ads
ads

حول «كورونا».. إلى وزيرة الصحة

عمار على حسن
عمار على حسن


  • (١)
  • ليس من قبيل المبالغة القول إنه فى وقتنا هذا إذا اشتكى شخص من ألم فى إصبعه قال له بعض الأطباء المتعجلين: اشتباه كورونا! فهل الفيروسات الأخرى والبكتيريا التى تسبب النزلات المعوية، وكذلك النزلات الشعبية والبرد وحساسية الصدر والربو، وتتشابه مع أعراض كورونا صارت فى إجازة الآن؟ هل «كوفيد- 19» يَجُّب ما قبله أو يأكله لينفرد بالساحة وحيدا فريدا؟.. الإجابة بالطبع: لا.

وهنا يولد سؤال آخر مهم: كم مصرى تردد على مستشفيات وعيادات الصدر والحميات فى مثل الشهور الحالية لكن من العام الماضى وقبله؟ كم؟ حتى نعرف فى وقتنا الراهن الفروق بين أصحاب الأمراض الاعتيادية وأولئك الذين هاجمهم الفيروس.

إن الشعب بحاجة إلى معلومات وإحصائيات حول الوضع الصحى لكل الأمراض المتشابهة أعراضها مع كورونا، تقدم إليه بأسلوب بسيط، ولا أعتقد أن هذا أمر صعب، أو هناك ما يبرر إخفاءه أو تجاهله والتغافل عنه. فكل الدول المتقدمة تقدم إحصائيات دقيقة فى هذا الشأن، وتضعها بين أيدى المختصين، وتوفرها لوسائل الإعلام، فتصل إلى الناس فى سهولة ويسر، فيعرفون ويطمئنون.

إن هناك من يعزو جزءا من المبالغات حول كورونا إلى أن بعض الأطباء وأصحاب معامل التحاليل والمستشفيات الخاصة وأصحاب الصيدليات وباعة المطهرات، الذين صنعوا سوقا سوداء، وجدوا من مصلحتهم المغالاة فى اتهام كل عرض لمرض على أنه كورونا. وهناك من قال إن هذا قد يكون مرده توعك المنظومة الصحية فى بلدنا قبل هجوم كورونا، فكثير ممن يشتكون من هذه الأمراض لا يجدون رعاية صحية تجعلهم لا يسقطون فى فخ التوهم بأنهم مصابون بـ«كوفيد- 19».

وهناك من قال إن توسيع دائرة الاشتباه أمر طبيعى، وهذا أمر لا يخصنا وحدنا، إنما متبع فى العالم بأسره. فوجود وأخبار وخطورة كورونا المستمدة أكثر من سرعة انتشاره، مقارنة بالفيروسات الأخرى، تجعل الأطباء يذهبون مباشرة إلى مثل هذا التشخيص، لاسيما أن أعراض «كوفيد- 19» تختلف من حالات مرضية إلى أخرى، وبذا ينبهون الناس إلى ضرورة أخذ حذرهم، وتنفيذ احتياطات وإجراءات الوقاية مبكرا.

طبعا فمن الصحيح والأفضل أن نأخذ بالاحتمال الأسوأ، لكن حدثت مبالغات شديدة، تسببت فى ذعر الناس، لاسيما أن وزارة الصحة أو اللجنة التابعة للرئاسة بخصوص مقاومة هذه الجائحة لم تقل لنا معلومات حول الأمراض التى أصابت الجهازين التنفسى والهضمى لكثيرين فى الأعوام السابقة.

لست مختلفا أيضا مع الأخذ بالأحوط، لكننى ضد إطلاق طاقة الخوف الشديد، وملء المجال العام بشائعات وخرافات وتصورات وهمية تزيد الطين بلة، ربما، بل من المؤكد، أنها دفعت بعض الناس، فى ظل دعوتهم إلى علاج أنفسهم منزليا، إلى أخذ عقاقير قيل لهم إنها ضمن البروتوكول الصحى أو اقترحها عليهم أطباء غير مختصين أو صيادلة أو حتى أصدقاء، بمجرد أن ظهرت عليهم أعراض، قد لا تكون بالضرورة تعنى إصابتهم بكورونا، لاسيما أن الوسيلة الأدق وهى «المسحة» ليست متاحة ببساطة، والبعض يلجأ إلى تحليل الدم للبحث عن أى أجسام مضادة، والتى تُفرز طبيعيا، كمقاومة يطلقها الجهاز المناعى، حالة إصابة الجسد بأى مرض وليس كورونا فقط، كما أفهمنا إياه الأطباء.

إننى لا أزايد هنا على أطباء، هم أول من يقف منا على خط النار، وأتفهم شكوكهم الواسعة، وهم يرون كبارا منهم يسقطون شهداء، لكننى أيضا أتعاطف مع جموع الناس، الذين يفتقد أغلبهم ويفتقرون إلى الثقافة الطبية أو الصحية، بينما تراهن السلطة على وعيهم، الذى تم تغييبه، ليس فى مجال الوقاية فحسب، بل فى مجالات كثيرة.

(2)

غريب أن يعترض البعض على وصف فيروس كورونا بـ«اللعين» ويقول: لا تسبه لأنه جند لله. يفترض هذا أن الفيروس ليس حربا بيولوجية أو نتيجة إخلال الإنسان بتوازن الطبيعة، أو إهماله، ويزعم أيضا أن الله يريد بنا شرا، وينسى أن الوباء يحصد كثيرا من الطيبين أيضا، ولا يفرق بين أتباع دين أو مذهب أو عرق أو لغة؟

(3)

مد إليه الطبيب علبة زجاجية صغيرة مملوءة بالحصى، وقال:

ـ كل هذا كان فى كليتك اليمنى.

أخذ منه العلبة، ونظر إليها طويلًا، ثم سأله:

ـ كيف تجمَّع كل هذا فى جسدى؟

أجابه:

ـ هناك أجسام لديها استعداد أكبر لتكوين حصوات.. وللغذاء والماء دور كبير أيضًا.

تاه قليلًا، ثم قال له:

ـ فى أيام العشق والفراق كنت فى حاجة إلى أكثر من هذا الحصى فى قلبى.

(4)

لا تفريط فى قطرة ماء واحدة. هذا صوت المصريين جميعا، وأعتقد أن السلطة الحالية تسمعه جيدا، وعليها أن تعيه، وتستجيب له، ووقتها ستجد الناس مستعدين أن يصلوا إلى آخر مدى فى الدفاع عن النيل العظيم.

إننى لا أعتقد أن العالم المعاصر قد شهد «مرونة» فى التفاوض أكثر من التى اتبعتها مصر مع إثيوبيا فى قضية سد «النكبة»، لكن الأخيرة تقابل كل «حل» تقدمه القاهرة والخرطوم بصناعة «مشكلة» جديدة، وتدفع الأمور دفعا فى اتجاه حل وحيد يتعزز التفكير فيه مع تعنت أديس أبابا التى لا تراعى جيرة ولا قانونا ولا روابط تاريخية ولا أدنى القيم والأعراف الدولية والأخلاقية.


نقلا عن "المصري اليوم"