رئيس التحرير
خالد مهران

قصص الحب في القرآن

الحب في القرآن
الحب في القرآن

احتوى القرآنُ الكريم على الصور الجنينية للحياة الروحية فى الإسلام، إذ أفصحت آياتُهُ ، بقوة ، عن رابطةٍ خاصة ، متميِّزة ؛ تجمع العبد بربه .. هى الحب والمحبة، ومن بين أربعٍ وثمانين مرة ، وردت فيها كلمة الحب ومشتقَّاتها فى القرآن ؛ جاءت هذه الآياتُ مخبرةً عن حُبِّ الله لعباده ، وحُبِّهم إياه، أحببنا اليوم أن نعرض عليكم قصتي حب ذكرهما الله في كتابه العزيز.

حب ابنة شعيب لسيدنا موسى

وردت القصة في القرآن حين خرج سيدنا موسى من مصر وذهب إلى مدين وكان متعباً جداً ووجد بئراً والرجال يسقون منه وامرأتان تقفان لا تسقيان فذهب إلى المرأتين يسألهما: ما خطبكما؟ فردوا ببساطة: لا نسقى حتى يصدر الرعاء فلولا أن أبانا شيخ كبير لما وقفنا هذا الموقف، كما جاء في قوله تعالى :"وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إلى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا" [القصص:23 : 24 : 25]، فسقى سيدنا موسى لهما في مروءة وبعد أن سقى لهما، تركهما فوراً وتولى إلى الظل فذهبت الفتاتان إلى أبوهما تحكيان له عما حدث فطلب الأب أن تأتى الفتاتان بالشاب .

فذهبت إحداهما تمشى وفى مشيتها استحياء، وتقول: أن أبى يدعوك؛ أي لست أنا ولكنه أبي فبدأت بالأب ولم تبدأ ب"تعال إلى البيت"، انظروا هنا إلى الحياء والتأدب هذه هي الفتاه وليست من تقول لأبيها :أريد أن اتزوج فلاناً ....سأتزوجه"غصب عنكم".

الفتاه أعجبت بالشاب وليس عيباً والأب فاهم وذكى فعرض عليه أن يتزوج إحدى الابنتين لأنه قريب من ابنته ويفهمها جيداً فهذا نموذج لعلاقة في إطار راقٍ ومحترم وفقا لما جاء في قوله تعالى على لسان الفتاة "يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"، وقال الأب:"إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ".

ووقع اختيار الفتاة على القوي الأمين، وهو أحد أولي العزم من الرسل، واستن شعيب بسنة الصالحين، فمثل نبي الله موسي لا يفرط فيه حتى وإن كان فقيراً، فكان العرض، الذي لاقي قبولاً وارتياحاً من نبي الله موسي، فلا كبر ولا عجب ولا غرور، كما يفعل بعض من لا تقوي عنده.

حب امرأة العزيز ليوسف عليه السلام

قصة يوسف من أجمل القصص التي قصها علينا القرآن الكريم لنأخذ منها الحكمة والعبرة، وامرأة العزيز التي أحبت يوسف عليه السلام هي زوجة عزيز مصر؛ أي وزيرها، وتدعى "راعيل بنت رعاييل"، وقيل لقبها أو تسميتها "زليخا" وهو الأشهر.

شغفت أمرأة العزيز بيوسف عليه السلام حباً، وعشقته؛ لجماله المفرط ونضارة شبابه، وكانت تزداد له عشقاً كلما مرت الأيام والليالي، فأخذت تداعبه وتلاشيه وتغريه بمفاتنها وحلو منطقها، ولكن يوسف عليه السلام المؤمن التقي كان يعرض عنها ولا يبادلها الحب والمداعبة.

في أحد الأيام طغى عليها الحب والعشق، ونست حياءها وعفتها، وأدخلته في غرفة وغلقت الأبواب، وطلبت منه مواقعتها وشفاء غليلها، ولكن يوسف عليه السلام الأمين الوفي والمنزه من جميع الفحشاء أبى الرضوخ لمطلبها، فاتهمته "زليخة" بأنه كان يراودها عن نفسها وتآمرت عليه وأدخلته السجن فمكث فيه بضع سنين.

في تلك السنوات تابت "زليخة" عن فعلتها، واعترفت أنه أخطأت في حقه، وقالت"الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ"، أي: ظهر وتبيّن ووضح، والحق أحق أن يتبع "أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ" أي فيما يقوله من أنه بريء، وأنه لم يراودني، وأنه حبس ظلماً وعدواناً وزوراً وبهتاناً، و "ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" قيل إنه من كلام يوسف أي إنما طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أني لم أخنه بظهر الغيب، وقيل إنه من تمام كلام زليخا، أي: إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر، وإنما كان مراودة لم يقع معها فعل فاحشة، وهذا القول هو الذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم، ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم سوى الأول.

"وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ" قيل: إنه من كلام يوسف، وقيل: من كلام زليخا، وهو مفرع على القولين الأولين، وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى، وهذا دليل على توبتها، وتزوجته بعد ذلك وفقا لما اتفق عليه المؤرخون.

قال محمد بن إسحاق رحمه الله :" لما قال يوسف للملك : ( اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم ) قال الملك : قد فعلت فولاه فيما يذكرون عمل إطفير ، وعزل إطفير عما كان عليه ، يقول الله :"وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء".

قال : فذكر لي - والله أعلم - أن إطفير هَلَك في تلك الليالي، وأن الملك الرَّيان بن الوليد، زوَّج يوسف امرأة إطفير "راعيل" ، وأنها حين دخلت عليه قال : أليس هذا خيرًا مما كنت تريدين ؟ قال : فيزعمون أنها قالت : أيُّها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسنًا وجمالا، ناعمةً في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلكَ الله في حسنك وهيئتك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.

فيزعمون أنه وجدَها عذراء ، فأصابها ، فولدت له رجلين : أفرائيم بن يوسف ، وميشا بن يوسف ، وولد لأفرائيم نون ، والد يوشع بن نون ، ورحمة امرأة أيوب عليه السلام، رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " (7/2161)، والطبري في " جامع البيان " (16/151) من طريق سلمة عن ابن إسحاق به.