رئيس التحرير
خالد مهران

ميرتس يلوح بأدوات الدستور لمواجهة «البديل من أجل ألمانيا» بعد فوزه التاريخي

النبأ

أثار المستشار الألماني فريدريش ميرتس جدلًا سياسيًا واسعًا بعد تأكيده أن حكومته مستعدة لاستخدام الأدوات التي يتيحها الدستور لحماية النظام الديمقراطي، في وقت حقق فيه حزب "البديل من أجل ألمانيا' اليميني المتطرف تقدمًا تاريخيًا في انتخابات ولاية ساكسونيا أنهالت.

وجاءت تصريحات ميرتس في أعقاب النتائج القوية التي حققها الحزب، والتي تجاوزت 43% من الأصوات، لتضع الحكومة الألمانية والأحزاب التقليدية أمام اختبار جديد بشأن كيفية التعامل مع الصعود المتواصل لليمين المتطرف. وأكد المستشار أن الدستور الألماني يوفر للدولة الأدوات اللازمة للدفاع عن الديمقراطية، في رسالة بدت أكثر حدة من مواقفه السابقة بشأن إمكانية حظر الحزب. 

قال ميرتس إن ألمانيا تمتلك دستورًا يجعل ديمقراطيتها قادرة على الدفاع عن نفسها، مؤكدًا أن مؤسسات الدولة ستتحرك إذا جرى تجاوز الحدود الدستورية.

وجاءت التصريحات بعد ساعات من الفوز الكبير الذي حققه “البديل من أجل ألمانيا” في ساكسونيا أنهالت، حيث حصل الحزب على نحو 44% من الأصوات، متقدمًا بفارق كبير على الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي ينتمي إليه ميرتس. 

وأكد المستشار الألماني أن أي حكومة محلية، بما في ذلك حكومة محتملة يقودها الحزب اليميني، ستظل ملزمة بأحكام الدستور، محذرًا من أن الحكومة الاتحادية ستتدخل إذا جرى تجاوز هذه القواعد أو المساس بحقوق الأقليات.

وتكشف هذه المواقف عن انتقال النقاش من مجرد المنافسة الانتخابية مع «البديل من أجل ألمانيا» إلى البحث في الأدوات القانونية والمؤسسية التي يمكن استخدامها لمنع أي تهديد محتمل للنظام الديمقراطي.

جدل حول حظر "البديل من أجل ألمانيا'

لطالما تعامل ميرتس بحذر مع الدعوات المطالبة بحظر الحزب، مؤكدًا أن الإجراءات القانونية في هذا المجال تواجه عقبات كبيرة.

وفي مقابلة تلفزيونية أواخر أغسطس الماضي، قال ميرتس إنه لا يعارض من حيث المبدأ بحث إمكانية حظر ما وصفه بالتيار القومي المتطرف داخل الحزب، لكنه شدد على أن العقبات القانونية أمام حظر حزب سياسي «مرتفعة جدًا». 

ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأن القانون الألماني لا يتيح للحكومة التنفيذية اتخاذ قرار منفرد بحظر حزب سياسي، إذ يعود الاختصاص في تقرير عدم دستورية الأحزاب إلى المحكمة الدستورية الاتحادية.

وبموجب المادة 21 من القانون الأساسي الألماني، يمكن اعتبار الحزب غير دستوري إذا كان يسعى، من خلال أهدافه أو سلوك أنصاره، إلى تقويض أو إلغاء النظام الديمقراطي الحر أو تهديد وجود الدولة. 

لماذا يصعب حظر الحزب؟

يمثل الحظر الكامل لـ«البديل من أجل ألمانيا» خطوة قانونية وسياسية بالغة الحساسية، إذ لا يكفي إثبات أن بعض أعضاء الحزب يتبنون مواقف متطرفة أو معادية للنظام الديمقراطي.

وتوضح المحكمة الدستورية الألمانية أن مجرد نشر أفكار مناهضة للدستور لا يكفي وحده للحظر، بل يتعين وجود موقف عدائي وفعّال يستهدف النظام الديمقراطي، إلى جانب مؤشرات محددة على إمكانية تحقيق الأهداف المناهضة للدستور.

ولهذا السبب، يرى منتقدو فكرة الحظر أن اللجوء إلى هذا الخيار يتطلب ملفًا قانونيًا بالغ القوة، بينما يعتقد مؤيدوه أن ترك حزب تتزايد شعبيته من دون تحرك قانوني قد يفرض مخاطر أكبر على المدى الطويل.

وأعاد تقرير قانوني صدر خلال يونيو الماضي إشعال النقاش، بعدما خلص إلى أن الحزب يتعارض مع مبادئ النظام الدستوري والديمقراطي في ألمانيا، مستندًا إلى دراسة واسعة شملت خطابات وتصريحات برلمانية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. 

انتصار انتخابي يهز حزب ميرتس

جاء تصعيد ميرتس في وقت تلقى فيه حزبه ضربة انتخابية قوية في ساكسونيا أنهالت.

وحصل "البديل من أجل ألمانيا" على نحو 44% من الأصوات، متضاعفًا تقريبًا مقارنة بنتيجته في انتخابات الولاية عام 2021، بينما تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى نحو 18%، في نتيجة عكست حجم التحول في الخريطة السياسية داخل الولاية الشرقية. 

ورغم تصدره الانتخابات، لا يملك الحزب اليميني المتطرف وحده العدد الكافي لتشكيل حكومة بأغلبية مستقلة، كما أن غالبية الأحزاب الأخرى تستبعد التحالف معه.

لكن النتيجة فتحت الباب أمام احتمال محاولة الحزب استقطاب أعضاء من الأحزاب المحافظة أو البحث عن ترتيبات سياسية جديدة تمكنه من الوصول إلى السلطة المحلية. 

«جدار العزل» أمام اليمين المتطرف

يتمسك ميرتس بما يعرف في السياسة الألمانية بـ«جدار العزل»، أي رفض التعاون أو تشكيل تحالفات حكومية مع «البديل من أجل ألمانيا».

وأكد المستشار مجددًا رفضه العمل مع الحزب بعد فوزه في ساكسونيا أنهالت، رغم الضغوط السياسية التي تواجه حكومته والقلق المتزايد داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي من خسارة المزيد من الناخبين لصالح اليمين المتطرف. 

ويضع هذا الموقف ميرتس أمام معادلة معقدة؛ فمن ناحية، يريد الحفاظ على موقف واضح يمنع اليمين المتطرف من الوصول إلى السلطة عبر تحالفات مع الأحزاب التقليدية، ومن ناحية أخرى، يواجه واقعًا انتخابيًا جديدًا يتمثل في اتساع قاعدة الحزب المنافس في عدد من الولايات الألمانية.

صعود اليمين يفرض تحديًا جديدًا

لا يقتصر صعود "البديل من أجل ألمانيا" على انتخابات ساكسونيا أنهالت، بل يأتي في إطار توسع نفوذ الحزب خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا في الولايات الشرقية.

وتشير النتائج الأخيرة إلى أن الحزب أصبح قادرًا على جذب نسبة كبيرة من الناخبين، مستفيدًا من ملفات الهجرة والاقتصاد والأمن، إلى جانب انتقاده لسياسات الحكومة الألمانية تجاه روسيا وأوكرانيا.

وتقول تقارير إن الحزب يدفع باتجاه إنهاء ما يصفه بالعزلة السياسية، بينما يحاول استغلال تراجع شعبية الائتلاف الحاكم وتحويل نتائجه الانتخابية إلى نفوذ سياسي مباشر. 

تأتي هذه التطورات في مرحلة تواجه فيها حكومة ميرتس ضغوطًا متزايدة، بالتزامن مع تراجع شعبية الأحزاب التقليدية وصعود قوى سياسية أكثر تشددًا.

وكان المستشار قد شدد قبل انتخابات ساكسونيا أنهالت على ضرورة مواجهة «البديل من أجل ألمانيا» من خلال مناقشة برامجه وأفكاره بصورة أكثر مباشرة، بدل الاكتفاء بعزله سياسيًا. 

لكن النتائج الانتخابية الأخيرة دفعت القضية إلى مستوى مختلف، بعدما أصبح الحزب قريبًا من إمكانية قيادة حكومة ولاية، وهو ما أثار مخاوف بشأن مدى قدرة المؤسسات الألمانية على التعامل مع حزب يزداد نفوذه الانتخابي.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات ميرتس بشأن حماية الديمقراطية والدستور محاولة للتأكيد على أن القواعد الدستورية ستظل فوق نتائج الانتخابات، وأن أي حكومة محلية ستظل ملزمة باحترامها.

ما السيناريوهات المقبلة؟

يبقى حظر “البديل من أجل ألمانيا” أحد أكثر الخيارات إثارة للجدل، لكنه ليس الخيار الوحيد المطروح أمام المؤسسات الألمانية.

فقد تستمر الأحزاب التقليدية في سياسة العزل السياسي، مع تكثيف المواجهة الانتخابية والفكرية مع الحزب، أو قد يتجه النقاش مستقبلًا نحو إجراءات قانونية أكثر صرامة إذا توافرت الأدلة اللازمة لذلك.

وفي الوقت نفسه، ستظل المحكمة الدستورية الاتحادية صاحبة الكلمة الفصل في أي طلب رسمي لحظر الحزب، وليس الحكومة الألمانية وحدها. كما يتيح القانون الألماني، في ظروف محددة، استبعاد حزب من التمويل الحكومي، وهو إجراء مختلف قانونيًا عن الحظر الكامل. 

وتكشف التطورات الأخيرة أن البديل من أجل ألمانيا لم يعد مجرد قوة احتجاجية على هامش السياسة الألمانية، بل تحول إلى لاعب انتخابي رئيسي قادر على إحداث تغييرات واسعة في المشهد السياسي.

وبينما يحاول ميرتس احتواء تداعيات النتائج الأخيرة والحفاظ على «جدار العزل» السياسي، تتجه ألمانيا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، سيكون فيها الصراع حول مستقبل الديمقراطية والدستور والهجرة والاقتصاد حاضرًا بقوة في المعارك الانتخابية المقبلة.