ما لاتعرفونه عن الحب الخديجي
لا نستطيع أن نتحدث عن الحب دون عدم ذكر «الحب الخديجي» الذي عجزت الروايات الرومانسية عن محاكاته؛ فذلك الحب الطاهر؛ أطلق عليه الدكتور طارق الحبيب، استشاري الطب النفسي، «الخديجي»؛ لأن السيدة خديجة هي التي بدأت بالحب للنبي.
ويقول «الحبيب»: «ولو إنها كانت أكثر حركية كانت نقلت لنا أكثر لذلك لم تنقل لنا ما نقلته السيدة عائشة على الرغم أنها عاشت أكثر مع النبي.
ومن المعروف أنها كانت امرأة غنية، ولما سمعت عن صدق وأمانة النبي صلى الله عليه وسلم أعطته مالها ليتاجر به وأرسلت معه غلامها "ميسرة" في رحلة تجارية، وعاد ميسرة ليحكي لها عن صفات وأخلاق لم يرها من بشر من قبل، وعن معجزة أنه كانت هناك سحابة تُظل النبي أينما ذهب رغم أن النبي لم يكن نزل عليه الوحي بعد!
يُحكى في الآثار أن لها صديقة كانت "تلمح" للنبي لزواجه من خديجة وتقدم النبي للسيدة خديجة وقبل عائلتها لشرف نسب محمد بن عبد الله. ويقول عم النبي يوم الزفاف خُطبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أذكر منها "وإن كان المال قل، فالمال ظل زائل". وتبدأ أجمل قصة عرفها التاريخ بين المرأة الكاملة وسيد الخلق عليه الصلاة والسلام. لم نسمع ولم نقرأ في كتب السيرة عن موقف واحد اختلف فيه النبي مع السيدة خديجة أو عاتبها فيه.
وقبل أن يتم النبي سن الأربعين، بدأ يذهب لغار حراء ويتعبد منفردًا في الغار عدة ليالي وهي كانت تأتي له بالأكل وكانت تعمل على راحته دون أن تطلب منه شيء. وتأتي أهم ليلة في تاريخ البشرية، يوم ينزل الوحي على النبي لأول مرة، وينزل النبي من فوق الجبل مسرعًا ذاهبًا لزوجته حبيبته خديجة خائفًا يرتعش لا يعلم ماذا حدث له.
فقالت له : "كلا، أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق"لتطمئنه. وذهبت معه لورقة بن نوفل لتفسير ما حدث.
فكان حقًّا أن يكون لهذه الطاهرة فضل ومكانة عند رسول الله ، تسمو على كل العلاقات، وتظل غُرَّة في جبين التاريخ عامَّة وتاريخ العلاقات الأسرية خاصَّة؛ إذ لم يتنكَّر لهذه المرأة التي عاشت معه حلو الحياة ومرها، بل ويعلنها على الملأ وبعد وفاتها؛ وفاءً لها وردًّا لاعتبارها: "إني قد رزقت حبها".
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه لم يكد ينساها طيلة حياته وبعد وفاتها، إذ كان يكثر ذكرها ويتصدق عليها؛ تروي السيدة عائشة -رضي الله عنها- فتقول: "ما غِرْتُ على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة رضي الله عنها، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة رضي الله عنها، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة. فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد".
فلما خرج رسول الله مع بني هاشم وبني عبد المطلب إلى شعاب مكة في عام المقاطعة، لم تتردد -رضي الله عنها- في الخروج مع رسول الله لتشاركه -على كبر سنها- أعباء ما يحمل من أمر الرسالة الإلهية التي يحملها، فقد نَأَتْ بأثقال الشيخوخة بهمة عالية، وكأنها عادت إليها صباها، وأقامت في الشعاب ثلاث سنين وهي صابرة محتسبة للأجر عند الله تعالى، ما يزدها ذلك إلا حبا لمحمد ودين محمد.
وكأن الله اختصها بشخصها لتكون سندًا وعونًا للرسول في إبلاغ رسالة رب العالمين الخاتَمة، فكما اجتبى الله رسوله محمد واصطفاه من بين الخلق كافة، كذلك قدَّر له في مشوار حياته الأول لتأدية الرسالة العالمية مَن تضارعه أو تشابهه لتكون شريكًا له في حمل هذه الدعوة في مهدها الأول، فآنسته وآزرته وواسته بنفسها ومالها في وقت كان الرسول في أشد الاحتياج لتلك المواساة والمؤازرة والنصرة.