غياب الرقابة.. أحاديث نبوية وإيحاءات جنسية في الأغاني تشعل غضب المصريين
لم تعد كلمات الأغاني مجرد جمل تصاغ لخدمة اللحن أو التعبير عن حالة مزاجية وفنية، بل تحولت في بعض الأعمال إلى أداة لصناعة الجدل وإثارة الرأي العام، خاصة بعدما ظهرت عبارات مقتبسة من أحاديث نبوية ضمن كلمات بعض الأغاني؛ ما أثار حالة من الغضب والرفض بين الجمهور.

ومع طرح هذه الأعمال عبر المنصات الرقمية وسرعة وصولها إلى الجمهور، تبرز تساؤلات حول دور الرقابة وآليات مراجعة كلمات الأغاني قبل طرحها إلى جانب مسؤولية المطرب والشاعر والمنتج عن مضمون العمل وتأثيره في الذوق العام.
أزمة ويجز والأحاديث النبوية
أثار مقطع مسرب من أغنية «مقاتل» لمغني الراب ويجز جدلا بعدما تضمن عبارة «لكل امرئ ما نوى» وهي جزء من الحديث النبوي الشريف «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»؛ ما فتح النقاش حول كتابة واختيار الكلمات
وبدأت الأزمة بعد انتقاد الشيخ خالد زكي استخدام الحديث ضمن كلمات الأغنية، مشيرا إلى مكانة كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، مطالبا «ويجز» بحذف المقطع أو تعديله.
اعتذار ويجز
ورد ويجز على الشيخ خالد، موضحا أنه لم يكن يعلم أن الجملة من حديث شريف، ليؤكد تعديل كلمات الأغنية.
«يلا يا بابا»

وفي أكتوبر 2025 طرح زياد ظاظا وكينجو أغنية "يلا يا بابا" التي أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب كلماتها وما تضمنته من عبارات وإيحاءات اعتبرها بعض المتابعين إباحية وغير مناسبة للذوق العام.
وقال البعض إن الأغنية تروج للمثلية بسبب كلماتها ما دفع عددا من صناع المحتوى إلى تقديم فيديوهات توعوية للتحذير منها.
أين الرقابة؟
ومع تكرار أزمات كلمات الأغاني يطرح الأمر سؤالا حول دور الرقابة هل تخضع الأعمال لمراجعة حقيقية قبل طرحها؟ أم تتحرك الرقابة فقط بعد انتشار الأغنية وتصاعد الانتقادات؟
ولم يعد الجدل مقتصرا على مطربي الراب إذ طالت الانتقادات أغنيات لمطربين كبار مثل أغنية «الألوان» لعمرو دياب بسبب عبارة «يا فراولة أنا نفسي أشربها عصير» التي اعتبرها البعض تحمل إيحاءات لا تليق بفنان بحجمه.
سطحية الأغاني وقيادة الذوق العام
ومن جانبه، قال الدكتور أشرف عبدالرحمن، رئيس قسم النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، إن أزمة كلمات الأغاني وما أثارته من جدل فى الفترة الأخيرة ليست جديدة وظهرت من قبل في زمن الفن الجميل لكنها لم تكن بهذه الكثرة ولا بهذه السطحية، مشيرا إلى وجود بعض الهفوات قد أثارت جدلا فى بعض الأغاني القديمة ولكنها لم تكن كثيرة مثلما يحدث هذه الأيام.

وأوضح «عبدالرحمن» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن مثل هذه الأخطاء القديمة كانت تندرج تحت فلسفات خاصة بالشاعر نفسه ورؤية ووجهة نظر يمكن الاختلاف حولها ولكنها كانت بها قيمة بلاغية وإن اختلفنا فى المعنى المقصود.
وأضاف أن الوضع اختلف -حاليًا- خاصة عندما تتضمن الأغاني عبارات دينية واضحة، مرجعًا ذلك إلى ضعف الثقافة الدينية لدى بعض الكتاب فقد لا يفرق لشاعر أن كانت العبارة حديث أو حكمة أو مقولة شهيرة.
وأشار إلى أن انتشار بعض أغاني المهرجانات ساهم في تغيير الذوق العام وتسلل هذا الأسلوب إلى أعمال مطربين كبار، مستشهدا باستعانة عمرو دياب بالكاتب مصطفى حدوتة في ألبومه الأخير.
وأضاف أن بعض كتاب الأغاني -حاليا- مصدر إبداعهم من الشارع وهذا أدى إلى تحول الكلمة من «العامية الراقية» إلى «العامية السوقية».
وعن دور الرقابة، قال إن الرقيب يجب أن يكون مثقفا ودارسا للفنون بل ويجب أن يكون هناك اختبارات قدرات قبل تعيين أى رقيب لأن دور الرقابة له تأثير مباشر في الذوق العام.
استراتيجية الاستفزاز
وفي هذا السياق: قال الناقد الموسيقي أحمد السماحي، إن ظاهرة الأغاني الهابطة ليست جديدة على مصر، موضحا أن الغناء المصري طوال تاريخه كان يضم بعض الأغاني الهابطة لكنها كانت محدودة الانتشار ولم تكن تصل إلى الإذاعة الرسمية أو التلفزيون وإنما كانت موجودة في الملاهي الليلية وبعض الأماكن المغلقة.

وأوضح «السماحي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن الجديد حاليا هو أن الأغنية الهابطة تمتلك أدوات انتشار لم تكن موجودة في الماضي بسبب المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي، مشيرا إلى أن الأغنية تصل إلى الملايين خلال ساعات.
وأشار إلى أن قوة الأغاني قديما كانت تعتمد على الكلمات واللحن والصوت، بينما أصبح اليوم هناك معيار آخر شديد التأثير «هل الأغنية هتثير الانتباه؟ هل هتنتشر على تيك توك ويوتيوب وتصنع جدلا؟»، موضحا أن الاستفزاز أصبح في بعض الحالات جزءا من استراتيجية الترويج.
وضرب مثالا بأغنية زياد ظاظا «إيه القرف ده»، مشيرا إلى أنها أثارت ضجة بسبب عنوانها وطريقة تصويرها ومشهد البصق على الكاميرا، لافتا إلى أن بعض أغاني الراب والمهرجانات الحديثة لا تحتاج إلى بنية شعرية متماسكة وإنما تعتمد على لازمة تتكرر وتعلق في أذهان الجمهور.