ads

أزمة التعليم: أصلها وما حولها

عبد الله  السناوي
عبد الله السناوي
عبد الله السناوي
ads


لا ينازع أحد فى عمق أزمة التعليم وتراجع جودته إلى ما يتجاوز أية خطوط حمراء مفترضة.
لكل أزمة مستعصية أصل وجذر يكشف حجمها وينير حقائقها.
هناك فارق بين أصول الأزمات وأعراضها.
إحدى معضلات السجال العام فى مصر أن الأعراض تستغرقه دون اهتمام كافٍ، أو شبه اهتمام، بأصل الأزمة وأسبابها الحقيقية.
لم يتدهور التعليم فجأة، ولا كانت جديدة التصريحات المنسوبة لوزير التربية والتعليم التى اعتبرت مجانية التعليم سببا جوهريا، وربما وحيدا، لما وصلنا إليه.
على مدى أربعة عقود كاملة تكرر الخطاب نفسه ضاغطا بإلحاح لإلغائها.
ما حدث بالفعل أن المجانية فقدت جوهرها وروحها دون أن يتحسن شىء، لا أنشئت مدارس قادرة على استيعاب التلاميذ الجدد مع الزيادة الهائلة فى أعداد السكان، ولا المناهج الدراسية تطورت، ولا الدروس الخصوصية التى تثقل كاهل أولياء الأمور بما هو فوق طاقتهم، ولا أعيد تأهيل المدرسين وتحسين دخولهم، ولا مستوى التعليم العام نفسه مما يشرف بلدا عريقا مثل مصر.
الأسوأ أن انشقاقا حدث كأنه فالق بين مجتمعين فى بلد واحد يوفر للأثرياء عبر المدارس الدولية الحق فى جودة التعليم وفرص العمل ويحرم الأغلبية الساحقة من أى حق فى الترقى الاجتماعى أو العمل المناسب، كأن الفقر إرث.
المشكلة سياسية لا فنية، فى النظرة إلى قضية التعليم لا فى أعراضها.
أرجو أن نتذكر أن قضية التعليم كانت إحدى ركيزتين تأسست عليهما الدولة المصرية الحديثة عام (١٨٠٥) على عهد «محمد على»، حيث أرسلت بعثات دراسية تتلقى العلوم والمعارف من الجامعات الأوروبية، حتى يمكن التطلع إلى تحسين جوهرى فى أداء المهام العامة.
وكانت الركيزة الأخرى بناء جيش قوى يستطيع أن يلبى طموحه فى تثبيت حكمه، والتطلع إلى خارج الحدود منازعا الخلافة العثمانية وربما وراثتها.
هكذا ارتبطت قضية التعليم بتحديث دواوين الحكومة ونشأة الانتلجنسيا المصرية واتساع الطبقة الوسطى والانفتاح على العالم بالاطلاع على علومه وفنونه والعمران فيه والقدرة على منازعة القوى الكبرى بقوة السلاح.
كان الشيخ «رفاعة رافع الطهطاوى» صاحب كتاب «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» هو المعلم الأول، الذى خرجت من تحت عباءته أجيال متتالية من المفكرين والمثقفين والأدباء ولا يزال أثره ملهما حتى اليوم.
بأى نظر يدقق فى الوقائع كان التعليم هو قاطرة النهضة الحديثة، أو رديفا للمشروع الوطنى المصرى الذى يطلب المنعة والتقدم والالتحاق بالعصر.
عندما تراجع التعليم، أغلقت مدارس وشبه توقفت البعثات إلى أوروبا على عهدى الخديوين «عباس الأول» و«محمد سعيد»، كان ذلك نذيرا بتدهور كبير فى المكانة المصرية.
فى عهد الخديو «إسماعيل» نهض التعليم من جديد وجرى التوسع فى فتح المدارس الابتدائية والعليا والعمل على تجاوز قلة أعداد المدرسين المؤهلين مع تزايد الإقبال عليها، وبرز اسم «على مبارك» المعلم الثانى عنوانا على مرحلة كاملة شهدت خلالها مصر اتساعا فى الطبقة الوسطى المتعلمة ونهضة إدارية ومعمارية وفنية غير مسبوقة.
فى كل التجارب الإنسانية يشع التعليم على ما حوله.
رغم انكسار مشروع «إسماعيل» بأثر الوقوع فى شرك الديون الأجنبية إلا أن حجم الإنجاز التعليمى الذى حققه ساعد مصر على الوقوف مرة أخرى من تحت أنقاض هزيمة الثورة العرابية بعد الاحتلال البريطانى لمصر عام (1882).
لم تكن محض مصادفة أن أول صوت ارتفع للمطالبة بالجلاء وأن تكون مصر للمصريين خرج من بين تلاميذ المدارس، حيث ولدت زعامة «مصطفى كامل».
كما لم تكن مصادفة أخرى أن «الحزب الوطنى» الذى أسسه تبنى على يد خليفته «محمد فريد» أوسع حملة لإنشاء مدارس ليلية مجانية توفر خدماتها لكل من يطلب تعليما.
ولا كانت مصادفة ثالثة ورابعة وخامسة أن تتبنى الحركة الوطنية مشروع بناء أول جامعة أهلية «فؤاد الأول»، «القاهرة» فيما بعد، أو أن يفجر تلاميذ المدارس العليا فى عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى ثورة (1919)، أو أن يولد جيل جديد عام (1946) بعد الحرب العالمية الثانية أكثر انفتاحا على الأفكار الاشتراكية وأكثر استعدادا لدفع فواتير قضية التحرر الوطنى من بين طلاب وخريجى الجامعات المصرية، الذين حملوا السلاح ضد معسكرات الاحتلال البريطانى فى قناة السويس، وفتحوا الطريق واسعا للتغيير الكبير الذى حدث فى (23) يوليو (1952).
كما لم تكن مصادفة أخيرة ما أقره دستور ثورتى «يناير» و«يونيو» من كفالة المجانية فى مؤسساتها الدولة التعليمية المختلفة.
هذه حقوق وطنية ودستورية لا مساومة عليها.
فى كل لحظة وعند كل منعطف بدت قضية التعليم البنية الأساسية لأى تغيير وكل نهضة.
مطلع خمسينيات القرن الماضى أطلق الدكتور «طه حسين» المعلم الثالث ووزير المعارف فى حكومة «الوفد» الأخيرة مقولته التاريخية: «التعليم كالماء والهواء».
كان ذلك تعبيرا عن توجه وطنى كاسح يطلب المجانية وحق كل مواطن فى التعليم.
نفس الهدف الوطنى تبنته ثورة «يوليو»، لم تؤلفه أو تخترعه.
توسعت فى بناء المدارس والجامعات، كما المصانع والمستشفيات وقصور الثقافة.
أفضت تلك السياسة إلى أوسع حراك اجتماعى شهدته مصر فى تاريخها، طبقات كاملة مهمشة اكتسبت حقها فى العمل والتعليم والترقى الاجتماعى، وحصلت على نصيب عادل فى الثروة الوطنية، اتسعت الطبقة الوسطى ونهضت الثقافة والفنون باتساع قاعدة متذوقيها.
أخذت قضية التعليم جديتها من ارتباطها بالمشروع الوطنى واتساع أهدافه، طلبا للنهضة والعدل الاجتماعى واستقلال القرار الوطنى.
لا يمكن الادعاء أن التعليم كان مثاليا تماما، لكنه وفر لكل تلميذ وطالب بقدر الإمكانيات المتاحة ملاعب رياضية ومسارح مدرسية وغرف موسيقى ومعامل كيمياء ووجبة طعام للأطفال الصغار.
كيف انكسر التعليم؟
عندما انكسر المشروع الوطنى المصرى.
لم تكن مصادفة أن الحملة الممنهجة على مجانية التعليم بدأت مع سياسة الانفتاح الاقتصادى عام (1974) ووصلت ذروتها بعد اتفاقية «كامب ديفيد».
لا جديد تحت شمس الحوادث، الكلام هو نفسه، رغم ما أفضت إليه سياساته من تعطيل للحراك الاجتماعى وتراجع فى قدرة المجتمع على الدمج والصهر وتآكل فى القوة الناعمة وتدهور سمعة التعليم فى مصر.
إذا ما أراد أحد أن ينهض بالتعليم من جديد فهناك مدخل واحد هو رد اعتبار المشروع الوطنى ولا مدخل غيره.

نقلًا عن "الشروق"

ads
ads
ads