ads

«ليل خارجى».. مشاعر داخلية ووميض فنى!

طارق الشناوي- أرشيفية
طارق الشناوي- أرشيفية
طارق الشناوي
ads



عندما يؤرخ للسينما المصرية فى الألفية الثالثة ستبرق حتماً سينما أضاءت حياتنا بألق فنى وأضافت الكثير من الجماليات، وتواجدت بقوة فى المهرجانات، وهى تحمل اسم مصر واقتنصت أيضا الجوائز، إلا أنها لم تستطع أن تحقق تماسا مع الجمهور، وتلك مشكلة أتصورها شغلت بال واحدا من أهم عناوينها، وهو المخرج أحمد عبد الله السيد، الذى دخل إلى السينما من أهم أبوابها (المونتاج)، وهو نفس الباب الذى دلف منه أعمدة كبار مثل نيازى مصطفى وصلاح أبوسيف وكمال الشيخ وغيرهم، أعتقد أن الفيلم هذه المرة «ليل خارجى» قادر على أن يعقد تلك الحميمية المفقودة مع الناس.

شاهدت لعبد الله «هوليوبوليس»، ثم انتقل إلى «ميكرفون» و(فرش وغطا) و(ديكور) ووصلنا إلى خامس أفلامه، ذروة منهج عبد الله هو (ميكروفون)، فهو يحمل مفتاحه الإبداعى و(شفرته الجينية)، المخرج يمتلك حسا تسجيليا، يفرض نفسه فى اختياره للفكرة، العفوية المقننة فى تطويرها هى التى تحدد توجه تتابع الشريط السينمائى، وهو ما ينعكس أيضا على حجم وتكوين اللقطات، يختفى ظاهريا طبعا إحساسك بأن هناك مخرجا يقف خلف الكاميرا، الحوار به مساحات من الإضافة للشخصيات لتأكيد فطريتها. لا أرتاح لتعبير (سينما مستقلة) الذى يُصنف به هذا الجيل، ولكننا كعادتنا نستسهل حتى نجد لهؤلاء المخرجين صفة تجمعهم فى سلة واحدة، أسماء مثل إبراهيم بطوط، وهو أول من أمسك بالخيط، وتتابعت الأسماء هالة لطفى وماجى مرجان ونادين خان وهالة القوسى، وصولا إلى أبوبكر شوقى وغيرهم.

إلا أن السؤال هذه السينما مستقلة بالضبط عن إيه؟، عن النجوم مثلا، هم يستعينون أحيانا بالنجوم، مستقلة عن الشركات الكبرى؟، أيضا تشاهد فى إنتاج أفلامهم شركات كُبرى، عندما يدخل صندوق سينمائى مثل (مهرجان دبى) فى الإنتاج، لا يمكن الحديث عن استقلال، إنها سينما تحاول أن تجد لنفسها معادلة أخرى من خلال أفلام تتنفس سينما، يعود فيها للمخرج دوره الحقيقى كصانع للعمل الفنى.

هى امتداد بأسلوب عصرى لسينما يوسف شاهين وتوفيق صالح وداوود عبد السيد ومحمد خان وخيرى بشارة ويسرى نصر الله.

لدينا دراميا هذا الثالوث الشهير (الزوج والزوجة والعشيق) يحيلها السيناريو الذى كتبه شريف الألفى إلى (فنان وسائق وعاهرة)، الفنان المخرج الذى يعبر عن شريحة يراها الناس نخبة (كريم قاسم)، وسائق تاكس يلتقط زبائنه من الشارع (شريف دسوقى)، وعاهرة يفرغ فيها هؤلاء الزبائن طاقتهم الطبيعية (منى هلا)، ليست تلك هى البداية، ولكن المخرج يبحث عن نفسه، وهو يصور فيلمه لكى يقدم ما يرضى الجمهور، وهو يذكرنى فى بدايته بفيلم (إسماعيل ياسين فى الطيران)، مع الفارق أن (سُمعة) كان يؤدى دور (كومبارس)، بينما الفنان الشاب أحمد مجدى هو البطل (سوبر مان) المعلق فى رافعة، إنه البطل الأسطورى، الذب يقدمه المخرج من أجل إلهاء الناس، هذا المشهد أراه نقطة انطلاق رائعة، لأن المخرج وهو يواصل إنجاز الفيلم يكتشف أنه يبيع الوهم للناس من خلال شخصية (سوبر مان)، بالمناسبة الكاتب شريف الألفى، وأتصوره فيلمه الروائى الأول، يمتلك خيالا وقدرة على أن تنطق شخصياته بروح وإحساس اللحظة دراميا ونفسيا.

الكل ضائع فى هذا اليوم، والليل الخارجى يعرى الناس، بمختلف انتماءتهم الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، عندما ينتقل المخرج من موقع التصوير الخيالى وهو يستعد للجزء الثانى من الفيلم مع منى هلا تلك الممثلة الموهوبة اللهلوبة، الفيلم يصل إلى قسم الشرطة، ولا يقف على الحياد، بل يشير بقوة إلى المحسوبية والمعاملة الطبقية التى يدفع ثمنها الجميع.

فى الحى الشعبى نتابع استعراض السنجة والمطواة والتباهى بالفحولة والقواد والبيع الوهمى للأخلاق.

تواجد هامشى لـ «بسمة» فى دور شقيقة العاهرة أو أحمد مالك، ابن شقيقة سائق التاكسى، حكايات فرعية أثقلت التتابع وجرحت التلقائية، وخاصة أحمد مالك الذى كانت الدراما بين الحين والآخر تستدعيه للمشهد ليطل بموقف أو لمحة، تلك الإضافات وغيرها تُفسد العشوائية الظاهرية فى السرد السينمائى، بالطبع لا يوجد فى الفن عشوائية، ولكن هناك قدرة إبداعية للحفاظ عليها دراميا وسينمائيا، تقنعك بأن الكاميرا لا تنتقى شيئا متعمدا، بينما كل تفصيلة قطعا متعمدة.

الروح التسجيلية التى قدمها المخرج تتجسد فى هذا الأداء لممثليه وكأنه الحقيقة، فلا تشعر بأن هناك من يعمل حسابا للكاميرا ولا حجم الكادر، كما أن المخرج يتوارى تماما وهذا الاختفاء الظاهرى هو ذروة الحضور.

المخرج ينسج حالة الفيلم التى ترى فيها عينا جمالية ومساحة من العشوائية المقننة، الأغانى والموسيقى تنتقل بمهارة بين الشعبى والكلاسيكى والمهرجانات والعاطفى، لتقدم لوحة غنائية موازية بانورامية (كوزمو بوليتان) للصورة مع هذا الثلاثى الرائع من الممثلين كريم ومنى وشريف.

(ليل داخلى) إنتاج (حصالة) لهالة لطفى التى تعنى التحويشة المحدودة ماديا، ولكنها تحلق إبداعيا، وهكذا شاهدت الشريط السينمائى!.

نقلًا عن "المصري اليوم"

ads
ads
ads