ads
ads

اللواء طيار محمد الغزالى: نصر أكتوبر يجب أن يأخذ حقه على الشاشة بدلا من مسلسلات الدعارة والمخدرات والراقصات (حوار)

محررة النبأ فى حوارها مع اللواء
محررة النبأ فى حوارها مع اللواء طيار محمد الغزالى
هويدا على

ضعف جهاز المخابرات الحربية وقلة المعلومات وراء «هزيمة 67»


الأسرى الإسرائيليون كانوا «صيدًا ثمينًا» ومصدرًا مهمًا للمعلومات عن خططهم الحربية


«أكياس البول» أنقذت الضباط المصريين من الموت بـ«الصواريخ الإسرائيلية»


قلت لمبارك: «السوفيت بياخدوا معلوماتهم منى» فرد: «اثبت كلامك وإلا هحش وسطك»


هذه تفاصيل المشروع الأمريكي لـ«صناعة الزعيم».. والسادات حاول مسح تاريخ عبد الناصر بـ«أستيكة»


«ناموس بلبيس» كان أشد تأثيرًا علينا من طائرات «الميراج»


الجماهير خرجت بعد 67 بطريقة تلقائية رفضا للهزيمة وتمسكا بـ«عبد الناصر»


مصر تتقدم إلى الأمام وقلت للرئيس المخلوع إن الفساد تعدى الرؤوس «فغضب وطردنى»


هبة سليم حصلت على معلومات ساهمت في ضرب مواقع الصواريخ المصرية على الجبهة


عشيق «الجاسوسة هبة» اسمه فاروق الفقى وحضرت طابور إعدامه رميا بالرصاص 


هكذا اكتشفنا خيانة الخبراء الروس للقوات المصرية.. وتصرفنا معهم بهذه الطريقة


محمود الجندى عمل معى.. وهذه قصة «الخبير» الذى عبث بمحتويات مكتبى


طيارون خرجوا من الخدمة ثم قدموا طلبات للمشاركة فى حرب 73


مبارك بذل جهدًا غير عادي مع طلبة الكلية الجوية حتى يصبحوا «نسورًا»


تلقيت فرقًا بالمخابرات الحربية والاستطلاع وكنت الأصغر سنًا و«الأشطر»


«الروس» كانوا يتهمون الطيارين المصريين بعدم الكفاءة


قرار «السادات» بطرد الخبراء الروس أحدث دويا سياسيا هائلا


طائرات «الهوكر هنتر» العراقية كان لها دور كبير فى حرب أكتوبر


«مكرونة مسوسة» و«جبنة قديمة» أنقذتني من الهلاك

تلقيت تدريبات على متابعة النشاط الجوى الإسرائيلى فوق سيناء


على الرغم من مرور «46» عامًا على انتصار أكتوبر العظيم، إلاّ أنّ هذه الملحمة العسكرية المصرية ما زالت تحتفظ برونقها وبريقها، وما زالت هناك الكثير من الكواليس والأسرار التى أحاطت بهذه المعركة المجيدة التي أعادت الكرامة والأرض للمصريين، وانتشلتهم من واقع نفسى واجتماعى «سحيق» بعد الهزيمة المريرة فى 1967، لتظل هذه المعركة واحدة من أهم الملاحم الحربية فى التاريخ.


فى السطور التالية، يكشف اللواء طيار محمد الغزالى، الرئيس الأسبق لقسم الاستجوابات بالمخابرات الحربية لـ«النبأ»، تفاصيل جديدة عن هذه الملحمة العسكرية العظيمة، ويلقى الضوء بتركيزٍ شديدٍ على عمل الخبراء الروس مع القيادات العسكرية المصرية، كما يتحدث عن عمله مع محمد حسنى مبارك، الذى كان وقتها قائدًا لـ«القوات الجوية»، وإلى نص الحوار: 


حدثنا عن بداية عملك فى المخابرات الحربية

فى البداية أحب أوضح أنه كان لنا بالطبع أسماء حركية، وأنا كان اسمى الحركى «مجدى»، كنت طالبًا فى كلية الطيران، وفي آخر سنة، فوجئنا بقيام حرب الاستنزاف وأنا لا أحب تسميتها بهذا الاسم، ولكن أسميها «حرب 67»؛ لذلك تأجل تخرجنا في هذه السنة، بعدها عُينت فى «المخابرات» رئيسًا لـ«قسم الاستطلاع»، وحصلت على فرق كثيرة مدنية وعسكرية، بما فيها التدريب على اللغة العبرية، والحمد لله أصبحت الأول على دفعتى، وتلقيت التدريب على يد «أدون كمال»؛ لأنه عاش فترة طويلة في إسرائيل، وكان يتحدث اللغة العبرية بطلاقة.


ما الظروف الصعبة التى مررت بها داخل الكلية؟

فى يومٍ من الأيام، لم تصل التوريدات الغذائية بل إن العمال المدنيين من «الطبّاخين والسفرجية» تركوا الكلية قاصدين بيوتهم، أمام الجوع الرهيب قرر مدير الكلية أو قائد سرايا الطلبة إعداد أى أكل، لم يكن هناك أكل سوى «جوال مكرونة» غير صالح للاستخدام الآدمى لأنه «مسوس»، وقد شارفنا على الهلاك جوعًا، فقال: «اسلقوا المكرونة ووزعوها على الطلبة في الخنادق».


طائرات «الميراج» توقفت عن مهاجمتنا ليلًا، وإنما بعثت بما هو أشد منها تأثيرًا علينا إنه «ناموس بلبيس»، المهم جاءت البشرى: «فيه أكل جاى انتبهوا»، وركزنا فإذا بعساكر يحملون أذانًا كبيرة مملوءة مكرونة مسلوقة فقط وكل واحد يفتح يده يضعون له «شوية»، كانت أحلى غذاء تأكله لأنه سيبقيك حيًا، الكل كان لا يبالى قرص «الناموس»، وانهمكنا فى تناول المكرونة، وإذا سقطت من واحد منا «مكروناية واحدة» فى الرمل يسقط وراءها بحثا عنها فى الرمل والظلام.


ماذا حدث بعد ذلك؟

الإعياء بدأ علينا، ثاني يوم وقف المقدم إسماعيل السواح، قائد سرايا الطلبة، محاولًا رفع الروح المعنوية، وإذ هو كذلك سمعنا صوت أزيز طائرات عالى جدا، فإذا به يقفز إلى الخندق بطريقة اعتبرناها كوميدية وضحكنا، فشر البلية ما يضحك فعلًا، فى الخلفية «اشتباك جوى» نراه بأعيننا بين «طائرة ميراج» وأخرى «ميج 21» قيادة رائد طيار جسور هو اللواء طيار نبيل شكرى، وسرعان ما نجح هذا البطل المغوار فى تحويل «الميراج» إلى كتلة من اللهب.


وتأكد للقيادة خطورة بقائنا بالكلية فتم تحويلنا إلى مدرسة بمدينة بلبيس كل منا معه سلاحه والشدة السفرية وهى عبارة عن شبه حقيبة تُحمل على الظهر فيها بطانيات وبعض الأدوات الأخرى، افترشنا الأرض ونمنا في فصول المدرسة، خرجت من باب المدرسة ألتمس شراء أكل من دكان ريفى، فرفض بشدة صاحب الدكان أن يبيع لى أى شيء، وقال: «لا أبيع لناس مستخبية»، حاولت أفهمه أننا طيارون وطائراتنا دمرت ونحن نكاد نحتضر من قلة الأكل فلم يزده ذلك إلا إصرارًا على رفض البيع، رق قلب زوجته، وأسرعت وأحضرت عيش فلاحى، وحتتين جبنة قديمة، وقد كانت هذه الوجبة أحسن من خروف، ونحن نعيش تلك المأساة ومرارة بوادر الهزيمة إذا بمصيبة تنزل فوق رؤوس الكل؛ الزعيم طيب الذكر جمال عبد الناصر يعلن تنحيه وتحمل مسئولية ما حدث.


قيل إنّ الاتحاد الاشتراكي كان وراء خروج الشعب للضغط على «عبد الناصر» حتى يتراجع عن قرار التنحى بعد هزيمة 67.. كيف تصف لنا هذا المشهد؟ 

أشهد أنّ الجماهير التى رأيتها تخرج بلا تنظيمٍ ولا توجيهٍ وبطريقةٍ تلقائيةٍ؛ رفضًا للهزيمة وتمسكًا بـ«عبد الناصر»، ولما لا فالرجل كان حبه يملأ القلوب، وحتى أكون أكثر صراحةً معكم خرج بعضهم يقولون لـ«جمال»: «أنت من ورطنا فى النكسة.. يجب أن تكمل حتى تأتينا بالنصر». 


عاد الرجل وكان خروج الجماهير استفتاءً جديدًا على «عبد الناصر»، ورفضًا للهزيمة، وتمسكًا بنصر بدأ الإعداد له من «رحم الهزيمة».


عاد الخروج التلقائي لجماهير الشعب المصرى والعربى مطالبًا ببقاء «ناصر» الذى رضخ أمام إرادة الجماهير التي رفضت الهزيمة، ومن رحم تلك الهزيمة الساحقة الماحقة ظهرت بشائر نصر خُطط له فى صبرٍ وصمتٍ، توالت صيحات «عبد الناصر» فى كل مناسبةٍ أن «ما أخذ بالقوة لايسترد إلا بالقوة».


ماذا فعلت القوات الجوية بعد ذلك؟

لملمت القوات الجوية المصرية نفسها، وتم تجهيز طائرات «ميج 17»، علاوةً على ما أرسله البطل العربى والمناضل هواري بومدين، الرئيس الثاني للجزائر المستقلة، من طائرات، ومع تغيير كل القيادات كان لقائد القوات الجوية الجديد الفريق طيار مدكور أبو العز دور كبير، ومع تأجج روح الثأر لدى نسور الجو المصريين تم توجيه عدة هجمات جوية مركزة ضد القوات الإسرائيلية شرق القناة فى 14و15و16 يوليو 1967، أى بعد الهزيمة بأيام قليلة، وأحدثت تلك الهجمات خسائر فادحة بالقوات الإسرائيلية شرق القناة.


من وجهة نظرك.. ما السبب الرئيسي في هزيمة ٦٧؟ 

ضعف جهاز المخابرات، وقلة المعلومات وعدم شفافيتها.


نريد استكمال حديثنا عن الاستعدادات لـ«حرب أكتوبر»

الدفعة 20 طيران نهائى قُسمت نصفين على أسس واعتبار الانضباط ومعايير أخرى، «النص الحلو» وكان لى شرف أن أكون منهم توجهنا إلى قاعدة مرسى مطروح الجوية فى شهر سبتمبر للتدريب على طائرات تدريب نفاثة حديثة جدا والنصف الآخر ذهب إلى روسيا لاستكمال التدريب، أتذكر وبكل إجلال والتوقير أساتذتى: لواء طيار سمير شعراوى الدفعة الثامنة، لواء طيار فخري جهري، لواء طيار خيرى مباشر، لواء طيار أحمد عبد اللطيف، لواء طيار محمد زكى عكاشة، لواء طيار حمدى خورشيد، لواء طيار باهر التونسى، لواء طيار فاروق علام، وآخرون وأساتذتى من الضباط المهندسين، بدأنا على الفور فى التدريب على الطائرة الأعجوبة كان زملائي النص الثانى يحسدوننا وما هى إلا فترة قليلة حتى تم تسفيرهم إلى روسيا لتلقى التدريب والإعداد بالتوازي معنا وتلك ترتيبات القدر.


كان قادة الكلية يسابقون الزمن لكي يتم تدريبنا ونتخرج لنقاتل، أنهينا الترم بنجاح وفي زمن قياسي أُرسلنا إلى قاعدة بنى سويف الجوية للتدريب على الطائرة «ميج 17» كطيارين قتال والمفروض لا يطير على الطائرات المقاتلة إلا ضباط ولكن ضغطا للإنفاق تأخر تخرجنا.


هل اُستدعىّ بعض الطيارين بعد تقاعدهم لخوض حرب أكتوبر؟

كان العقيد طيار حسنى مبارك مديرًا لـ«الكلية الجوية»، وبذل جهدًا غير عادي مع الكوكبة المحترمة من مُدرسي الكلية الجوية في تجهيزنا حتى نصبح «نسورًا»، الوطنية تجلت فى طيارين خرجوا من الخدمة وقدموا طلبات العودة، أذكر منهم الطيار ماهر رشاد قاسم، وكذلك طيار سورى يدعى نهاد بابى، وكان ذلك فى وحدة تدريب المقاتلات ببنى سويف اللواء الجوى 410، وبكل الإجلال أذكر أصحاب الفضل علينا اللواء طيار حسن أبو عجوة، اللواء طيار سمير أبو غرارة، اللواء طيار أحمد صالح، اللواء طيار هشام سعيد عبده، اللواء طيار زكريا كمال، اللواء طيار محمود الحديدي، اللواء الطيار حمدى غنيم، اللواء الطيار عبد الرحيم رشدى وآخرين.


كانت الطائرات «تبيت فى حفر» وتغطى «بخيش» وشباك تمويه، كنا نبيت 4 فى غرفةٍ واحدةٍ، أنا والشهيد طلال سعد الله، والشهيد عادل مأمون، والطيار أشرف محجوب، والإقامة كانت لا ترقى طبعا لمستوى «ميس الطيارين» ولكم أن تتخيلوا كمية العقارب والثعابين.


متى تخرجتم؟

تخرجنا في أبريل 1968 «ضباط طيارين»، عدنا إلى بنى سويف لنكمل التدريب على القتال بـ«طائرات الميج 17» بعد حفلة «تخرج حزايني» في صالة الألعاب الرياضية بالكلية الجوية فى حضور الفريق أول محمد فوزى، وزير الحربية، واللواء طيار مصطفى شلبى الحناوي، قائد القوات الجوية، والعقيد طيار حسنى مبارك، مدير الكلية الجوية، وانتقلنا إلى «ميس الضباط» واعتبرنا أنفسنا نقيم فى الهيلتون؛ الأرضيات والجدران، والغرف «مستقلة».


نسيت أذكر أن السرب واللواء الذى كنا نخدم فيه كان به طيارون روس يساعدوننا فى التدريب، أذكر منهم واحد مسلم يدعى محمد على كالابايف، وكان طيارًا رهيبًا، قائد القاعدة كان لواء طيار تحسين زكى، وكان هناك وحدة تحويل وتدريب على القتال على «طائرات الميج 21»، أتذكر منهم اللواء طيار فاروق الغزاوي، قائد الوحدة، كانت دفعتي «رجالة وحوش».


هل دُرب الضباط على الاستطلاع وجمع المعلومات حتى لا تتكرر الكارثة؟

بالفعل تم تدريبي وتأهيلي بفرق متعددة بمدرسة المخابرات الحربية والاستطلاع، وقد كنت الأصغر سنًا، ولكنى كنت «الأشطر»، والطيار عادل رياض يدربني يوميًا على متابعة النشاط الجوى الإسرائيلى فوق سيناء وإسرائيل والخروج باستنتاجات وصلت إلى تطابقها مع الواقع العملى فعلًا.


وفجأة انتقل الطيار عادل رياض إلى العمل بفرع المعلومات بإدارة المخابرات لذكائه وقدراته العالية جدا، أصبحت قائمًا بأعمال رئيس المعلومات بقيادة القوات الجوية، وأثبت كفاءة أثنى عليها الجميع، كان لزامًا وواجبًا أن يتم إمداد الطيارين بكل المعلومات التى يتم الحصول عليها من تحليل نشاط العدو الجوى وكل الأنشطة الأخرى من المصادر السرية، بحيث وطبقا للخطط الموضوعة والتى وضعت أساسا على معلومات مدققة عن العدو الإسرائيلى، أصبح كل طاقم طائرة وطيار يعرف هدفه تماما ويرى صوره التى توفرها طائرات الاستطلاع الجوى بكاميراتٍ ومعداتٍ إنجليزيةٍ وفرناها بعملياتٍ سريةٍ معقدةٍ لا داعى لذكرها فليس هذا مجالها.


ماذا حدث مع الخبراء السوفيت بعد حرب الاستنزاف؟

انتشر الخبراء السوفيت فى مصر طولًا وعرضًا شمالًا وجنوبًا، فكان لكل قائد مصرى قرين سوفيتى بخلاف الطيارين المدربين مع دفعتى 20 طيران، تلقينا قسطا من التدريب العملى على الطائرات المقاتلة القاذفة «الميج 17 بقيادة بنى سويف الجوية»، أذكر منهم مستر نافيتسكى وستر، محمد على كالاباييف، وأشهد للأخير بأنه كان طيارًا جسورًا بطبيعته، محب لدراسة اللغات، فتعلمت سريعا الروسية حتى نتفاهم فى التدريب الجوى؛ فهو فى طائرة وأنا فى أخرى، وإذا فقد الاتصال والفهم بيننا أطلت الخطورة برأسها عليه وعليّ، ومن هنا بدأت التفاهم بكلمات بسيطة لمجرد السلامة في الطيران، ثم أتقنت اللغة الروسية.


استمرت الأمور تسير على منوال التدريب القتالى نهارا وليلا بكل عزيمة وإصرار مع بدء تنفيذ بعض الأعمال القتالية المحدودة، خاصة أنّ القوات الجوية المصرية كانت فى مرحلة إعادة بناءٍ شاملةٍ.


ماذا عن عملك داخل فرع الاستطلاع الجوى بقيادة القوات الجوية؟

نُقلت إلى فرع الاستطلاع الجوى بـ«قيادة القوات الجوية»، وكانت رتبتى صغيرة، وكان قد سرى بين الضباط والقيادات أن أى خبير روسى بتقرير منه يحيل أى ضابط إلى الاستيداع، فكان الخبير يتمتع بشيء من الاستعلاء، كنت أحضر التدريب في قاعات أقل رتبة موجودة بها عميد، فضلا عن رموز كان مجرد رؤيتهم على بعد «تخلع القلب من مكانه خوفا واحتراما»، ومنهم الفريق الأول محمد فوزى، الفريق محمد أحمد صادق، الفريق صلاح محسن، الفريق عبد المنعم رياض وآخرون، رويدا رويدا اكتسبت الثقة في النفس.


بتمام تأهيلى بفرق متعددة بمدرسة المخابرات الحربية والاستطلاع، أصبحت قادرا على فهم وإدراك ما يدور على المستوى الاستراتيجى.


كيف كنت تتعامل مع المعلومات الخاصة بالنشاط الجوى الإسرائيلي؟

كنت أحمل على كاهلي همًا كبيرًا وهو متابعة النشاط الجوي الإسرائيلي وتحليله، والخروج باستنتاجاتٍ يوميةً تُرسل لمكتب قائد القوات الجوية، وشعبة العمليات الجوية، والشُعب الأخرى في قيادة القوات الجوية، أما المعلومات المهمة فترسل فورًا إلى قائد القوات الجوية بواسطة رئيس الاستطلاع الجوي وكان وقتها المقدم طيار فؤاد حسني، وعيّن جمال عبد الناصر حسنى مبارك رئيسا لأركان القوات الجوية، وقت أن كان لواء طيار على بغدادي قائدا للقوات الجوية، ولا تنسوا أن كل قائد كان له قرين سوفيتي.


بدأ تدريب عميد طيار أركان حرب حسنى مبارك على تولى مهام منصبه، ورقىّ إلى رتبة لواء طيار وكان يُجهز ليكون قائدًا للقوات الجوية، فتوالت المشاريع الاستراتيجية وكنت «أنا الواد بلية اللى فاهم» ملازمًا لرئيس أركان القوات الجوية فى ذلك الوقت لواء طيار حسنى مبارك في المشروع التدريبي لمراكز القيادة أو بقوات أو فى الحرب يستمع القائد لتقارير مرؤسيه، وأولهم رئيس الاستطلاع الجوى بمنتهى الديموقراطية، ثم يتأخذ قراره في هذه الحالة، الكل يمتثل وينفذ القرار بمنتهى الدقة والانضباط.


وماذا عن عمل الخبراء السوفيت؟ 

كانوا موجودين، لكل قائد ورئيس «قرين سوفيتى» يطلع على معظم الأسرار بأسباب مختلفة، ويشاركون قادة الأسراب شتى أمور التدريب، وكان لدى رئيس الاستطلاع الجوى عقيد طيار فؤاد حسين حسنى خبير سوفيتي يدعى «أودلسوف» خصص لهم مكتبًا بجوار مكتب رئيس الفرع ومعه اثنين آخرين، يمر كل يوم على مكتبى متهللا قائلا: «مستر غزالى هل هناك أخبار جديدة عن العدو الإسرائيلى»، فأجيب بالإيجاب على أساس أن السوفيت يساعدوننا، وربما تلك المعلومات تساعدهم أكثر فى مساعدتنا، والحس الأمنى طبعًا عندى عالٍ فقد كنت ارتاب فى أخذ المعلومة وتضخيمها، وباستعلاء كعادتهم، يطرق الخبراء الروس باب لواء حسنى مبارك الذى أصبح قائدا للقوات الجوية، ويقولون ما أخذوه مني بعد أن يُضخموا المعلومة برسومات توضيحية وبيانية بألوان، ويقولون إن تلك المعلومات أتت بها الأقمار الصناعية، فكان القائد منبهرًا بأدائهم، وتكرر الأمر كثيرا، هنا بدأ يتولد لدينا الشك فيهم بالإضافة إلى أننا ونحن نخطط لطلعات الاستطلاع الجوى فى حضورهم أو عندما يعلمون بالطلعة، فبمجرد إقلاع طائرات الاستطلاع الجوى وأثناء متابعة الطلعة، كنا نرصد نشاطًا إسرائيليًا مكثفًا بــ«طائرات الميراج الإسرائيلية» مقلعة من مطار المليز الجوى فى وسط سيناء، الأمر الذى يُشكل خطورة على  طائرات الاستطلاع الجوى، فيتم إلغاء الطلعات.


ماذا فعلتم بعد التأكد من خيانة الخبراء الروس؟ 

فرضنا طوقًا من السرية المطلقة، وعدم إخبار الروس بأية معلوماتٍ، ونفذنا طلعاتٍ جويةً ناجحةً، وهنا تأكدنا من تسرب المعلومات عن طريق الروس ووصولها لإسرائيل، وبدأنا فى تقييد حركتهم نسبيا فى الاطلاع على المعلومات، وكنا نجحنا فى وجودهم بالتعاقد مع إحدى الشركات الإنجليزية (فنتن) على كاميرات تصوير جوي ومعدات قراءة وتفسير صور جوية متقدمة فى ذلك الوقت قياسا بما لدينا من أجهزة وكاميرات روسية؛ نظرا لقدرات الجانب الإسرائيلى المتفوقة علينا، واستمرار أعمال العربدة فى الاختراق الجوي المتكرر للمجال الجوى المصري، والقيام بقصف أهداف حيوية للتأثير المادى والمعنوى علينا، وعرقلة عملية الصمود والاستعداد لحرب تعيد الكرامة المسكوبة بل المُراقة.


ووافق «عبد الناصر» على وجود بطاريات صواريخ دفاع جوى قيل وقتها إنها متطورة، مع وجود سرب طائرات روسي يتركز فى مطار «بير عريضة» غرب خليج السويس يتولى مهام الدفاع الجوى فى قطاع شرق بنى سويف، كان الروس كلما أُسقطت لنا طائرة يتهمون الطيارين المصريين بعدم الكفاءة، وكأنهم كانوا يخدمون توجه السياسة السوفيتية بالإبقاء على حالة اللا سلم واللا حرب، وأقدم الإسرائيليون على إفقاد الثقة فى الروس الذين كانوا يساعدوننا، دبروا اشتباكاتٍ جويةً غرب خليج السويس فى القطاع المخصص للطائرات السوفيتية، وأسقطوا منهم ست طائرات، وهبطت طائرات أخرى إضطراريًا في مطارات أخرى، كان هذا يوم عيد لنا أن من شكك فى طيارينا لقى مصيرًا مشابهًا.


لكن كيف عرف مبارك أن الخبراء الروس ينقلون معلوماتك على أنها خاصة بهم حصلوا عليها بأقمارهم الصناعية؟ 

كنت أبلغ اللواء «مبارك» عن اختراق إسرائيلي، فنهرني على غير عادته معى، قائلا: «خليك قاعد كده مكرّش لا تعمل شيئا والروس هما اللى بيجيبوا المعلومات»، أفقت من ذهول اعتراني لحظة، وقلت له: «يا فندم بياخدوا المعلومات منى أنا، ويقولون لسيادتك إن الأقمار الصناعية بتاعتهم هى اللي جابتها»، قال لى: «أثبت كلامك وإلا أحش وسطك»، وتلك عبارته وقد استقاها من كفر المصيلحة تلك القرية الصغيرة الواقعة بجوار شبين الكوم، المهم قلت حاضر يا فندم.


كيف أثبت له خبث الخبراء الروس وكذبهم؟

كعادته كل صباح، يأتي الخبير الروسى ويسأل عن المعلومات الجديدة، فنفيت وجود أية معلومات، على الرغم من أنني حصلت على معلوماتٍ مؤكدةٍ بالصور البانورامية الأرضية عن موقع صواريخ هوك مضاد للطائرات بمنطقة شرق قناة السويس على المحور الشمالي تسمى بالوظة، أسرعت إلى اللواء حسنى مبارك، وأبلغته، وقلت له: «يا فندم المعلومات دى مش حديها للروس إلا بعد ثلاثة أيام عشان أثبت لسيادتك صدق قولى بأن الروس بياخدوا منى المعلومات ويدوها لسيادتك»، فقال لى: «تمام».


ماذا حدث بعد ذلك؟

عدت إلى مكتبي حيث المباني الإنجليزية الفخمة الواسعة، وجدران المكتب عليها خرائط كثيرة عن الموقف الإسرائيلي الجوي، كان يعاونني جنود الدفعي الأولى مؤهلات عليا، رقوا بعد ذلك إلى ضباط احتياط وأشهد لهم بالوطنية وأتذكر منهم محمود الجندى (الممثل)، صالح المرسى (كبير مهندسى التلفزيون)، سمير أبو المعاطي، (رئيس محكمة استئناف القاهرة)، وآخرون.


مارست عملي في متابعة النشاط الجوى الإسرائيلي، والخبير الروسى فضل «دايخ ورايا» ثلاثة أيام، إلى أن قلت له: «تعالى فيه مواقع صواريخ هوك جديدة»، انفرجت أساريره وتبسم ونظر مشدوها للصور الجوية والبانورامية التى صورتها، تهلل وجهه، وغادر مكتبي وانكب على الصور يستخرج منها معلوماتٍ ورسومًا بيانيةً ومنحنياتٍ وتحليلًا، ثم ذهب إلى مكتب قائد القوات الجوية «مبارك» قائلا له: «وسائل جمع معلومات روسية  تحصلت على معلومات مهمة جدا بخصوص صواريخ جديدة»، فرد اللواء حسنى مبارك: «أعرف بمنطقة بالوظة»، استغرب، وإذا بمبارك يبعد ما تم فرد أمامه من خرائط ورسومات صائحا بأعلى صوته: «شيل الكلام الفارغ ده من هنا»، صعق الرجل فاسترسل مبارك: «مش دى المعلومات اللى أنت أخذتها من الاستطلاع وجاى عامل بيها جن»، هذا ما عرفته بعد ذلك لأنى لم أكن بالمكتب. 


أخبرنى معاونى سمير أبو المعاطي وقال إنّ الخواجة «أودلسوف دخل مكتب سيادتك وعبث ببعض محتوياته»، أسرعت على الفور إلى المكتب فأصابتني غصة بل قهر إنى مش آمن فى مكتبى وعريان.


بتهورٍ شديدٍ كتبت استقالةً وقدمتها للمقدم فؤاد حسنى الذى نهرنى قائلا: «أنت مجنون أنا فى حالة حرب وتقديم استقالة تساوى الهروب من الميدان».


انتهيت عند تقديم استقالتي أو التهديد بذلك أمام سفالة تصرف الخبير الروسى مستر اودلسوف وعبثه المتعمد بمحتويات مكتبي وخاصة «الشّانون» المحتوى على معلومات وتقارير تحمل درجة «سري للغاية».


كيف تم الرد على الخبير الروسى بعد هذا التصرف؟

بعد أن افتضح أمره وتبين أنه «أفاق»، رئيس الاستطلاع الجوى طلب الخبير بمكتبه و«مسح بيه البلاط» على تصرفه، ومنعه من التجول بالفرع إلا بإذن شخصى منه، وطيّب خاطرى وقال: «إن موضوعك عرف به لواء حسنى مبارك واشتاط غضبًا»، وطلب من رئيس الاستطلاع الجوى أنه يدورني مكتب له وفى حنية أب طيب خاطري بكلمات عسكرية مقتضبة.


ما الأجواء التي سبقت طرد الخبراء الروس؟

تسارعت أحداث الصدام مع الخبراء الروس ومع بعض القوات، وأصدر الرئيس «السادات» أمرا باستلام كل ضابط طبنجته وحتمية تعليق السلاح، كان هناك تحركات سياسية على الساحة، وزيارات دبلوماسية و«مماطلات» من الاتحاد السوفيتي في إمدادنا بأسلحة متطورة، وفى ظل هذا الموقف إذا بـ«السادات» يفجر قنبلة، وهى قرار بطرد الخبراء السوفيت، وقوبل هذا القرار باستحسان فى مصر، كما أنه أحدث دويًا سياسيًا هائلًا. 


وكان «السادات» نافذ البصيرة، خاصة أنّ بعض المدربين السوفيت كانوا «يهودًا» لدرجة أن أحدهم وكان خبيرًا في سِرب هليكوبتر هنا فى مصر، اشترك فى استجواب بعض أسرانا من الطيارين. 


وبطرد الخبراء السوفيت، ازدهر سوق العقارات، وتوفرت شقق كثيرة كان يقطنها السوفيت بمدينة زهراء الحلمية ومدينة نصر ومصر الجديدة، وأذكر أن اللواء حسنى مبارك «ناله من الحب جانب»، وأخذ شقة فى عمارة «إكسبريس» ومعه حتى الآن، وقال السادات: «نحن مقبلون على حرب ومش عاوز حد يحارب لنا معركتنا».


حدثنا عن حرب أكتوبر وكيف حققنا الانتصار؟

«السادات» استغل بدهائه كل ما نشر عن استحالة القيام بعملياتٍ هجوميةٍ في إعداد خطة خداعٍ استراتيجي محكمةٍ أشرف عليها بنفسه، النقطة المهمة جدا جدا هى محاولة «السادات» تجميع القوى والإمكانات الهائلة ماديًا وسياسيًا للدول العربية، فتم التخطيط لعملية السادس من أكتوبر مع رفقاء السلاح فى سوريا برئاسة الرئيس السوري حافظ الأسد الذي كان طيارا قديرًا على «طائرات الميج 21»، وقد خدم في مصر وقتًا طويلًا أيام الوحدة بين مصر وسوريا، فضلا عن العمل على تنشيط التضامن العربي، وقاد «السادات» مع الملك الداهية فيصل بن عبد العزيز آل سعود الذى كان له دور سوف يذكره التاريخ بأحرف من نور عندما قطع البترول عن الغرب وأمريكا دعما للموقف المصري السورى فى الحرب، ويجب الإشارة لدور سرب «الطائرات الهوكر هنتر» العراقية فى الاشتراك الفعلى فى الحرب، وتم إنشاء القيادة العربية المشتركة وتولاها الفريق عبد المنعم رياض وكان مقرها الأردن، وبعد سبع سنوات من المعاناة والصبر والتدريب الشاق، تمت عملية السادس من أكتوبر، واستُعيدت الكرامة وحُررت الأرض. 


ما الخدع التى كانت فى حرب 1973؟

بعد علمنا بأن الصواريخ والطائرات الإسرائيلية لها «حساس» يضرب الجندى المصرى، قمنا بتفريغ «البول» في أكياس ووضعها في أماكن مختلفة، فكانت الصواريخ والطائرات تضرب أكياس البول لا الجنود المصريين، وكان يجب أن يأخذ هذا الانتصار حقه فى التأريخ وتجسيد هذه البطولات على الشاشة بدلًا من صرف المليارات على تخليد ذكرى راقصات ولاعبي كرة قدم ومسلسلات الفحش والعهر والمجون والمخدرات والدعارة.


ماذا عن الجاسوسة هبة سليم؟

تبين لرجال المخابرات العامة «الصقور الساهرة» على أمن الوطن، ضلوع فتاة مصرية فائقة الجمال تدرس في «جامعة السربون» بباريس تدعى هبة سليم فى عملية تخابر، تلك الفتاة كانت عضوا فى نادى الجزيرة بالقاهرة، وكانت محط أنظار الجميع لجمالها الفتّان، وأوقعت في حبالها للأسف ضابطًا مصريًا شابًا وكان مهندسًا بقيادة الوحدات الخاصة المصرية، ومديرا لمكتب قائد هذه القوات، وكان بحكم عمله يطلع على كثير من المعلومات الخاصة بتحركات عناصر الدفاع الجوى لتأمينها أثناء تحركها، ونظرا لوقوعه فى براثن الشيطانة هبة سليم عميلة الموساد، أمدها بكل ما لديه وما  ويقع تحت يديه من معلومات ساهمت في ضرب مواقع الصواريخ على الجبهة مرارًا، وحق الأجيال الجديدة أن تعرف اسم هذا الجاسوس الخائن المجرم، إنّه المقدم مهندس فاروق الفقى الذى أُعدم رميًا بالرصاص، وقد حضرت طابور إعدامه.


وماذا عن دور عناصر الاستطلاع الجوى فى الحرب؟

عناصر الاستطلاع الجوى «طيارين وملاحين وأطقم» كانت تواصل الليل بالنهار لتحميض وطبع الصور الجوية التي يعكف عليها ضباط مدربون يقرأونها ويفسرون ما بها من معلومات لاستخدام تلك المعلومات فى تنفيذ مهام أعمال قتال عناصر الصاعقة والمجموعة 39 قتال بقيادة طيب الذكر أشجع من أنجبت مصر الشهيد إبراهيم الرفاعى، ولقد كان لموقعة بالاستطلاع الجوي الفضل في أن تكتحل عينايّ به، والبطل سمير فرج و«إمبراطور الدهاء» عمر سليمان وآخرين، إذن دور رجال الاستطلاع والمعلومات كان الأساس لبناء الخطط الحربية، وهذا أمر يعرفه المتخصصون، أما دور رجال الاستطلاع الجوي على الطائرات المقاتلة الحديثة «ميج 21» و«سوخوى 7»، فتلك ملاحم كبرى فى تجهيز تلك الطائرات بأجهزة ومعدات غربية وكاميرات إنجليزية ومعامل متقدمة بعيدًا عن أعين الخبراء السوفيت.


ما مهام فرع الاستطلاع الجوى فى الحرب؟

كانت مهمته التخطيط لعمليات القتال للاستطلاع الجوي، وتحميض وطبع الأفلام وقراءة الصور الجوية وتحليلها، والخروج بمعلومات موثقة عن أوضاع وتمركز وحجم القوات الإسرائيلية، وتدقيق تلك المعلومات من مصادر المخابرات الأخرى، ونشر هذه المعلومات على الطيارين والأطقم الطائرة فى كل القواعد الجوية والمطارات، بحيث أن أى طيار كان ملما بما يلزم من معلومات عن الأهداف المخطط التعامل معها من جميع النواحي، وهذا كان دورى وأحمد الله على توفيقه لي لأنني أديت دوري بتميز رغم صغر رتبتى وسنى.


حدثنا عن بطولات رجال الاستطلاع الجوى

استخراج المعلومات الأولية من الصور الجوية، وإرسالها بوسائل نقل بيانات مؤمنة عبر شبكة مواصلات خاصة تصب مباشرة فى مكاتب القادة وفي مراكز القيادة والسيطرة بقيادة القوات الجوية والقيادة العامة للقوات المسلحة ومركز القيادة الرئيسي، ثم تنقل الأفلام والصور الجوية النسخ السريعة فيما بعد إلى فرع الاستطلاع الجوى، وأجرى عليها مزيدا من التحليلات والدراسات المتأنية لاستخراج المعلومات وتدقيقها ومقارنتها بما سبق من معلومات، والخروج بالاستنتاجات عن احتمالات نوايا العدو الإسرائيلي، ومن دراستنا الدقيقة اليومية لنشاط العدو الجوى كنا نضع سيناريوهات لتصرفات العدو المحتمل، وكأنى موجودًا فى مراكز التخطيط للعدو الإسرائيلى لأننى كنت دارسا لأساليب قتال العدو الإسرائيلى وعقائده الاستراتيجية وتكتيكاته وأساليب الخداع الإسرائيلي، ومن خلال التعاون مع باقي أجهزة المعلومات، المخابرات العامة والسفارات والملحقين العسكريين كنا نتابع النشاط الإسرائيلي وتعاونه بين كل من إيران وتركيا وأوروبا والأمريكيتين وحتى الاتحاد السوفيتي ودول آسيا وأفريقيا.


ما تجربتك الشخصية فى استجواب الأسرى الإسرائيليين؟

فى البداية لابد من معرفة أنني خضعت لتأهيل فى مدرسة المخابرات الحربية والاستطلاع بفرقٍ متعددةٍ جدًا؛ لأصبح قائدًا لمجموعة استجواب القوات الجوية، وبسبب إجادتي اللغة العبرية نفذت جلسات الاستجواب مع طياري «الفانتوم» و«السكاي هوك» التى تساقطت كالفراشات المحروقة أو الملسوعة، هذا أعطاني خبرةً كبيرةً جدًا فى مجال الاستجوابات، في هذا الوقت طغت علينا فرحة ونشوة النجاح الكبير للضربة الجوية على بعض الاتزان النفسى سرعان ما انقشعت، وكانت إسرائيل تعد خططها على القيام بضربات إحباط لأى استعدادات مصرية، فضلا عن أن إسرائيل ستغير الخطط العسكرية لها والتى كنا لا نعرفها. ونحن لا نعلم شيئًا عن الخطط الجديدة التي يحاولون بها عرقله أعمال قتال قواتنا شرق وغرب القناة.


ومع تساقط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية، وأسر عدد من الطيارين، وهؤلاء صيد ثمين ومصدر مهم للمعلومات، جرى تكليفي باستجواب الأسرى وسرعة الخروج بنتائج، وهنا بدأ دور بطولي لا يقل عن القتال الجوى بالمدافع والصواريخ والقنابل؛ بل لا أكون مبالغا إذا قلت إنه يفوقه، وكان معي سيارة 1300 فيات بسائق يدعى حسن من المخابرات الحربية، وبعد إجراءات أمنية معقدة تم الدخول إلى السجن الحربى مكان البانوراما الحالية والحديقة المجاورة لها.


ومن الأسير الإسرائيلي الذي حققت معه وما قصته؟

الاستجواب كان مع الملازم أول طيار «أمنون يعقوب جاردى» في زنزانته بالسجن الحربى، وأُسقطت طائرته بصاروخ «جو أرض» فى القطاع الشمالى من القناة يوم 6 أكتوبر العاشر من رمضان 1973، وكان مصابا بكسر مضاعف فى رجليه ومنهارًا، وبالطبع كنت قد أطلعت على المعلومات الأولية عن الأسير من المخابرات الحربية وهى الاسم والسن والسكن، لفت نظرى أنه من بلد جنوب تل أبيب اسمها «حولون» ولحسن الحظ كان عندى صورة جوية لتلك المنطقة، أحضرت الصورة معى وقلت له ارنى بيتك فى هذه الصورة، كنت أقصد أن أحدث له صدمةً نفسيةً، وهى أننا على علم بكل شيء عنه ومن ثم يسهل السيطرة عليه، وكان هذا الأسير أحد طياري «السرب 102 سكاى هوك» بقاعدة حتسريم الجوية التي تقع شمال صحراء النقب، وبالقرب من قاعدة حاتسور وعكير الجويتين، وهى قواعد رئيسية وكان هذا السرب سيواجه كل مجهوده الجوى تجاه الجبهة الجنوبية المصرية، الأسير على «قده» فى المعلومات العسكرية لكن طبعا وبكل الفخر انتزعت منه ما أريد من معلومات عن أساليب القصف الجوى، ما كنت أريده فعلا هو الحصول على معلومات عن زملائه اجتماعيا، كان للمعلومات الاجتماعية التي حصلت عليها من الطيار الإسرائيلي الأسير «أمنون يعقوب جاردى» أثر كبير استخدمته في ما بعد فى استجواب طيارين إسرائيليين تهاوت طائراتهم تباعا أمام بسالة الطيارين المصريين ومناعة حائط الصواريخ المصرى الخاصه بقوات الدفاع الجوى.


ما قصة الأسير الإسرائيلي إسحاق بيير؟

فى اليوم الثانى للعمليات أي يوم 11 رمضان 7 أكتوبر، حدث ما توقعت، إذ أُسقطت طائرة «سكاي هوك» أخرى من «السرب 102» من قاعدة حتسريم الجوية وكانت لقائد السرب رائد طيار «إسحاق بيير»، كنت قد حصلت على معلومات اجتماعية عنه من الطيار الأسير «أمنون يعقوب جاردى»، وعرفت عنه شراهته فى التدخين وحبه للبرتقال والتفاح، وولعه بابنيه «أبراهام» و«سارة».


كيف قمت باستغلال هذه المعلومات؟

كنت أحمل أكثر من علبة سجائر أنواع مختلفة، ومنها النوع المفضل عنده وهو «لأرك»، وأنفث الدخان في وجهه، كما أقضم تفاحةً وألقيها على الأرض، وكانت قدماه فى «الجبس»، وعلمت من ضباط المخابرات الحربية أنه عنيد جدًا ومدرب جيدًا على مقاومة الاستجواب، قلت له: «إن الحرب لابد أن تنتهي.. وربما نكون أنا وأنت صديقين»، دخلنا فى الجد في جلسة الاستجواب، فبادرته بسؤال عن خطط العمليات الإسرائيلية فرمقنى بنظرة فيها كل الحنق، أردت الخروج من هذا المأزق، وأتفقت مع طبيب السجن على سيناريو معين.


ما هذا السيناريو؟

ذهب الطبيب له وأخبره أنه عرض صور أشعة القدمين على مندوب المخابرات (يقصدني أنا) وأنه لابد من إجراء جراحة «بتر» تحت الركبة لقدمه اليمنى، وقال له أيضًا إننى أخبرته أنّ هذا الأسير غير مسجل في قوائم الأسرى ودعوا «الغرغرينة تخلص عليه»، وأخبره الطبيب أيضًا أنّ ضميره المهنى لا يسمح له بالموافقة على ذلك، فقال له هذا الأسير: «أرجوك أنا شاب ولى ولد وبنت أريد أن أربيهما أرجوك حكم ضميرك المهنى وأجرى لى الجراحه بدلا من أن تتركني أموت»، فرد عليه الطبيب قائلًا: «لابد أن تكتب لى إقرارًا بأنك اطلعت على صور الأشعة وموافق على إجراء الجراحة»، فكتب له إقرارًا باللغة العبرية، فقال له الطبيب: «معرفش عبرى.. اكتب إنجليزى»، فكتب.


ماذا حدث بعد ذلك؟

خرج الطبيب من الزنزانة، وأعطاني الإقرارات، فدخلت عليه وأنا أقول: «خطك حلو فى العبرى أوى يا إسحاق»، وأخذت ورقة أخرى وقلت له: «وخطك جميل فى الإنجليزى»، وبينما هو في حالة من الذهول والارتباك إذا بالطبيب يدخل وعليه علامات تأثر مصطنعة كما خططت له، قائلا: «ابشر يا مستر إسحاق وأقدم اعتذاري لك، أشعتك للأسف اتلخبطت مع أشعة أسير آخر يدعى أمنون يعقوب جاردى الذى مات متأثرا بما لحق به من إصابات، أما أنت إصابتك كسر مضاعف بالقدمين، نحتاج وضع شرائح بلاتين وكم مسمار وتبقى زى الفل».


قال الطبيب هذا وخرج وتركنى مع الأسير، قدرتُ الموقف سريعًا، وأخرجت لفافة من التبغ وأشعلتها له وأعطيته إياها فشربها أو دخنها على نفس واحد، أحسست أنه فى حالة دواّر، أمرت له بكوب ماء، سمحت له بأن يشرب ولكن مجرد «بق واحد» وسحبت الكوب، قلت له: «أنا مكلف بمهمة الحصول على معلومات منك عن الخطط الإسرائيلية، فقال: «رجلى وحياتى مهددة»، فقلت له مستعرضا إقراريه العبري والإنجليزى: «إما أن أنفذ مهمتى أو أخد رجليك»، فزاع بصره قليلا ولكنه قدّر الموقف ووافق فتركت لديه ورق وعدة رسم وألوان، وقلت له: «ارسم الخطط وأعلم أننى أعرف كل شاردة وواردة فلا تكذب عليّ»، وتركت له فى الخبث سيجارة أخرى وانصرفت على أن أراه صباح اليوم التالى.


ماذا حدث فى اليوم التالى؟

تركت له ورقًا وألوانًا ومساطر تكتيكية؛ لرسم ما وصل إليه من قيادة سلاح الجو الإسرائيلى كخطة عمليات، نمت جيدًا بعد أن ذاكرت وراجعت ما لدى من معلومات عن العدو الإسرائيلى، واستيقظت «من النجمة» قاصدا السجن الحربى، وداخل توجس من ألا يكون الأسير الطيار إسحاق بيير لم يفِ بما أكده لى، وشعور آخر بالفرح لو استطعت الحصول على معلومات هذا الصيد الثمين الذي أعيا ضباط المخابرات الحربية، وفقدوا الأمل في الحصول منه على معلومات ذات قيمة يعول عليها. 


فتح لى جندى الحراسة باب الزنزانة فوجدت الأسير نائمًا، ولا شيء حوله يوحى بأنه رسم شيئًا، جلست أنفث دخان سيجارتى في وجهه، كشرت عن أنيابي فإذا بى أرى تحت وسادته طرف ورقٍ مبرومًا، تهلل وجهي مع القلق، إلا أن فتحت الورق، فإذا بالمعلومات التى كنت أود الظفر بها موجودة، راجعت معه المعلومات وصححت بعضها وما أن تأكدت من صحتها حتى قمت بتطبيق الورقة، وأخفيتها داخل قميصي، قال لى رئيس فرع المعلومات بإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع: «هل حصلت من الأسير على أى معلومة؟»، دارت رأسى هل أجيب بنعم أم لا، نعم لابد أن أعطى المخابرات كل ما تحصلت عليه وهو فى منتهى الأهميه لصالح أعمال قتال قواتنا الجوية، ولكن لابد من «فلترة» المعلومات قبل تأكيدها وإصدارها.


ونظرًا لأهمية المعلومات التي تتعلق بأساليب القتال والتكتيكات وأمور تخصص فنية صعبة الفهم إلا على المتخصصين، فقررت فى لمحة أن أقول: «يا فندم لم أتمكن من الحصول على أى معلومة».


بما أنك تعاملت مع الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك.. كيف تراه؟

«مبارك» للأسف كان غبيًا جدًا؛ ينقاد ولا يقود ولكن هناك مشروع نفذته القوى الأولى فى العالم وهى أمريكا بعد أن قضت على الاتحاد السوفيتى وقسمته، وهو مشروع «صناعة الزعيم»، ويتلخص في أنّ من يقف أمامها تزيحه كما فعلت مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر؛ وجهّزت بعده الرئيس محمد أنور السادات الذى حاول بشتى الطرق مسح تاريخ «عبد الناصر» بأستيكة، وعندما انتهى دور «السادات» جهزت أمريكا من يرتمي في أحضانها وهو «مبارك»، كنت أقابله وحذرته أكثر من مرة، ولكنه لم يستمع إلىّ، وفى مرة من المرات كنا فى المصيف، وكان بيلعب «إسكواش» قلت له: «ياريس إذا كان زكريا عزمى يقول لك إن الفساد وصل إلى الركب فأنا أقول لك إن الفساد تعدى الرؤوس»، غضب جدا منى، وطلب أن لا يراني أبدا طيلة حياته، وطردنى، حاولت مقابلته بعد تنحيه فى المستشفى لكنه رفض مقابلتى. 


كيف ترى مستقبل مصر؟

مصر تتقدم إلى الأمام، الرئيس عبد الفتاح السيسي يفعل الصالح «لكننا شعب بتاع بطنه»، لو أخذنا على سبيل المثال العاصمة الإدارية الجديدة سنجد أنه مشروع عظيم، وأمريكا سبقتنا، وهى القوى العظمى، فى تنفيذ مشروع شبيه له عندما أنشأت واشنطن.