رئيس التحرير
خالد مهران

ارتفاع أسعار الإيجارات.. أزمة السكن تهدد مستقبل طلاب الجامعات المغتربين

صورة -أرشيفية
صورة -أرشيفية

مع بداية العام الدراسي الجديد، لا تبدأ معاناة آلاف الطلاب المغتربين من داخل المدرجات وقاعات المحاضرات، وإنما من رحلة البحث عن «سرير» أو غرفة قريبة من الجامعة، في ظل ارتفاع أسعار السكن الخارجي بصورة أصبحت تمثل عبئًا إضافيًا على الأسر، خاصة الطلاب القادمين من محافظات بعيدة ولا يجدون مكانًا داخل المدن الجامعية.

فبين غرفة يصل إيجارها إلى نحو 4 آلاف جنيه شهريًا، وسرير في سكن مشترك يتراوح بين ألف و4 آلاف جنيه وفقًا للمنطقة ومستوى التجهيزات، يجد الطلاب أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما تحمل تكلفة سكن تضاف إليها فواتير الطعام والمواصلات والإنترنت، أو البحث عن مناطق أبعد بأسعار أقل، أو العودة إلى السفر يوميًا بين المحافظات، وهو ما يستهلك وقتًا وجهدًا كبيرين.

وتستعرض «النبأ» -خلال السطور التالية- متابعة دقيقة لأوضاع السكن الخارجي في عدد من المدن الجامعية، بينها القاهرة والمنصورة وأسيوط، والتي تكشف عن تفاوت كبير في الأسعار، لكن القاسم المشترك بينها كان ارتفاع تكلفة الإقامة مع بداية العام الدراسي، بالتزامن مع زيادة الطلب على الغرف والأسرّة القريبة من الجامعات.

القاهرة.. البحث عن مكان قريب يتحول إلى معاناة

في القاهرة، يواجه الطلاب القادمون من المحافظات صعوبة في العثور على سكن مناسب بالقرب من الجامعات، خاصة في المناطق المحيطة بجامعة عين شمس، حيث تختلف الأسعار حسب موقع العقار وعدد المقيمين ومستوى التجهيزات.

ومن بين الطالبات اللاتي خضن رحلة البحث عن السكن، ميار خالد، القادمة من محافظة الوادي الجديد، والطالبة بكلية الصيدلة جامعة عين شمس، التي واجهت قبل بداية الدراسة رحلة بحث عن مكان مناسب يجمع بين قربه من الجامعة وأمانه وقدرة أسرتها على تحمل تكلفته، خاصة مع اختلاف الأسعار حسب الخدمات وعدد المقيمين.

وفي العباسية، وجدت سارة عادل غرفة فردية بالقرب من مستشفى الدمرداش، يمكن الوصول منها إلى الجامعة سيرًا على الأقدام، مقابل نحو 2500 جنيه شهريًا، شاملة الإنترنت والغاز والمياه، دون كارت الكهرباء مسبق الدفع، بينما استأجرت منة شريف، الطالبة بالفرقة الأولى بكلية طب الأسنان، غرفة مقابل 3300 جنيه شهريًا شاملة الخدمات، داخل شقة تضم 4 طالبات.

أما نور سامح، الطالبة بكلية التربية، فاضطرت بعد أسابيع من البحث إلى الإقامة في غرفة تضم 5 أسرّة بمنطقة كوبري القبة، مقابل 1000 جنيه شهريًا للسرير، دون الخدمات الأخرى، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمامها.

وتكشف هذه الحالات عن أن انخفاض سعر السرير غالبًا ما يأتي على حساب بعض الخدمات أو الخصوصية، فيما ترتفع التكلفة كلما اقترب السكن من الجامعة أو وسائل المواصلات.

المنصورة.. «السرير» يصل إلى 4 آلاف جنيه

وفي المنصورة، التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلاب القادمين من محافظات الدلتا، أصبحت المسافة عن الجامعة عاملًا رئيسيًا في تحديد قيمة الإيجار، إذ ترتفع الأسعار في المناطق القريبة من الكليات، بينما يضطر الطلاب إلى البحث في المناطق الأبعد للحصول على أسعار أقل.

ومن بين الطلاب الذين تحدثوا عن الأزمة سمير زيدان، طالب بكلية الهندسة من محافظة الغربية، والذي أوضح أنه اضطر، بسبب صعوبة السفر يوميًا، إلى استئجار سرير في منطقة امتداد المشاية بالقرب من محطة المياه مقابل 1100 جنيه شهريًا، شامل الفواتير باستثناء الإنترنت، مشيرًا إلى أن الغرفة تضم سريرين وتبلغ تكلفتها الإجمالية 2200 جنيه.

كما استأجر أحمد عبداللطيف، طالب بكلية الحقوق من مدينة سمنود، غرفة كاملة بمنطقة حي الجامعة في عقار مخصص لسكن الطلاب مقابل 3000 جنيه شهريًا، دون فواتير المرافق، فيما أوضح أن صديقًا له استأجر غرفة أصغر في عقار مجاور مقابل 2500 جنيه.

ولم تكن تكلفة السكن أقل بالنسبة إلى سمر مدحت، طالبة بكلية الحقوق من مدينة المنزلة، التي استأجرت غرفة ثلاثية مع زميلتين لها في منطقة تقسيم السمنودي مقابل 3000 جنيه شهريًا شامل الفواتير، بعدما عُرضت عليها غرفة فردية مكيفة في منطقة أحمد ماهر مقابل 4 آلاف جنيه، لكنها رفضت بسبب ارتفاع التكلفة.

أما محمد النادي، طالب بكلية الطب البيطري، فاختار السكن في غرفة ثلاثية داخل عقار مخصص للطلاب فقط، مقابل 1000 جنيه شهريًا دون الفواتير، في محاولة لتقليل النفقات.

في المقابل، اضطرت هند البلتاجي، طالبة بكلية الحقوق، إلى استئجار سرير في غرفة تضم 3 أسرّة بسكن مخصص للفتيات في شارع الجلاء مقابل 1700 جنيه شهريًا شامل الفواتير، بعدما عثرت على سرير آخر في دار مغتربات مقابل 950 جنيهًا، لكنها وجدته يفتقد الخدمات.

أما ندى عادل، الطالبة القادمة من مدينة المطرية، فاختارت حلًا مختلفًا، إذ اضطرت إلى السفر يوميًا من منزلها إلى الجامعة بعدما وجدت أن تكلفة الإيجار تفوق قدرة أسرتها، لتتحول المسافة اليومية إلى عبء آخر يضاف إلى أزمة السكن.

أسيوط.. السكن على «المحارة»

وفي أسيوط، يواجه الطلاب القادمون من الأقصر وسوهاج وقنا وغيرها من المحافظات أزمة مشابهة، مع ارتفاع الطلب على السكن بالتزامن مع بداية العام الدراسي.

ويقول أحمد هلال، طالب بالفرقة الثانية بكلية العلوم جامعة أسيوط، والقادم من محافظة الأقصر، إنه يعاني من ارتفاع أسعار السكن في منطقة الوليدية، موضحًا أن سعر السرير وصل إلى 1500 جنيه، وهو ما دفعه إلى العمل في أحد المطاعم ليلًا للمساعدة في سداد تكلفة الإقامة.

وأشار «هلال» إلى وجود شقق غير مجهزة بالكامل يتم تأجيرها للطلاب، بعضها تحت التشطيب، مع الاكتفاء بفرش الغرف بمراتب على الأرض بدلًا من الأسرة، فضلًا عن غياب بعض الأجهزة والخدمات الأساسية.

من جانبه، أوضح علي عزوز، طالب بالفرقة الأولى بكلية الطب البيطري، أنه لم يتمكن من الالتحاق بالمدينة الجامعية، ليبدأ رحلة البحث عن سكن في منطقة شركة سيد، إحدى المناطق المعروفة بإقامة الطلاب المغتربين.

وقال إن بعض أماكن السكن تعتمد على تأجير السرير داخل غرفة تضم عدة طلاب، بينما يتم وضع مراتب في الصالات لاستيعاب أعداد إضافية، معتبرًا أن ارتفاع الطلب مع بداية الدراسة ينعكس على الأسعار ويجعل البحث عن سكن مناسب أكثر صعوبة.

وفي المقابل، أكد الدكتور أحمد عبدالمولى، رئيس جامعة أسيوط، أن المدن الجامعية بالجامعة توفر بدائل متعددة للطلاب المغتربين، موضحًا أن الإسكان العادي يمثل النسبة الأكبر من الطاقة الاستيعابية، بينما تتنوع المستويات السكنية وفقًا لقدرات الطلاب المالية.

وأشار رئيس الجامعة إلى أن تكلفة السكن العادي تبدأ من 500 جنيه شهريًا للطالب الحاصل على تقدير امتياز، و600 جنيه للحاصل على جيد جدًا، وتصل إلى 1000 جنيه كحد أقصى، وتشمل الإقامة وثلاث وجبات يوميًا، مؤكدًا مراعاة البعد الاجتماعي والظروف الاقتصادية للأسر المصرية.

وتكشف شهادات الطلاب في المحافظات الثلاث عن فجوة واضحة بين تكلفة السكن الجامعي المدعوم، متى توافرت أماكن للطلاب، وبين سوق السكن الخارجي الذي ترتفع أسعاره مع بداية الدراسة، ليجد الطالب الذي لم يحالفه الحظ في الحصول على مكان بالمدينة الجامعية نفسه أمام خيارات محدودة، تبدأ من مشاركة غرفة مع عدة طلاب، وتمتد إلى دفع آلاف الجنيهات شهريًا، أو تحمل مشقة السفر اليومي من محل إقامته.

تحرك برلماني لمراجعة شروط المدن الجامعية

ومع تصاعد الجدل حول شروط وإجراءات الإقامة بالمدن الجامعية، شهد الملف تحركًا برلمانيًا حديثًا، إذ تقدم النائب أشرف أمين، عضو مجلس النواب، بسؤال برلماني إلى المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، لتوجيهه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، بشأن شروط وضوابط الإقامة بالمدن الجامعية.

وجاء التحرك البرلماني في ضوء ما أثارته بعض الإجراءات المعلنة في جامعة أسوان من مخاوف وشكاوى بين الطالبات وأولياء الأمور، وطالب النائب بإعادة النظر في أي شروط أو مستندات قد تتحول إلى عائق أمام الطلاب والطالبات المغتربين في الحصول على سكن جامعي آمن وميسر.

وتضمن السؤال استفسارات بشأن بعض الشروط، من بينها شرط عدم سبق الزواج بالنسبة إلى الطالبات، ومتطلبات الضمان المالي، ومدى تطبيق هذه الضوابط بصورة موحدة في الجامعات الحكومية، فضلًا عن السند القانوني واللائحي لهذه الشروط.

وطالب النائب كذلك بتوضيح خطة وزارة التعليم العالي لتسهيل إجراءات إسكان الطالبات المغتربات، وتوفير بدائل آمنة وسريعة للطلاب الذين لا تتوافر لهم أماكن داخل المدن الجامعية، بما لا يضطر الأسر إلى تحمل تكاليف سكن خارجي مرتفعة.

وأشار «أمين»، إلى أن المدن الجامعية تمثل إحدى الأدوات الأساسية لرعاية الطلاب المغتربين، وتخفيف الأعباء المالية عن أسرهم، وضمان انتظامهم في الدراسة، خاصة الطالبات اللاتي تضطرهن الدراسة إلى الإقامة بعيدًا عن أسرهن.