ads
ads

أزمة الصحافة ومستقبلها: عودة إلى هيكل

عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
ads


فى بلد مثل مصر لا تصح أحاديث الرثاء على تدهور صحافتها كبكاء على أطلال مجد تهدم للأبد، فقد شهدت مراحل متفاوتة من الصعود والتراجع طوال تاريخها.
استعادة ثقة الرأى العام فيما تقدمه ليست مستحيلة إذا ما احترمت حقه فى الاطلاع على كامل الصورة دون وصاية، والتزمت بالقواعد المهنية دون تجاوز، وعرفت طريقها لإعادة تعريف أدوارها فى عصور جديدة.
لا يمكن أن تتأسس الثقة العامة على إهدار لمواثيق الشرف المهنى بالصراخ والاستباحة، ولا على حجب لأخبار يطالعها المواطنون فى منصات أخرى، ولا على ضيق بالتنوع الطبيعى فى الآراء والتصورات طالما التزمت بالقيم الدستورية.
الحرية شرط ضرورى لرد اعتبار مهنة الصحافة، إذا غابت فقدت ثقة قارئها، لكنها ليست الشرط الوحيد.
إعادة التأهيل المهنى وفق الاحتياجات الجديدة شرط ثان للالتحاق بالعصر إبداعا وابتكارا وتوسيعا لمساحات القراءة باستقصاء خلفيات الحوادث فى قصص خبرية لا إعادة نشر ما شاهده القارئ فى المساء على شاشات الفضائيات، أو طالعه على شبكات التواصل الاجتماعى.
«كل شىء يبدأ بالخبر، فلا قيمة لتحليل سياسى إذا لم يستند على قاعدة معلومات متماسكة وصحيحة»، ولا وزن للصحيفة نفسها إذا ما فقد القارئ ثقته فيما تنشره من أخبار، وهذه مسألة قواعد صارمة إذا غابت تحولت الصحف إلى نشرات دعاية بأفضل الأحوال.
ورد اعتبار المدارس الصحفية شرط ثالث، فلا يعقل فى بلد تنوعت فيه تلك المدارس بين محافظة كـ«الأهرام» وشعبية كـ«أخبار اليوم» وثالثة تمازج بين حرية الرأى وإبداع الكاريكاتير كـ«روزاليوسف»، ولكل منها شخصيتها الخاصة فى كتابة العناوين وصياغة الأخبار واختيار زوايا التركيز ومواطن الاهتمام وتوضيب الصفحات، أن تبدو كما لو كانت نسخة واحدة بلا طعم أو لون أو رائحة، وبلا تأثير يذكر.
أزمة الصحافة المصرية، كما فى دول عربية أخرى، يمكن قراءتها فى أرقام التوزيع.
رغم ارتفاع أعداد السكان عما كانت عليه مصر مطلع سبعينيات القرن الماضى لأكثر من ثلاث مرات انخفض التوزيع الإجمالى للصحف إلى دون الثلث.
فى ذلك الوقت من السبعينيات كان هناك تنافس حقيقى بين «الأهرام» الأسبوعى و«أخبار اليوم» على كسر حاجز المليون نسخة.
كان من رأى الأستاذ «محمد حسنين هيكل» إن «أرقام التوزيع نصف الحقيقة».
«نصف الحقيقة الآخر، الذى نخفيه، الطاقة القرائية للصحيفة والوقت الذى يقضيه القارئ معها والخدمة التى يطلبها».
«ما حجم المشتركين الدائمين؟».
«أين مناطق البيع؟».. فـ«قارئ الصعيد غير قارئ الإسكندرية».
«لماذا يزيد التوزيع فى منطقة ويتراجع فى أخرى؟».
«ما معنى الأرقام كميًا ونوعيًا على الخرائط الاجتماعية؟».
«هذه أسئلة أساسية فى نصف الحقيقة الذى نخفيه».
«فى منافسات الأهرام وأخبار اليوم بالقرب من منتصف السبعينيات تراوحت الطاقة القرائية للنسخة الواحدة بين رقمى (٤.٥) و(٧) قراء».
«فى أيام كثيرة تراجعت الأهرام لكن طاقتها القرائية كانت أكبر».
«الجمعة ذروة الأهرام والسبت ذروة أخبار اليوم وكان الأحد هو يوم التنافس الضارى، الأخبار تحاول أن تأخذ زخم السبت إلى اليوم التالى بينما الأهرام تحاول أن توقف النحر وتستعيد السبق من جديد».
«المنافسة جوهر العمل الصحفى».
«المثير الآن أن مستويات التنافس قلت رغم زيادة أعداد الصحف المطبوعة عما كان قبل أربعين سنة».
«رغم الكفاءات الصحفية الشابة التى تعلن عن نفسها إلا أن الظروف العامة لا تمنحها ما تستحقه من فرص للتنافس بقواعد والإضافة بتأثير».
«قوة الصحافة من تنوع مدارسها ولا قيمة لأى دور إلا بقدر ما يضيف إلى الخبرات المتراكمة».
و«هذا تحدٍ مهنى صعب».
«الطاقة القرائية تحدٍ آخر».
«لماذا تزيد؟.. ولماذا تنخفض؟».
«فى مطلع هذا القرن نجحت صحيفة ظروفها الاقتصادية صعبة ونسخها المطبوعة محدودة أن تكسر أى أرقام مفترضة لطاقتها القرائية، فقد كان قراء النسخة الواحدة من جريدة العربى بين ستة إلى سبعة قراء».. «اكتسبت تأثيرها من اتساع طاقتها القرائية لا من أرقام توزيعها».
القيم المهنية تحدٍ ثالث.
«انتهاك قيم الحوار العام أحد أسباب تراجع الصحافة المصرية».
«بصورة أو أخرى فهناك إعراض من القارئ عن الكلمة المكتوبة».
«الكلمة المكتوبة فقدت صدقيتها، وفى بعض الحالات انتهكت عذريتها».
«أما السبب الرئيسى لفداحة التراجع فهو تأثير شبكات التواصل الاجتماعى والتليفزيون على قراء الصحافة المطبوعة».
«هنا صلب الأزمة».
«تأمل تجارب الماضى قد يساعدنا على النظر إلى المستقبل».
«ظاهرة أخبار اليوم تستحق التوقف عندها، فقد وزعت فى عددها الأول أكثر من مائة ألف نسخة، وهو رقم ضخم بالنظر إلى عدد السكان قرب منتصف الأربعينيات من القرن الماضى».
«تأثرت أخبار اليوم بمدرسة الصحفى البريطانى بيفر بروك فى توضيبها ومحتواها، وبدت صيغة مصرية من الصنداى إكسبريس»
«كانت نوعًا من الصحافة الشعبية أقبل عليها جمهور القراء».
فى أوقات مقاربة دعا اللورد «نورثكليف»، وهو صحفى بريطانى شهير آخر، إلى المقال السريع والخبر السريع تأثرًا بالنموذج الأمريكى فى الحياة ورائحة ومذاق عصره.
«كل شىء سريع من الخطوة إلى الوجبة إلى المعلومات والفكر، فالخبر لا يزيد على ٢٥٠ كلمة والمقال فى عدد مماثل من الكلمات».
«أرجو أن تتذكر أن عهد اللورد نورثكليف انتهى مع بداية التجربة الهائلة لتيد تيرنر فى الـCNN مطلع ثمانينيات القرن الماضى بتعبير فرانك جيلز رئيس تحرير الصنداى تايمز».
«لكل عصر إيقاعه ونحن نعيش الآن عصر الكلمة المسموعة».
«لكل زمن حواره وحوار هذا الزمن لا يتكلف شيئًا لفك رموز ما هو مكتوب على ورق».
«إن أى مهتم بالشأن العام سوف يتابع الخبر صورًا متلاحقة على الشاشات المضيئة، وهو يطلب من الكلمة أن تروى له قصة ما جرى على مهل لأن ذلك دورها».
«كل أسطح الحوادث مكشوفة تحت الومضات السريعة».
«الكلمة فى جريدة تفصل ما وراء الخبر وتروى ما لا تستطيع الصور أن تصفه من دخائل ومشاعر».
«فى العصر الإلكترونى أريد أن أعرف ما الذى دار همسًا فى أية لقاءات قمة لها أهمية بعد أن رأيت الصور الملونة على الهواء مباشرة».
«هذه كلها استخلاصات توصلت إليها مناقشات مستفيضة فى صالات تحرير صحف بريطانية شاركت فى بعضها مع بداية العصر التليفزيونى».
و«هذا ما أدركته كبريات الصحف العالمية وعملت على أساسه فى العصر الإلكترونى، فاستعادت ثقة قرائها وارتفعت من جديد أعداد توزيعها كالواشنطن بوست والنيويورك تايمز الأمريكيتين بالتحديد».
شعار «النيويورك تايمز» يلخص فلسفة الصحافة الجديدة فى عصر مختلف: «كل ما يساوى أن ينشر».
«الأمر نفسه فى الصحافة البريطانية فقد زاد توزيع الديلى تيلجراف والأوبزرفر ونجحت الإندبندنت فى تجاوز أزماتها المالية».
«راهنت كبريات الصحف العالمية على أن ما فقدته الكلمة بالجدة تعوضه بالعمق».
«المثير أن التايمز لم تحقق النجاح ذاته، رغم أن ملاكها حوّلوها إلى صحيفة تابليود بحثًا عن شىء من الإثارة يرفع معدلات التوزيع».
«العصر اختلف وتحدى الصحافة استجدت عليه حقائق لا بد من الاستجابة لها حتى ندخل سباقها من جديد».
هكذا تحدث الأستاذ «هيكل» فى حوار بيننا قبل رحيله بوقت قصير حول الصحافة أزمتها ومستقبلها.

نقلًا عن "الشروق"