تزوجت مرتين قبل النبي.. لمحات من حياة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد
تزوجت مرتين قبل النبي.. لمحات من حياة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد
اختص الله – عز وجل – نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بخصائص كثيرة عن غيره من البشر إظهارا لمكانته وإعلاء لشأنه ومن ضمن هذه الخصائص كثرة زوجات النبي فقد أباح الله له أكثر من أربع زوجات، ولا يجوز هذا لغيره من المسلمين.
وكثرة زواج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لم يكن الهدف منها التمتع وإشباع الشهوة، وإنما كان الهدف أسمى وأعلى؛ ففي زواج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- من أمهات المؤمنين - رضي الله عنهنَّ - الكثير من الحكم التشريعية والإنسانية والتعليمية، إضافة إلى ما يتعلق بمصلحة الدعوة وتبليغ الرسالة وهو أمر إلهي في قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا} (34) الأحزاب.
وحرص في بعض زيجاته - صلى الله عليه وآله وسلم- على توثيق الرابطة بين الإسلام وبعض القبائل
بينما كان الهدف في بعضها الآخر تكريم أرامل الشهداء الذين ماتوا في الحبشة، أو استشهدوا من أجل الدعوة في سبيل الله، وتُركوا أرامل لا يقدرون على تحمل أثقال الحياة وأعبائها الجمة، وكان في بعضها الآخر زواجًا تشريعيًّا كزواجه -صلى الله عليه وآله وسلم- من السيدة زينب بنت جحش، لهدم نظام التبني، ومنها توثيق أواصر الترابط بينه وبين صاحبيه الجليلين أبى بكر وعمر رضي الله عنهما.
ومن ثم فإنَّ لكل من زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمهات المؤمنين حكمة وسببًا، يزيدان في إيمان المسلم بعظمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورفعة شأنه وكمال أخلاقه.
وقد بلغ عدد زوجات النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- اللاتي دخل بهنَّ إحدى عشرة؛ وهنَّ: السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة سودة بنت زمعة، والسيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنه، والسيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنه، والسيدة زينب بنت خزيمة، والسيدة أم سلمة، والسيدة زينب بنت جحش، والسيدة جويرية بنت الحارث، والسيدة رملة بنت أبي سفيان، والسيدة صفية بنت حيي بن أخطب، والسيدة ميمونة بنت الحارث رضي الله عنهنَّ جميعًا، أما السيدة مارية بنت شمعون القبطية رضي الله عنها فقد اختلف في أمرها هل كانت زوجة له أم ملك يمين؟.
ويُطلق على زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات المؤمنين، وقد شرفهنَّ الله تعالى بذلك فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]
وخلال السطور التالية نسرد قصة زواج النبي بالسيدة خديجة:
نشأتها
السيدة خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصي بن كلاب، القرشية الأسدية، تجتمع مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في جده قُصَي.
وأمُّها: فاطمة بنت زائدة بن الأصم، يمتد نسبها إلى لؤي بن غالب الذي تنتسب إليه قريش.
وُلدت قبل عام الفيل بخمسة عشر عامًا تقريبًا، نشأت السيدة خديجة رضي الله عنها في بيت كريم مترف؛ فكان والدها زعيم بني أسد بن عبد العزى، شقيق عبد مناف وخليفته، وإليه ينتهي الفضل والكرم والسيادة بين قومه وعشيرته، يطيعونه ويهابونه ويحترمون رأيه ويقدرونه.
زواجها قبل النبي
تزوجت قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أبي هالة بن زرارة التميمي، وكان أكثرهم مالًا وأوسعهم ثراءً، فعاشت معه تقدره ويقدرها، وولدت له بنت وهي: هالة، وولد وهو: هند، وعجَّل القَدَرُ بوفاة أبو هالة قبل أن يشبَّ طفلاه عن الطوق، وخلف لأسرته ثروة طائلة وتجارة رائجة رابحة.
وجاء في رواية أنها تزوَّجت بعده من عائذ ابن عبد الله المخزومي، فلبثت معه فترة من الزمن ثم مات أيضًا.
وبعد موت هذين الزوجين -وكانا من أشراف مكة- تقدَّم لخطبتها كثير من الرجال، ولكنها آثرت الانصراف إلى تربية ولديها، وإدارة شؤون تجارتها ومالها، حيث كانت ذات مال وفير، فكانت تستأجر الرجال ليتاجروا لها، وتجعل لهم مالًا نظير عملهم.
قصة زواجها برسول الله
ولما اشتهر عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في مكة بأنه الصادق الأمين، أرسلت السيدة خديجة إليه ليعمل عندها في التجارة، فوافق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وخرج إلى الشام ومعه ميسرة غلام السيدة خديجة، فأُعجب ميسرة بأخلاق الحبيب وحُسن معاملته، وصدق حديثه، وتكامل شخصيته، وعظم أمانته، فلما عاد ميسرة إلى مكة حكى للسيدة خديجة ما رآه من أخلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأعجبت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ورغبت في الزواج منه، فتزوَّجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت أسنَّ منه بخمس عشرة سنة، فكان سِنُّها أربعين سنة وهو في الخامسة والعشرين، وكانت هي أولى زوجاته صلى الله عل وآله وسلم، وكان ذلك قبل البعثة النبوية المطهرة، وبعد البعثة النبوية كانت هي أوَّلَ مَنْ آمن به.
وكل أولاده صلى الله عليه وآله وسلم منها سوى إبراهيم فهو من مارية القبطية، فولدت السيدة خديجة: القاسم -وكان يكنَّى به صلى الله عليه وآله وسلم- وعبد الله وهو الطاهر والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة رضي الله عنهم.
وفاء النبي لـ«خديجة».. وغيرة «عائشة» منها
روى الإمام أحمد بإسناده إلى السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء. قالت: فَغِرْتُ يومًا، فقلتُ: ما أكثر ما تذكرها حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، لقد أبدلك اللهُ عز وجل بها خيرًا منها. قال: «مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِـهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ»
ومعنى قولها: (حمراء الشِّدق) سقطت أسنانها لكبر سنها حتى ظهرت الحمرة في شدقها، وهذا كناية عن كونها عجوزة، فهذا وصف وليس انتقاصًا.
وتُوفيت رضي الله عنها في حياته صلى الله عليه وآله وسلم في مكة سنة ثلاثة قبل الهجرة، ودفنت في المعلاة، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.