ads
ads

ما هو شكل البيوت التي تحفظ توازن مصر؟

عمر طاهر- أرشيفية
عمر طاهر- أرشيفية
عمر طاهر
ads


يحافظ البلد على اتزانه بفضل بيوت لا يمكن رؤيتها من على الوش، عميقة تحت الجلد، بيوت «صحوا العيال علشان تتعشى»، وميثاق العيش والملح الذى ينافس ميثاق الفاتحة، يحفظونه لثقتهم أن «الخاين بيخاف من ضله»، أصحاب نظرية «الاستئذان عكاز الأعمى»، يلتمسون الأعذار لإيمانهم بأن «اللى يفتش ورا الناس الناس تفتش وراه»، ويغضون البصر كون «الجار السو يحسب الداخل ما يحسب الخارج» بيوت تتأمل المذيع آخر اليوم وهو «يزعق فيهم» بينما لا يجرؤ أن يرفع عينه إذا خطى عتبة بيوتهم، يقدرون الواضح ويلفظون «الممحون»، والممحون كلمة فصحى معناها الواقع فى محنة وابتلاء شديد، وهل هناك ابتلاء أكبر من المحن؟
بيوت لا تطارد جمع الأموال لكنها تطارد «البركة»، الرهان عليها معجزتهم المتكررة، قداسة الحلال والحرام دون نفرة عروق، والرضا بلا مصمصة شفايف ولكن بالاستمتاع بالمتاح حتى آخر نفس فيه، بيوت زرع البلكونات وأقفاص العصافير التى تعج أرضيتها بـ«الغلة»، بيوت تعوم فوق أهلى وزمالك منذ أن كان البلاستيك عقدة الأول والمنيا عقدة الثانى، تستقبل الأغنيات بقلبها لا بأذنيها، المسلسلات جزء من حياتهم الشخصية، وهم الذين يزرعون جذورا لمن أحبوه مثل أن تصبح واحدة من ألعاب أطفالهم التصفيق العكسى وهم يغنون (عادل إمام.. هيلا.. لبس فستان.. لسه باروكة.. ويبقى مدام)، لا تدهشهم برامج رامز جلال لأنهم اختبروا فكرة أن الناس هم أكبر برنامج مقالب، صور أم كلثوم جزء من زينة جدران الشرفات، بيوت قوامها (الحساسة)، و«الكلام لك يا جارة والا انتى حمارة؟»، والبحث عن عتبة جديدة ليس بمنطق الاستعراض ولكن بحثا عن تطور إنسانى قائم على فكرة «العادات يسهل تغييرها فى بيئة جديدة»، بيوت الجنة تحت أقدام أمهاتها لأنهن استهلكن أقدامهن فى الجرى خلف الابن علشان (يأكل، ياخد الدوا، يذاكر، يخلص ورقه، يشتغل، يتجوز، يخلف)، ثم يستهلكن ما تبقى فى الجرى من جديد ولكن خلف الأحفاد مع رغبة فى تصحيح أخطاء الأمومة الأولى.

بيوت تغفر لأنها كريمة، وتكرم لأنها تعرف أننا فى مركب واحد، بيوت تقوم عظمتها على فكرة واحدة وهى أنها – كما يقول لوريانو- لم تستسلم يوما، بيوت أيقونتها الذهبية الصبر، صبر يدهشك، يقوم على فكرة أنه لو للصبر حدود «مايبقاش صبر»، وهو لا يشبه صبر برامج التنمية البشرية والطبطبة الفارغة، لكنه يقين بأن الأمور ليست كما تبدو لأول وهلة وأن الوقت كفيل بوضع كل شىء فى مكانه المضبوط، صبر «بكرة ترخصى يا ملوخية وتلقى على البيبان»، «البيبان» التى خلقت لكى تظل مفتوحة.

نقلا عن "المصري اليوم"