهذا.

(٧)

فى الذكرى السابعة والخمسين لرحيل الأديب والمفكر عباس محمود العقاد، لايزال الرجل حاضرًا بكثير مما تركه: بعض الشعر، والعبقريات، والنقد، ومئات المقالات والدراسات الأدبية والدينية والفكرية، علاوة على موقف سياسى شجاع وعصامية جبارة جعلت من رجل لم يحصل سوى على الابتدائية وثقّف نفسه كاتب الشرق.

فى كل سنة تحل المناسبة، علينا أن نبحث عن شىء مختلف فى حياة العقاد، وهنا طرأت لى خاطرة، فالعقاد أحب الفنانة مديحة يسرى، وهذا معروف. كانت مراهقة وهو شيخ فلم ترْضَ بهذا العملاق الكبير، لكن كبرياءه جعله يغادر وجعه سريعًا. عاش العقاد خمسة وسبعين سنة، وعاشت هى قرنًا تقريبًا. لم يعد لديها ما تقدمه فى عقودها الأخيرة، بينما مات هو وفى رأسه كثير مما لم يكتبه بعد. كم هى غريبة هذه الدنيا، إنها لغزٌ عَصِىٌّ على الفهم.