ads

صحافة رانيا يوسف

محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
ads


فى نهاية تسعينيات القرن الماضى، وبداية تلك الألفية، وبينما أقف بين كتل من اللحم فى أحد قطارات الدرجة الثالثة أو المميزة المتجه إلى بلدتى بشمال الصعيد نهاية كل أسبوع، يرتفع صوت أحد سريحة الصحف، «اقرا الحادثة.. ضبط ممثلة شهيرة فى وضع مخل.. سقوط عصابة تبادل الزوجات فى الجيزة.. القبض على فلانة فى بيت دعارة.. إلخ»، ويمر بعده آخر بنداء».. أخبار.. مساء.. جمهورية»، وأضيف إليهم لاحقا «العربى.. الأسبوع.. صوت الأمة».

كان النوع الأول من صحافة الفضائح هو الأرخص والأكثر رواجا بين ركاب قطار الدرجة الثالثة، من ذوى التعليم المتوسط والطلبة كانوا يتداولون نسخ الصحف الصفراء لقتل الوقت الذى يطول بفعل الوقوف على الأقدام لرحلة قد تمتد نصف يوم، يعلم هؤلاء أن ما تحتويه تلك الجرائد لا يعدو كونه قصصا «مضروبة» ينقصها الحبكة فى كثير من الأحيان، لكنها تناسب الحالة المزرية التى فرضتها زحمة القطار وسخونة الطقس، يقلبون صفحاتها ويتفحصون صورها العارية ثم يفترشونها على أرضية القطار بقية الرحلة.

مع الوقت ولما أذنت الحالة المادية للعبد لله بركوب العربات المكيفة بقطار الدرجة الثانية، انخفض صوت السريحة واختفت تقريبا صحف «الفضائح»، ودس عدد كبير من الركاب رءوسهم فى صفحات صحف الحكومة أو صحف المعارضة بمختلف اتجاهاتها، يقرؤونها من الصفحة الأخيرة إلى الأولى أو العكس، فهى السبيل الوحيد لقتل وقت الرحلة قبل اختراع الهواتف الذكية، ووسائل التواصل الاجتماعى.

كان سوق القراءة فى مصر يجمع حتى وقت قريب بين الصحافة الجادة التى تشتبك مع قضايا جادة تهم المواطن وتفككها من وجهات نظر مختلفة، وبين صحافة الإثارة والفضائح التى تسترزق من أخبار فضائح نجوم المجتمع والفنانين والمواضيع الجنسية والسحر والشعوذة وقشور الدين، والتى تعتمد على المعلومات التافهة والأخبار المفبركة، وأغلبية المحتوى الصحفى المنشور بها يكون مسروقا من وسائل أخرى أو «مضروبا» من وحى خيال المحرر.

تخاطب الصحافة الصفراء شهوات القارئ وتعمل على دغدغة غرائزه بجره إلى نميمة مجتمع المشاهير وأخبار الجريمة والجنس، ونشر الصور العارية، وجمهورها عادة يكون من الطبقات الأقل تعليما وثقافة، وكانت تراخيص تلك الصحف عادة أجنبية، حيث التكلفة الأقل والبعد عن رقابة المجلس الأعلى للصحافة أو نقابة الصحفيين.

فى الفترة الأخيرة، وعندما حجبت معظم القضايا الجادة عن المناقشة، ومنع أهل القلم من الاشتباك مع القرارات الحكومية والتشريعات البرلمانية، طغى «الصفار» على معظم المنصات الإعلامية، وصارت «خناقة» حمو بيكا ومجدى شطة وفستان رانيا يوسف الذى لم يكشف أكثر مما تكشفه صاحبته فى أدوارها الفنية هى أو غيرها هو «التريند» الذى يسعى الكل الي«ركوبه».

عندما فرض الفراغ على محررى الصحافة وخلت الأجندة التحريرية من أى اشتباك الذى هو أساس مهنتنا، تحولت «حبة» رانيا يوسف إلى «قبة»، فتقدم طلبات الإحاطة البرلمانية وتتحرك بلاغات راغبى الشهرة بسرعة البرق إلى ساحات المحاكم، وتدبج المقالات والتقارير مع صور للفستان العارى.

خلال السنوات الأخيرة ،انتهى بنا الحال إلى أن تصبح أخبار الفستان وحمو بيكا واختفاء الأعضاء التناسلية فى الجنة هى الاكثر قراءة على مواقع الصحف التى من المفترض أنها تستهدف جمهور الدرجة الأولى والثانية من القراء.

انعدمت الثقة بين الصحافة والناس وفقدنا جمهورنا الطبيعى، وانشغلنا إما بـ«التطبيل» لأهل السلطة، أو الهروب إلى القاع بالنبش فى القشور والاشتباك مع مقدمة ومؤخرة فستان رانيا، فصار كل ما نقدمه لا يعدو كونه «كلام جرايد».