رئيس التحرير
خالد مهران

بالصور.. "النبأ" في زيارة لدير الراهبة المقتولة على الطريق الصحراوى

راهبة مارى جرجس المقتولة
راهبة مارى جرجس المقتولة على الطريق الصحراوى

ـــ زميلات "أثناسيا" بدير مارجرجس يروين تفاصيل حياتها
ـــ ابنة أثرياء قنا فضلت الرهبنة والتقشف على حياة الرفاهية
ــــ عملت فى المشغولات اليدوية والإكسسوارات الجلدية
ـــ الرصاص اخترق جسدها أثناء رحلة إلى مرزعة الخطاطبة
ـــ أثناسيا أكثر شبهاً بالأم "يوأنا" تلميذة البابا كيرلس 

فجأة ودون سابق إنذار، أو مقدمات، أصبحت الراهبة "أثناسيا"، شيئا من الماضي؛ بعد أن وضعها القدر فى مواجهة مجموعة من اللصوص، الذين اغتالوها رغم أنهم لا يعرفونها، وليست مطلوبة لديهم!!

الصدفة وحدها قادت الراهبة إلى النهاية، وذهبت بها إلى الأمجاد السماوية، فما هى التفاصيل الحقيقية للواقعة؟ وكيف نظر الأقباط الذين تعاملت معهم "أثناسيا" لواقعة مقتلها؟ وما أبرز ذكرياتهم معها؟

تفاصيل كثيرة تحكيها الجولة الميدانية التى أجرتها "النبأ"، لدير مارجرجس، الذي عاشت فيه الراهبة أثناسيا.

تفاصيل الحادث
فى ذلك اليوم المشئوم، ولم يكن أحد يتوقع أى أحداث استثنائية خلاله، خاصة بعد أن وصل اليوم إلى منتصفه دون إشارة لما كان يخبئه القدر، وتخفيه الدقائق والثوانى، التى سارت مسرعة مهرولة إلى لحظة الكارثة.

تجمعت الراهبات فى طريقهن إلى دير مار جرجس بالقاهرة، عائدات من البحيرة، وعلى طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوى، وفى عصر أول أيام عيد الفطر المبارك، اشتعلت الأمور فجأة، وفوجئت الراهبات بسيل من طلقات الرصاص ينهال عليهن، دون معرفة السبب، أو من المستهدف، أو حتى ما الذى يجري!

وقبل أن يفيق أحد من هول الصدمة، فوجئوا بـ"أثناسيا" مدرجة فى دمائها؛ بعد أن أصابها طلق نارى طائش، لم تكن هى المقصودة به على الإطلاق، فيما نجت راهبتان وطبيبة، وسائق السيارة، التى كانوا يستقلونها.

وبقى السؤال معلقا، يدق رءوس الناجين من الحادث بكل عنف، وهو ماذا جرى؟ وما أسباب استهداف الراهبة الضحية؟!
هذه الأسئلة أجابت عنها تحريات المباحث عن الواقعة، والتى كشفت عن أن وراء الحادث 3 لصوص مسلحين، يستقلون سيارة ملاكى، يطاردون بها سيارة رجل أعمال يدعى عبدالحليم حميدة عبدالكريم، مالك شركة للاستيراد والتصدير، والذى كان مستهدفا بالنسبة إليهم، ونجحوا بالفعل فى قتله وإصابة نجله الذى كان برفقته، خلال رحلة عودته من مطار القاهرة؛ عقب أداء العُمرة إلى منزله!!

وكشفت تحريات المباحث التى أشرف عليها اللواء خالد شلبى مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة أنه تصادف مرور سيارة ميكروباص يستقلها عدد من الأشخاص اخترقت إحدى الطلقات رأس الراهبة، ما أسفر عن مقتلها فى الحال.

"النبأ" فى دير الراهبة الراحلة

"النبأ" زارت دير مار جرجس بمصر القديمة، وهو المكان المقدس الذى أقامت به "أثناسيا"، طوال فترة حياتها، واستطلعت آراء زميلات الراهبة الضحية، وتفاصيل حياتها بينهن، وقالت إحدى زميلاتها إن "أثناسيا" تنتمى لعائلة الملوانى بقرية الرحمانية، بمركز نجع حمادى بمحافظة قنا، وهى إحدى أكبر العائلات هناك، وتميزت بفضائل عدة، فكانت تشتاق لحياة الرهبنة، كانت شديدة الارتباط بأخيها الأصغر؛ لذا اتفقا سويا على أن يذهبا إلى طريق الرهبنة.


وبالفعل التحق شقيق أثناسيا بأحد الأديرة، وأطلق عليه اسم الراهب "يسطس الأنطوني"، أما هى فذهبت إلى دير مار جرجس بمصر القديمة، وبقيت به، وكانت تتسم بالتواضع، والهدوء، والابتسامة التى لم تفارق وجهها، حتى ماتت عن عمر يناهز 53 سنة.


من هى أثناسيا

ولدت الراهبة أثناسيا فى 5 / 8 / 1962، وترهبنت فى 8 / 10 / 1992، بدير مار جرجس للراهبات بمصر القديمة، ولها 3 أشقاء الأكبر موظف بالمعاش، ويدعى سيف ويسكن بمدينة نجع حمادى شمال قنا، والثانى القمص يسطس الأنبا بولا، راهب توفى مؤخرا، والأخير هو القمص أرسانيوس ملوانى كاهن كنيسة السيدة العذراء مريم بقرية السلامية بنجع حمادى.


ويذكر أصدقاء الراهبة أنها كانت تزور قرية السلامية حيث شقيقها، وقرية الرحمانية حيث باقى أهلها وعائلتها، وأنها زارت قرية السلامية عقب إصابة شقيقها فى حادث سيارة على طريق قنا البحر الأحمر، وانقلاب سيارته عدة مرات؛ للاطمئنان عليه فى 27 مايو الماضى، وتناوبت لزيارة أخيها القمص أرسانيوس أثناء تواجده بالقاهرة فى المستشفى لإجراء عملية بذراعه وأثناء فترة النقاهة.


وبحسب المعلومات التى حصلت "النبأ"، خلال جولتها الميدانية، فإن الراهبة كانت تعمل بالاشغال اليدوية فى الدير، وكانت تشتغل بالاكسسوارات المصنعة من الجلود؛ ليتم بيعها بمكتبة الدير، وفى الفترة الأخيرة، تولت الاعمال المكتبية بالدير وفى رحلتها الاخيرة كانت فى طريقها الى المزرعة الخاصة بالدير والمتواجدة فى دير مار جرجس بالخطاطبة. واتفق جميع من قابلتهم "النبأ" على أن الأم أثناسيا راهبة فاضلة جدا.

قصة المليمين والراهبة يوأنا

وقالت الراهبات زميلات الراهبة أثناسيا إنها كانت شديدة الشبه في الشكل والتقوى والعمل في الدير بالراهبة يوأنا، تلميذة البابا كيرلس، الذي تنبأ لها بأنها ستكون رئيسة الراهبات بدير مار جرجس بالرغم من صغر سنها، والتي دفنت بنفس الدير نظرا لارتباطها الشديد به .


ولدت تماف يوأنا (بلانش) فى مركز أبو تيج - النخيلة - محافظة أسيوط من أسرة مسيحية بسيطة, وعلى الرغم من التجارب الكثيرة التى عانت منها الأسرة, حيث كانت الأم كلما تُرزق بمولود يموت فى طفولته, فلجأت الأم إلى الصلاة الدائمة، وفى يوم بعد رجوع أمها من الكنيسة ظهرت لها السيدة العذراء فى رؤيا وأعطتها مليمين وعملة ورقية،  وكان تفسير ذلك أنها سترزق بولدين وبنت وهما موريس وسعيد, و(بلانش) اليت صارت "تماف يوأنا".


وكانت طفلة ذكية جداً ومتفوقة جداً فى كُل شئ, فكانت من الطالبات الأوائل المتفوقات فى الثانوية العامة على مُستوى الجمهورية وتم تكريمها من الدولة التى أعطتها شهادة تقدير وجائزة, وعملت بعد ذلك فى مدرسة الأسقفية الخاصة وكانت نشيطة حريصة منتظمة تحب عملها. وكانت خادمة فى مدارس الأحد بكنيسة القديس مارمرقص بالجيزة، حتى إلتحقت ببيت التكريس فى يوم 9 | 9 | 1969.


وبعد بضع سنوات إلتحقت بدير أبو سيفين للراهبات بمصر القديمة وترهبنت فى يوم 6 | 3 | 1971 وكانت رهبنتها بطريقة مُعجزية حيث أنها رُسمت راهبة قبل فترة الإختبار على يد (رئيس دير القديس العظيم الأنبا أنطونيوس بالبحر الأحمر) بإسم الراهبة يوأنا, وكانت تماف يوأنا راهبة متواضعة , مُحبة عاملة للجميع بدون أى تذّمُر منها , صاحبة صوت هادئ ووديع فى الصلوات.


رُسمت فى يوم 11 | 9 | 1980 على يد قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث, كذلك قد تنبأ لها البابا كيرلس السادس بأنها ستكون راهبة, بل ورئيسة لدير مارجرجس بمصر القديمة بعد ذلك.

المزار الأثرى

زارت "النبأ" دير مارجرجس للراهبات بمصر القديمة، وتجولت داخله حيث الآثار القديمة التى تجذب السياح، والاماكن المقدسة الموجودة داخل الدير ومنها.


ويعد هذا الجزء من أهم الأجزاء الأثرية الموجوده بالدير، وخضع للعديد من الترميمات على مدار عده عصور مختلفة ويحتوى المزار الاثرى علي


الصالة الرئيسية: وهى مستطيلة الشكل ويرجع تاريخها إلى القرن العاشر الميلادى وطولها 23 مترا وعرضها 9 أمتار وتشمل العديد من الوحدات المعمارية والفتحات الزخرفية سواء من أبواب أو شبابيك ويحمل سقفها الخشبى على عقود حجرية مزينة بنقوش بارزة آية فى الاتقان كما يظهر فى الجهه الشمالية منها.


الحجرات السبع وهذه الحجرات تشبه المحبسة وهى عبارة عن سبعة ابواب منها: الباب الرئيسى يعد أحد البوابات الخشبية النادرة فى العالم ويرجع تاريخه إلى القرن العاشر الميلادى اى العصر الفاطمى. كما أنه يقع بالجهة الجنوبية للصالة الرئيسية، ويفصل المقصورات الثلاثة الداخلية عن الصاله الرئيسية مؤديا بذلك إلى المقصورة الداخلية للشهيد ارتفاعه 7.60 متر وعرضه 2.22 متر وهو مصنوع من خشب الأرز.


ويتكون من إطار خارجى وأربع دلف، أما عن ارتفاعه الكلى فهو عبارة عن قطعة واحدة منقسمة إلى وحدات بها 44 "حشوة" خشبية زخرفية جميلة النقوش مختلفة الاشكال، وإن كان لها نفس الحجم 47×22 سم. 


وهذه الحشوات تحتوى على زخارف نباتية محورة ومتشابكة فى شكل بديع ومتقن الحفر فكل حشوة تتوسطها منطقة اقل منها عمقا فى الحفر محتوية على اشكال نباتية كوريقات ثلاثية وطيور وأشكال بشرية.


أما عن الوحدات الزخرفية بأعلى الباب فتكوينها الرئيسى عبارة عن صليب داخل مربع محاط ببعض النباتات الزخرفية المتقنة.


وهناك جزء من الزخارف الخشبية الملونة بالسقف الخشبى للمقصورة على شكل زهرة سداسية محاطة بتفريغات هندسية، وأيضا جزء من افريز الكتابات بسقف الجهة الجنوبية للصالة الخارجية،ويحتوى على آيات المزمور التسعين "الساكن فى عون العلي" والكلمات الظاهرة فى هذا الجزء المصور "جميع طرقك وتحملك على الايدى".


المقصورة النحاسية الداخلية بالمزار الأثرى: وتحتوى على الأيقونة الأثرية للشهيد العظيم مارجرجس وأعلاها قنديل الزيت وهى ترجع إلى القرن السابع عشر والثامن عشر، وقد قام برسمها كل من إبراهيم الناسخ، ويوحنا الأرمنى كما توجد بالدير مخطوطة تروى المعجزة التى تصورها هذه الأيقونة وهى كالتالى.


المقصورة النحاسية

وهذه المقصورة تشير إلى أنه كان هناك زوجان صالحان ومحبان للإله، ولم يكن لهما ولد فصليا للرب طالبين أن يعطيهما طفلا متشفعين بالقديس مار جرجس فرزقهما الله ابنا فسمياه جرجس وربياه على الأمانة، وكان مداومين على إقامة تذكارات القديس مار جرجس فى أعياده.


وذات يوم حدث هجوم من البربر على بلدتهم وانتهى بأن ابنهما جرجس أخذ اسيرا وباعه البربر عبدا لرئيس قبيلته، ولما وجده حسن المنظر وجميل الصفات، جعله خادمه الخاص، ولما عرف أبواه ما حدث لابنهما حزنا حزنا شديدا، وعاتبا القديس ولم يكفا عن الصلاة من أجل ابنهما الصغير فى تذكار الشهيد، وبالرغم من ضيقة نفسهما أقاما له تذكار كالمعتاد متذكرين وجوده معهما ومستمرين فى التضرع والطلبة، أما الصبى جرجس فلما تذكر فى أسره يوم تذكار فاضت عيناه بالدموع وظل قلبه ينادى الله متشفعا بالشهيد ومعاتبا اياه على تركه له فى الاسر، وفى ذلك الوقت كان يقوم بتسخين الماء لسيده وأخذ الإبريق فى يده ليصب الماء على يدى سيده، وفجأه ظهر مار جرجس راكبا حصانه واركبه خلفه وعاد به إلى المائده التى أقامها والداه، وجمع حولها أهل بلدته، فدهشوا جميعهم دهشة عظيمة وشكروا الله وشربوا جميعا من الماء الذى كان فى الإبريق الذى كان لا يزال فى يد الصبى ساخنا كما هو، ورغم عددهم الكثير آلا أنهم شربوا جمعهم منه، ولهذا قام الفنان فى هذه الأيقونة بتصوير الصبى حاملا الأبريق خلف الشهيد مار جرجس على حصانه، وتعد هذه الأيقونة من الأيقونات الموجودة للقديس مار جرجس.


مار جرجس

يضم الدير أيضا بعض رفات جسد الشهيد ماجرجس، وكذلك ماء المعجزات الذى يساعد أيضا على شفاء الامراض الذى شربت منه العائلة المقدسة أثناء رحلتها إلى القاهرة. 


وتحدث الكثير من معجزات الشفاء بسبب بركة مياهه، وهو يوجد بمدخل الكنيسة القديمة للدير، وقد تم تركيب مجموعة من ـحواض الماء فى مدخل المزار حتى يتمكن كافة الزوار من الحصول على ماء البئر بأسلوب سهل.


لقد قام الدير فى 2003 بنقل جزء من جسد القديس مار جرجس بالمزار الأثرى حتى يتمكن جميع الزوار من اخذ بركة الشهيد وطلب صلواته ويستجيب الله لطلبات الكثيرين إذا ما قدموها بالإيمان.


اختار مارجرجس بنفسه ان يوضع جزء من جسده داخل الكنيسة الأثرية المقدسة وذلك طبقا لما هو مكتوب بالسنكسار فى اليوم السادس عشر من شهر أبيب، حيث إنه فى أيام الأنبا غبريال البطريرك الثامن والثمانون، حدث ان راهبا يدعى القمص مرقس وقد كان رئيسا لدير القلمون وقد اعتاد التردد على البلاد لافتقاد المسيحيين كل سنة، وحين بات عند احد الاعراب فإذ به يرى الشهيد مارجرجس فى رؤيا يحدثه قائلا خذ جسدى من المرأة التى تأتيك به غدا وضعه فى كنيستى التى بمصر القديمة، وقد حدث بالفعل أن جاءته المرأة فى اليوم التالى واعلمته ان لديها صندوقا قد احضره لها ابنها قبل وفاته من كنيسة الشهيد بفلسطين، فمضى معها وشاهد الصندوق بنفسه ثم عاد الى الأب البطريرك ليخبره بالامر فقام لوقته ومعهم بعض من الكهنة الى حيث الصندوق وحملوه باحتفال عظيم الى كنيسة مصر القديمة، ومنذ ذلك الحين يحتفل الأقباط بهذه المناسبة فى يوم العشرين من شهر يوليو.