محمد مازن يكتب: كيف تعيد الصين صياغة حقوق الإنسان عبر الذكاء الاصطناعي؟
لا يمكن أن تخفي انبهارك عندما ترى الذكاء الاصطناعي الآن يتغلغل برقة في الجسد البشري، ليفكك شفرات قضايا معقدة كانت تحرم فئات واسعة من العيش بشكل طبيعي وممارسة حقوقها كبقية البشر.
قادتني قدماي ذات مساء إلى ممشى يطل على إحدى الحدائق الذكية في بكين، المدينة التي اعتبرها دائمًا مختبرًا للمستقبل، بما تعج به من تطور تكنولوجي يضفي رونقًا جديدًا على الحياة اليومية، وهناك لمحته لأول مرة.
شاب في مقتبل العمر، كان من الواضح أنه مصاب بشلل رباعي، لكنه لم يكن مستسلمًا لسكون جسده. كان يرتدي هيكلًا خارجيًا مدعومًا بالذكاء الاصطناعي، ورأيته يتحرك بسلاسة لم أعهدها من قبل في الأجهزة الطبية التقليدية.
لم تكن الحركة آلية جافة، بل بدت وكأنها استجابة فورية لنبضات روحه. توقف الشاب أمام شجرة خوخ صغيرة، وبحركة يسيرة من رأسه، تفاعل مع محيطه الرقمي ليلتقط صورة لثمرة ناضجة. في تلك اللحظة، بدا المستحيل الذي طوّق حياته لسنوات وكأنه تبخر بفضل إشارات عصبية ترجمتها الخوارزميات إلى نبض وحياة.
تركت الممشى واقتربت من الشاب الذي كان يستريح، وألجمتني مهابة اللحظة، لكن ابتسامته الواثقة شجعتني على الحديث، فبادرته بالتحية وسألته بكثير من الاحترام عن شعوره وهو يتحرك بهذه السلاسة التي تقترب من المعجزة. نظر إلي بعينين تلمعان بالامتنان وقال: «لو سألتني قبل عامين، لقلت لك إن حدود عالمي هي أطراف سريري، فالشلل لم يسجن جسدي فقط، بل سجن روحي. اليوم، أستعيد حقي في الحياة».
هذا الجهاز يقرأ الإشارات الضعيفة في عضلاته وأعصابه، ويترجمها إلى حركات فعلية، كأن الخوارزميات أصبحت امتدادًا لعموده الفقري.
في الماضي، كان هذا الشخص عبئًا مستهلكًا للرعاية، والآن أصبح جزءًا فاعلًا من نسيج المدينة. فالذكاء الاصطناعي هنا لم يعد مجرد تكنولوجيا للتباهي بها، بل هو أداة أعادت لفئات من البشر كرامتهم واستقلالهم، وجعلتهم قادرين على الخروج والاعتماد على أنفسهم.
لم تكن هذه المشاهد مجرد تطبيقات تقنية متفرقة، بل كشفت عن تحوّل أعمق في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان. فاستعادة القدرة على الحركة، وإنجاز المعاملات باستقلالية، وتيسير الوصول إلى الخدمات الرقمية، لا تمثل تقدمًا تقنيًا فحسب، بل توسّع فرص الكرامة والمشاركة المتكافئة في المجتمع.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع مستدام يتطلب سياسات عامة تدمج التكنولوجيا في الخدمات والبنية التحتية والتشريعات. ومن هنا، تبرز التجربة الصينية في توظيف الذكاء الاصطناعي لتمكين ذوي الإعاقة وكبار السن، ضمن مسعى أوسع لربط التنمية الرقمية بالشمول الاجتماعي.
في ظل وجود كتلة بشرية ضخمة تضم 85 مليون مواطن من ذوي الإعاقة ومئات الملايين من كبار السن، انتقلت الدولة هنا من مفهوم المساعدة الاجتماعية المؤقتة إلى تفعيل حلول تقنية مستدامة تدمج هذه الفئات في صلب الخدمات العامة وتصميم المدن، وتتوزع هذه الجهود عبر محاور أساسية.
على الصعيد التطبيقي والمحلي، تترجم الصين هذه الفلسفة أولًا عبر قطاع الرعاية الطبية وإعادة التأهيل البدني، حيث يتم نشر الروبوتات القابلة للارتداء، كالهياكل الخارجية الذكية، لمساعدة الأطفال المصابين بالشلل الدماغي وكبار السن على إعادة التأهيل الحركي. يرافق ذلك نشر كراسٍ متحركة ذكية تستشعر العقبات البيئية لتأمين حركة مستقلة.
يسير ذلك بالتوازي مع تطوير واجهات الدماغ والحاسوب لتمكين المصابين بشلل كامل من التحكم في محيطهم الفيزيائي والرقمي عبر الإشارات العصبية المباشرة التي تترجمها الخوارزميات إلى أوامر حركية فعلية.
ويمتد هذا التمكين ليشمل الشمول الرقمي والمعرفي وتسهيل الوصول المعرفي والمجتمعي، حيث توظف منصات كبرى، كأنظمة بايدو للمنازل الذكية، خوارزميات الذكاء الاصطناعي الصوتية لتمكين المكفوفين من إدارة تفاصيل حياتهم اليومية، في حين تعتمد شبكات بث المحتوى، كمنصة يوكو، على حلول الترجمة والوصف السمعي البصري التلقائي لضمان حق الوصول إلى المعلومات والترفيه لضعاف السمع ومحاربة عزلتهم الاجتماعية، محولة الفضاء الرقمي إلى بيئة دامجة تذلل العقبات الجسدية.
وفي إطار تمكين الحق في العمل وتحقيق الكفاية الاقتصادية، نجحت الصين في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى سوق عمل واعد ومستدام لذوي الإعاقات الشديدة، عبر إطلاق برامج تدريبية تخصصية متكاملة لتوظيفهم في مهن ترميز وتصنيف البيانات الضخمة المغذية للنماذج اللغوية الكبيرة. وسمح هذا لآلاف الأفراد بالانخراط المباشر في قاطرة الاقتصاد الرقمي وتحقيق دخل مادي مستقل يصون كرامتهم الإنسانية، لتقدم الآلة هنا حلًا مبتكرًا بدلًا من أن تكون مهددًا للوظائف التقليدية.
وقد تعززت هذه الجهود المحلية بتبني الصين الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030)، والتي وضعت استراتيجية وطنية تاريخية لرفع كفاءة الحياة والتمكين الرقمي للفئات الخاصة.
وبموجب هذه الرؤية الممتدة، تم تفعيل نظام الإعانات الديناميكي الذي يشمل تخصيص بدلات معيشية مخصصة للرعاية طويلة الأمد لأكثر من 12 مليون مواطن يواجهون صعوبات مالية، وتقديم دعم تمويلي مباشر لخدمات التمريض المنزلي لـ 16.6 مليون شخص من ذوي الإعاقات الشديدة وكبار السن. وبالتوازي مع التوسع الرقمي، أطلقت الدولة أكبر مشروع بنية تحتية وطني لإتاحة الوصول وتذليل العقبات، مستهدفة إجراء ترقيات شاملة للمرافق العامة من مستشفيات ومتاحف وجامعات ومحطات النقل، إلى جانب فرض معايير الشمول الرقمي على أجهزة الصراف الآلي والخدمات المصرفية الذكية والمنصات الحكومية لضمان استخدامها بسلاسة من قبل كبار السن والمكفوفين دون عوائق معقدة.
ولمواكبة هذا التوسع التقني المتسارع في رعاية المسنين، فرضت المنظومة التشريعية أطرًا قانونية صارمة، أبرزها «قانون حماية المعلومات الشخصية» وضوابط إدارة الفضاء الإلكتروني الصينية. وتضمن هذه القوانين معالجة البيانات الحساسة بموجب موافقات ومعايير مشددة تمنع استغلال تكنولوجيا الرعاية كمجهر لانتهاك الخصوصية، لتوازن الصين بذلك بين توفير الأمن الطبي وحماية الحق الدستوري في الخصوصية وحرمة الحياة الشخصية للأفراد.
واللافت أن جهود الصين لدعم هؤلاء لا تقتصر على الساحة المحلية. فعلى الساحة العالمية، تسعى الصين بنشاط إلى قيادة صياغة نظام عادل وشامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي، مرتكزة على المبادئ المتمثلة في ضمان الخير والعدالة للجميع وبناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية.
وترجمت بكين هذا دوليًا عبر إطلاق مبادرة حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية وتأسيس المنظمة الدولية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بمشاركة 29 دولة، إلى جانب التعهد بتقديم 5000 فرصة تدريبية لدول الجنوب العالمي لسد الفجوة الرقمية.
وفي اجتماعات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، دفعت الصين قرارًا بهدف تعزيز وصول جميع الفئات إلى حقوق الإنسان والتمتع بها، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي. وقبله، كانت قد نظمت فعالية بعنوان «الذكاء الاصطناعي لتمكين تنمية حقوق الإنسان»، دعت فيها إلى توظيف التكنولوجيا لتمكين ذوي الإعاقة وكبار السن وضمان مشاركتهم المتساوية في الحياة الاجتماعية.
وهنا، من خلال التشديد على الدور المركزي للأمم المتحدة، يقدم النموذج الصيني رؤية واضحة تبرهن على أن الابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي يجب ألا يتحولا إلى أدوات للاحتكار أو أسلحة للمنافسة الجيوسياسية، بل هما أداتان سياديتان لخدمة الكرامة البشرية، وصياغة بيئة مجتمعية عادلة تكفل تكافؤ الفرص وتضمن عدم تخلف أي فرد أو دولة عن ركب التنمية والتقدم الحضاري.