هل يجب تناول جرعة المضاد الحيوي كاملة؟
عندما بدأ الأطباء باستخدام المضاد الحيوي البنسلين على نطاق واسع في أربعينيات القرن الماضي، لاحظوا أمرًا غريبًا لدى المئات الأولى من المرضى، حيث تحسنت حالة بعضهم بشكل ملحوظ في غضون أيام قليلة، بينما احتاج آخرون إلى جرعات أطول لعلاج العدوى وتجنب الانتكاس.
وأظهرت الدراسات لاحقًا أن نوع العدوى التي يعاني منها المريض، والبكتيريا المسببة لها، ومدى قدرة المضاد الحيوي على اختراق المناطق المصابة في الجسم، كلها عوامل تؤثر في هذا التباين.
لكن الرسالة التي روجت لها منظمة الصحة العالمية، والتي تنص على ضرورة إكمال المرضى لأي جرعة من المضادات الحيوية الموصوفة لهم، استندت إلى اعتقاد خاطئ مفاده أنه إذا لم يتم القضاء على جميع الكائنات المسببة للعدوى فورًا، فإن تلك التي تعود وتسبب انتكاسة ستكون مقاومة للمضاد الحيوي المستخدم في البداية.
ومع ذلك، لا يوجد دليل يُذكر على ذلك، على سبيل المثال التهاب الحلق العقدي، قد تعود هذه العدوى البكتيرية أحيانًا بعد فترة قصيرة من تناول المضادات الحيوية، ولكن ليس ذلك بسبب مقاومة البكتيريا. بل لأن المريض قد يُصاب بالعدوى مرة أخرى - على سبيل المثال، من البكتيريا المنتشرة في المنزل أو المدرسة - أو لأن المضاد الحيوي لم يخترق النسيج المصاب بالكامل، مما ترك بعض البكتيريا المتبقية لتنمو من جديد.
في الواقع، لم تُطور البكتيريا المسببة لالتهاب الحلق العقدي مقاومة للبنسلين، حتى بعد عقود من الاستخدام أو في حالة انتكاسة العدوى.
موازنة فوائد ومخاطر المضاد الحيوي
يعلم العلماء الآن أن مقاومة المضادات الحيوية لا تنجم عن قصر مدة العلاج، بل إن التعرض للمضادات الحيوية بحد ذاته يخلق ضغطًا انتقائيًا لظهور البكتيريا المقاومة.
ما يقلق العديد من الأطباء، بمن فيهم أنا، هو أن معظم المضادات الحيوية لا تستهدف البكتيريا المسببة للعدوى فحسب، بل تؤثر أيضًا على العديد من البكتيريا الموجودة بشكل طبيعي في الأمعاء والفم وأجزاء أخرى من الجسم، بما في ذلك البكتيريا النافعة.
كلما طالت مدة تناول المضاد الحيوي، زاد تأثيره على هذه المجتمعات الميكروبية، والتي تُعرف غالبًا باسم الميكروبيوم.
وتبدأ المضادات الحيوية بالتأثير على الميكروبيوم فور تناولها، فمن خلال قتل أو تثبيط البكتيريا الحساسة للدواء، قد تمنح المضادات الحيوية البكتيريا المقاومة ميزة البقاء، مما يسمح لها بتشكيل نسبة أكبر من البكتيريا المتبقية، وبالتالي، يوفر كل يوم إضافي من العلاج فرصة أكبر لحدوث هذا الانتقاء.
لهذا السبب، ركز الباحثون بشكل متزايد على إيجاد أقصر مدة علاجية فعّالة للعدوى، وذلك بتوفير كمية كافية من المضاد الحيوي لعلاجها بنجاح، مع تجنب التعرض غير الضروري الذي قد يُخلّ بتوازن الميكروبيوم ويُتيح للبكتيريا الضارة فرصة التكاثر.
مدة العلاج متغيرة
خلال العقد الماضي، أظهرت العديد من التجارب السريرية التي شملت عدوى مثل التهابات المثانة والالتهاب الرئوي وحتى عدوى مجرى الدم، أن دورات المضادات الحيوية الأقصر قد تكون بنفس فعالية الدورات الأطول، وغالبًا ما تكون آثارها الجانبية أقل.
وبفضل هذه الأدلة، يصف الأطباء اليوم دورات علاجية أقصر بكثير من المضادات الحيوية مقارنةً بما كانوا يصفونه قبل عقد من الزمن. فما كان يُوصف سابقًا لمدة 14 يومًا، أصبح الآن غالبًا ثلاثة أو خمسة أو سبعة أيام.