«الكونوكاربس».. ثغرة خطيرة تهدد بفشل المبادرة الرئاسية لزرع «100 مليون شجرة»
في الوقت الذي تتجه فيه الدولة إلى التوسع في زراعة الأشجار وزيادة المساحات الخضراء داخل المدن والمحافظات، ضمن مستهدفات المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة، تبرز تساؤلات متجددة حول نوعية الأشجار التي يتم اختيارها للزراعة داخل المناطق السكنية، ومدى ملاءمتها لطبيعة المكان واحتياجاته المائية وتأثيرها المحتمل على شبكات ومرافق البنية التحتية.
ومن بين الأنواع التي أثارت جدلًا خلال السنوات الماضية شجرة «الكونوكاربس» أو «البزروميا»، التي تتميز بسرعة النمو والقدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة والجفاف والملوحة، وهو ما جعلها حاضرة في عدد من أعمال التشجير في بعض المحافظات والمناطق المختلفة، خاصة مع قدرتها على تكوين مساحات خضراء خلال فترة زمنية قصيرة وتحملها لظروف بيئية قد لا تناسب بعض الأنواع الأخرى من الأشجار.
إلا أن هذه المزايا قابلتها تحذيرات من جانب متخصصين في مجال البساتين، طالبوا بمراعاة طبيعة الشجرة عند تحديد الأماكن التي تصلح لزراعتها، وعدم التعامل معها باعتبارها نوعًا مناسبًا لجميع المواقع دون استثناء، خاصة في المناطق السكنية كثيفة السكان أو الأماكن القريبة من شبكات المياه والصرف والمنشآت والمرافق، بسبب طبيعة نمو جذورها واحتياجاتها المائية.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل وجود دليل استرشادي أطلقته وزارة التنمية المحلية ووزارة البيئة لدعم تنفيذ خطط التشجير، يتضمن مقترحات لأنواع الأشجار الملائمة لكل نطاق جغرافي، إلى جانب معايير لاختيار الأشجار داخل المدن والضواحي والأماكن العامة، ومعدلات الري المناسبة للأنواع المختلفة، بما يستهدف تحقيق أكبر استفادة ممكنة من خطط زيادة المساحات الخضراء مع مراعاة الظروف البيئية والعمرانية لكل منطقة.
ووفقًا للمعايير الواردة في الدليل، فإن اختيار الأشجار لا ينبغي أن يعتمد على سرعة نموها أو شكلها الجمالي فقط، وإنما يجب أن يراعي طبيعة المناخ والتربة، واحتياجات النبات من المياه، وحجم الشجرة وطبيعة نموها، فضلًا عن موقع زراعتها وعلاقتها بالمنشآت والمرافق المحيطة بها، خاصة في الشوارع والمناطق الحضرية التي تتداخل فيها أعمال التشجير مع شبكات البنية التحتية.
ورغم ذلك، فإن «الكونوكاربس» ليست شجرة مستبعدة بصورة عامة من خطط التشجير في مصر؛ إذ تدرجها بيانات المبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة ضمن أصناف الأشجار الخشبية التي تم توريدها وزراعتها، إلى جانب أصناف أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة التمييز بين استخدام الشجرة في المواقع التي تتناسب مع طبيعتها، وبين زراعتها في أماكن قد لا تكون مناسبة لها بسبب قربها من المرافق والمنشآت أو محدودية المساحات المتاحة لنمو جذورها.
ومن ثم، فإن الجدل حول «الكونوكاربس» لا يرتبط بمجرد وجودها ضمن أصناف الأشجار المستخدمة في أعمال التشجير، وإنما يتعلق بالأساس بمدى ملاءمة استخدامها لكل موقع، والاشتراطات التي ينبغي مراعاتها عند زراعتها، والجهة التي تتولى تحديد الأنواع المناسبة لكل منطقة، بما يضمن تحقيق أهداف زيادة الرقعة الخضراء دون التسبب في مشكلات مستقبلية للمرافق أو المنشآت.
استهلاك البزروميا للمياه
وأشار أحد المتخصصين في قسم النبات بمعهد بحوث البساتين التابع لمركز البحوث الزراعية، -رفض ذكر اسمه-، إلى أن المعهد سبق أن حذر من زراعة البزروميا أو الكونوكاربس داخل القاهرة الكبرى والمحافظات ذات الكثافات السكانية، موضحًا أن سرعة نمو الشجرة واحتياجها للمياه قد يدفعان جذورها إلى الامتداد بحثًا عن مصادر المياه عندما لا تتوافر لها بصورة كافية، وهو ما قد يثير مخاوف بشأن تأثيرها على بعض عناصر البنية التحتية.
وأكد المتخصص أن موقع الزراعة يمثل عاملًا أساسيًا في تحديد مدى ملاءمة هذا النوع، خصوصًا عند زراعته بالقرب من المنشآت وشبكات المياه والصرف والمرافق المختلفة، موضحًا أن التعامل مع الأشجار داخل المناطق الحضرية يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة نموها وحجمها المتوقع والمساحة المتاحة أمام الجذور، إلى جانب المسافة الفاصلة بينها وبين المنشآت والمرافق.
كما أشار إلى المخاوف المرتبطة باستهلاك البزروميا للمياه، إلى جانب تأثير جذورها المحتمل على البنية التحتية، مؤكدًا أن هذه العوامل تجعل اختيار موقع الزراعة عنصرًا لا يقل أهمية عن اختيار نوع الشجرة نفسه، خاصة في المدن التي تعاني من كثافات عمرانية مرتفعة، وتنتشر أسفل شوارعها شبكات متعددة للمياه والصرف والغاز وغيرها من المرافق.
وفي المقابل، لفت المتخصص إلى أن للشجرة عددًا من المزايا التي تفسر استخدامها في بعض أعمال التشجير، من بينها سرعة النمو والقدرة على تحمل القص والتشكيل الهندسي ودرجات الحرارة المرتفعة والجفاف، فضلًا عن إمكانية استخدامها كمصدات للرياح في بعض المواقع، وهو ما يعني أن تقييم الكونوكاربس لا يمكن فصله عن الغرض من زراعتها وطبيعة الموقع والمسافات بينها وبين المنشآت والمرافق.
وبحسب هذا الرأي، فإن وجود مخاوف من زراعة الكونوكاربس في بعض المواقع لا يعني بالضرورة أن خصائص الشجرة تجعل استخدامها غير ممكن في جميع الحالات، وإنما يفرض ضرورة تحديد الأماكن التي تتناسب مع طبيعتها، مع مراعاة احتياجاتها المائية وطبيعة نموها والمساحة المتاحة أمام جذورها، بحيث لا تتحول عملية التشجير من وسيلة لتحسين البيئة والمظهر الحضري إلى مصدر لمشكلات مرتبطة بالمرافق والمنشآت.
دعم ملف التشجير
من جانبه، أوضح الدكتور عمرو ربيع، أستاذ التشجير والغابات بمركز البحوث الزراعية وعضو اللجنة الاستشارية لدعم ملف التشجير، أن اختيار أنواع الأشجار التي يتم زراعتها يجب أن يتم وفق أسس علمية تراعي طبيعة وخصائص كل منطقة، مشيرًا إلى أن الدليل الاسترشادي لدعم ملف التشجير يتضمن مقترحًا بأنواع الأشجار التي يمكن زراعتها في مختلف محافظات الجمهورية وفقًا للنطاق الجغرافي، وبما يراعي عوامل متعددة من بينها طبيعة المناخ ونوع التربة.
وأضاف «ربيع» أن الدليل يتضمن كذلك معدلات الري اللازمة للأنواع المختلفة من الأشجار في الأراضي الطينية والرملية، إلى جانب الاشتراطات التي يجب مراعاتها عند تنفيذ عمليات الري، مؤكدًا أن الاحتياجات المائية للأشجار تمثل أحد المعايير الأساسية التي يجب وضعها في الاعتبار عند التخطيط لأعمال التشجير، خاصة مع التوسع في زراعة الأشجار داخل المدن والمناطق العمرانية الجديدة.
وأشار إلى أن الدليل وضع أيضًا عددًا من الشروط لاختيار الأشجار التي تتم زراعتها في الشوارع، من بينها قدرتها على تحمل الظروف البيئية للمنطقة ومقاومة الأمراض والآفات والتلوث، فضلًا عن ضرورة أن تتناسب طبيعة نموها وحجمها مع طبيعة الشارع والموقع والمنشآت المحيطة به.
وأوضح أن من بين المعايير المهمة كذلك تجنب زراعة الأنواع التي يمكن أن تؤثر سلبًا على البنية التحتية نتيجة قوة جذورها، لافتًا إلى أن الكافور والكونوكاربس وردا ضمن الأنواع التي يُنصح باستبعادها من زراعة الشوارع، وفقًا لما تضمنته التغطية المنشورة لتفاصيل الدليل الاسترشادي.
وأكد «ربيع» أن الهدف من خطط التشجير لا ينبغي أن يقتصر على زيادة أعداد الأشجار والمساحات الخضراء فقط، وإنما يجب أن يتزامن ذلك مع اختيار الأنواع المناسبة لكل موقع، موضحًا أن الشجرة التي قد تكون ملائمة للزراعة في مساحة مفتوحة أو منطقة لا تتداخل فيها جذورها مع شبكات المرافق، قد لا تكون مناسبة بالقدر نفسه للزراعة في شارع ضيق أو منطقة سكنية مكتظة تحيط بها المنشآت وشبكات الخدمات.
ولفت إلى أن اختلاف طبيعة المدن والمحافظات من حيث المناخ ونوع التربة ودرجة الملوحة وتوافر المياه وطبيعة البنية التحتية، يجعل من الصعب الاعتماد على نوع واحد من الأشجار باعتباره حلًا موحدًا لجميع المناطق، وهو ما يفسر اعتماد الدليل الاسترشادي على تقسيم الأنواع المقترحة وفقًا للنطاق الجغرافي وظروف كل منطقة.
وشدد أستاذ التشجير والغابات على أن تحديد مدى ملاءمة أي نوع من الأشجار يجب أن يرتبط بموقع الزراعة والغرض منها والظروف المحيطة بها، مؤكدًا أن هناك أنواعًا يمكن أن تحقق فوائد كبيرة في بعض المواقع والاستخدامات، بينما قد لا تكون مناسبة في مواقع أخرى بسبب طبيعة نموها أو احتياجاتها المائية أو تأثير جذورها على المرافق والمنشآت.
وأشار إلى أن استمرار تنفيذ خطط التشجير والتوسع في زراعة الأشجار بالمحافظات يستلزم الالتزام بالمعايير والاشتراطات الواردة في الدليل الاسترشادي، بحيث يتم تحقيق التوازن بين زيادة الرقعة الخضراء والحفاظ على البنية التحتية، مؤكدًا أن القاعدة الأساسية في اختيار الأشجار هي «الشجرة المناسبة في المكان المناسب»، وفقًا لخصائص كل منطقة واحتياجاتها وظروفها العمرانية والبيئية.

