مخاوف داخل القطاع الزراعي ..
إلغاء دعم الأسمدة يهدد بارتفاعات جديدة في أسعار الفاكهة
في خطوة أثارت مخاوف داخل القطاع الزراعي، جاء قرار وقف صرف الأسمدة المدعمة لمزارع الفاكهة ليضيف عبئًا جديدًا على المزارعين، في ظل ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج التي يتحملها الفلاح للحفاظ على وجودة المحصول.
وبحسب وزارة الزراعة، فإن القرار بدأ مع الموسم الصيفي الحال؛ نتيجة لارتفاع تكلفة إنتاج الأسمدة الآزوتية، المرتبطة بشكل رئيسي بأسعار الغاز، مما دفع إلى إعادة توجيه الكميات المدعمة نحو المحاصيل الاستراتيجية التي ترتبط بصورة مباشرة بالأمن الغذائي، مثل القمح والأرز والذرة والقطن، حيث إن الأسمدة الآزوتية لا تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي تكلفة إنتاج الفاكهة، تقل عن 10%، وبالتالي فإن تأثير ارتفاع تكلفة الحصول عليها على السعر النهائي للمنتج يظل محدودًا.
ومع دخول القرار حيز التنفيذ، تتجه الأنظار إلى تداعياته المحتملة على تكلفة زراعة الفاكهة، ومدى قدرة المزارعين على استيعاب الزيادة في التكاليف دون تحميلها إلى أسعار المنتجات النهائية.
وتعتمد مزارع الفاكهة على الأسمدة في برامج تغذية الأشجار والحفاظ على معدلات الإنتاج وجودة الثمار، ولذلك فإن خروج المزارع من منظومة الأسمدة المدعمة يعني اضطراره إلى تدبير احتياجاته بأسعار السوق، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج، خاصة بالنسبة للمزارعين الذين يمتلكون مساحات صغيرة أو متوسطة ولا يملكون القدرة نفسها على تحمل الزيادات مقارنة بالمزارع الكبيرة.
ويضع القرار الفلاح أمام خيارين صعبين؛ فإما أن يتحمل الزيادة الجديدة في تكلفة الأسمدة ويحافظ على معدلات التسميد المطلوبة، وهو ما يؤدي إلى تراجع هامش الربح، أو يقلل من الكميات المستخدمة لتخفيف الأعباء، وهو ما قد يؤثر مع الوقت على الإنتاجية، وفي الحالتين، يصبح ارتفاع تكلفة الإنتاج تحديًا مباشرًا لاستدامة النشاط الزراعي، خصوصًا مع استمرار ارتفاع باقي عناصر التكلفة من عمالة ومياه ومبيدات ونقل وتعبئة.
ولا يقتصر الأمر على المزارع وحده، إذ إن أي زيادة في تكلفة إنتاج الفاكهة قد تجد طريقها في النهاية إلى السوق، وخاصة في حال تزامن ارتفاع التكلفة مع تراجع الإنتاج أو انخفاض المعروض من بعض الأصناف، فقد تصبح الضغوط السعرية أكثر وضوحًا خلال الفترة المقبلة.
وتبرز هنا مخاوف أخرى تتعلق بالتضخم، خاصة أن الغذاء يمثل أحد المكونات الرئيسية في إنفاق الأسر المصرية، وأي ارتفاع في أسعار المنتجات الزراعية يمكن أن يضيف ضغوطًا جديدة على معدلات التضخم، حتى وإن كان تأثير الفاكهة وحدها محدودًا على المؤشر العام.
تحقيق جدوى اقتصادية مناسبة
وفي هذا السياق، قال حسين أبو صدام، النقيب العام للفلاحين، إن استبعاد الأسمدة المدعمة من منظومة الصرف لمزارعي الفاكهة من شأنه زيادة الأعباء والتكاليف التي يتحملها الفلاح خلال الفترة المقبلة، موضحًا أن المزارع سيكون أمام حلين رئيسيين للتعامل مع القرار، إما تحمل الزيادة في تكلفة الإنتاج من خلال شراء احتياجاته من الأسمدة من السوق الحرة، أو تقليل الكميات المستخدمة من الأسمدة، وهو ما قد ينعكس على حجم الإنتاج.
وأضاف «أبو صدام» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن كلا الخيارين قد يؤدي في النهاية إلى زيادة أسعار الفاكهة، سواء نتيجة ارتفاع تكلفة الإنتاج في حالة لجوء المزارع إلى شراء الأسمدة من السوق الحرة، أو نتيجة انخفاض حجم الإنتاج والمعروض في الأسواق حال اتجاه بعض المزارعين إلى تقليل كميات الأسمدة المستخدمة، لافتًا إلى أن تأثير ذلك سيكون أكثر وضوحًا في المحاصيل التي تشهد ارتفاعًا في الطلب.
وأوضح أن فدان الفاكهة يستهلك في المتوسط نحو شيكارتين من الأسمدة، وتبلغ تكلفة الحصول عليهما في ظل منظومة الدعم نحو 600 جنيه، بينما تصل التكلفة إلى نحو 2800 جنيه عند شراء الكمية نفسها من السوق الحرة، وهو ما يعني وجود فارق كبير في التكلفة يتحمله المزارع في حالة عدم حصوله على الأسمدة المدعمة.
وأكد أن الاتجاه الأقرب بالنسبة للمزارعين سيكون اللجوء إلى شراء احتياجاتهم من الأسمدة من السوق الحرة بدلًا من تقليل الكميات المستخدمة، خاصة أن تقليل التسميد قد يؤثر على إنتاجية المحصول، موضحًا أن ذلك سيؤدي في المقابل إلى تحميل الفلاح الزيادة الجديدة في تكلفة الإنتاج، ومن ثم سيصبح أكثر حرصًا على اختيار الأصناف التي تتمتع بطلب مرتفع في الأسواق وتحقق له جدوى اقتصادية مناسبة.
وتابع أن ارتفاع تكاليف زراعة الفاكهة قد يدفع بعض المزارعين إلى العزوف عن زراعة بعض المحاصيل خلال الفترة المقبلة، خاصة الأصناف التي لا تحقق عائدًا اقتصاديًا يتناسب مع حجم التكاليف التي يتحملها الفلاح، مشيرًا إلى أن بعض المزارعين قد يتجهون إلى زراعة المحاصيل التي تحصل على دعم، وعلى رأسها القمح والذرة، باعتبارها تحقق قدرًا أكبر من الحماية في مواجهة ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج.
وأشار «أبو صدام» إلى أن تحديد نسبة الزيادة المتوقعة في أسعار الفاكهة خلال الفترة المقبلة لا يزال أمرًا صعبًا في الوقت الحالي، نظرًا لأن أسعار المحاصيل الزراعية لا تعتمد على تكلفة الإنتاج وحدها، وإنما تخضع بشكل أساسي لآليات العرض والطلب في السوق، موضحًا أنه في حال وجود كميات كبيرة من محصول معين مع ضعف الطلب عليه، فإن الأسعار قد تتراجع، بينما ترتفع الأسعار عندما ينخفض المعروض في مقابل زيادة الطلب.
وأكد أن تأثير وقف الأسمدة المدعمة على الأسعار سيختلف من محصول إلى آخر، وفقًا لحجم الإنتاج والكميات المتاحة في الأسواق ومستويات الطلب، ولذلك من الصعب وضع نسبة محددة للزيادة قبل معرفة حجم المعروض الفعلي من كل محصول خلال الفترة المقبلة.
ونصح النقيب العام للفلاحين، المزارعين بالبحث عن وسائل تساعد على خفض تكلفة الإنتاج وتعويض جانب من الزيادة الناتجة عن ارتفاع أسعار الأسمدة، من خلال التوسع في استخدام الأسمدة العضوية إلى جانب تحسين نظم الزراعة والري، موضحًا أن التحول من الري بالغمر إلى نظم الري الحديثة، وعلى رأسها الري بالتنقيط، يمكن أن يسهم في رفع كفاءة استخدام المياه وتقليل بعض تكاليف الزراعة، بما يساعد المزارع على مواجهة ارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج والحفاظ على الجدوى الاقتصادية للمحصول.
توزيع عادل للمقررات السمادية
ومن ناحيته، قال الدكتور جمال صيام، خبير الاقتصاد الزراعي، إن وقف صرف جزء من الأسمدة المدعمة لمزارعي الفاكهة سيدفع المزارعين إلى تدبير احتياجاتهم من السوق الحرة، وهو ما يؤدي إلى زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج، ومن ثم ينعكس على أسعار المنتجات الزراعية التي تصل إلى المستهلك.
وأضاف «صيام» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن ارتفاع تكاليف الإنتاج سينعكس بالفعل على معدلات التضخم، من خلال زيادة أسعار الفاكهة، مشيرًا إلى أن التأثير قد لا يقتصر على الفاكهة وحدها، وإنما يمكن أن يمتد إلى بعض المحاصيل الزراعية الأخرى، خاصة إذا تزامنت زيادة تكاليف الإنتاج مع ارتفاعات في أسعار مستلزمات الزراعة الأخرى.
وأشار إلى أن اتجاه الدولة خلال الفترة الحالية يسير نحو خفض الدعم بمختلف أشكاله والتوسع تدريجيًا في التحول إلى الدعم النقدي، باعتباره أحد البدائل المطروحة في إطار إعادة هيكلة منظومة الدعم، بما يضمن وصول المساندة إلى الفئات الأكثر استحقاقًا.
وطالب «صيام» الحكومة بضرورة تحقيق توزيع أكثر عدالة للدعم الزراعي المتاح، بحيث لا يؤدي تقليل المقررات السمادية الموجهة إلى مزارع الفاكهة إلى ضياع هذا الدعم، وإنما يعاد توجيه الكميات التي تم توفيرها إلى المزارعين والمحاصيل الأكثر احتياجًا وأهمية، بما يضمن الاستفادة منها في زيادة الإنتاج الزراعي.
وأكد أهمية توجيه الموارد المتاحة إلى التوسع في زراعة المحاصيل التي يحتاج إليها السوق بصورة أكبر، سواء لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي أو تقليل الفجوات الإنتاجية في بعض السلع الزراعية، بما يحقق أكبر استفادة ممكنة من منظومة الدعم في ظل محدودية الموارد وارتفاع تكاليف الإنتاج.

