من حبة البرتقال إلى سلاسل القيمة: كيف تعيد مصر والصين تعريف الشراكة الزراعية؟
شهدت العلاقات المصرية الصينية خلال السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا تجاوز حدود التبادل التجاري التقليدي، ليتحول التعاون الزراعي بين البلدين من مجرد تصدير محاصيل واستيراد معدات، إلى شراكة استراتيجية تمتد من الأرض والمياه إلى التكنولوجيا والبحث العلمي.
لم تكن هذه النقلة وليدة الصدفة، بل جاءت إدراكًا من الجانبين بأن التكامل بين نقاط القوة لدى كل منهما يشكل مفتاحًا لتحقيق منافع متبادلة. فمصر تمتلك الأرض والمناخ والخبرة الزراعية والموقع الجغرافي المتميز، بينما تمتلك الصين التكنولوجيا والخبرة الصناعية وسوقًا ضخمًا يضم نحو 1.4 مليار مستهلك. وهكذا، تجاوزت المصلحة المشتركة حدود السلع، لتشمل العمل المشترك على إنتاج أكثر كفاءة، وتكنولوجيا أكثر ملاءمة، وسوقًا أكثر اتساعًا.
ما يحدث اليوم أكثر تعقيدًا، إذ بدأ التعاون يتحرك في أكثر من اتجاه: استصلاح الأراضي، وإدارة المياه، والري الحديث، والبحث العلمي، والميكنة الزراعية، وتخزين الحبوب، والتصدير. وهذا، في رأيي، هو التطور الأهم. فلم يعد التعاون يبدأ عندما يصبح البرتقال أو العنب الذي يُصدر إلى الصين، مثلًا، جاهزًا للشحن، وإنما قبل ذلك بكثير، عند الأرض والمياه والتكنولوجيا.
وتتزامن هذه النقلة مع حاجة مصر إلى توسيع رقعتها الزراعية، خصوصًا في الأراضي الصحراوية، في وقت أصبحت فيه قضية المياه أكثر حساسية من أي وقت مضى. وببساطة، لا تعني مشروعات مثل «مستقبل مصر» و«الدلتا الجديدة» إضافة أراضٍ جديدة إلى الخريطة الزراعية، بل محاولة إعادة تشكيل طريقة الإنتاج نفسها: كيف نحصل على أكبر إنتاج ممكن من أرض جديدة، باستخدام أقل قدر ممكن من المياه والطاقة والموارد؟
وهنا تظهر الخبرة الصينية، حيث كان تطوير تقنيات الري وإدارة الموارد المائية من أهم مجالات التعاون بين البلدين. فالتجارب المشتركة بين مؤسسات مصرية وصينية في مجال الري الذكي تستهدف استخدام التكنولوجيا والبيانات في تحديد احتياجات المحصول من المياه، بدلًا من الاعتماد فقط على الأساليب التقليدية. وقد وصلت وفورات مياه الري في بعض التجارب الحقلية المشتركة إلى أكثر من 20% مقارنة ببعض الأساليب التقليدية، مع انخفاض ملحوظ في تكاليف التشغيل والإنتاج. قد يبدو الرقم بسيطًا، لكن في مشروع زراعي يمتد على آلاف الأفدنة، يصبح توفير خمس المياه تقريبًا إنجازًا مختلفًا تمامًا.
وقد امتد التعاون إلى المناطق التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن قلب النشاط الزراعي. ففي شبه جزيرة سيناء، جرى نقل وتطبيق نموذج للزراعة المدرجة الموفرة للمياه مستوحى من الخبرة الصينية، بما يساعد على استخدام المياه بكفاءة أكبر ودعم الزراعة في المناطق الجبلية. وهذه التجربة تحمل معنى أكبر من مجرد تقنية زراعية؛ فهي تعكس محاولة للتعامل مع الأرض وفق طبيعتها.
وفي الصحراء الأكثر اتساعًا، تشارك شركات صينية، من بينها مجموعة تشونغمان الصينية للبترول والغاز الطبيعي ZPEC، في مشروعات حفر الآبار في عدد من المناطق، وخاصة الدلتا الجديدة، مما يوفر جزءًا من البنية الأساسية اللازمة للتوسع الزراعي. وقد لا يرى المستهلك النهائي العلاقة بين بئر محفور في الصحراء وثمرة في متجر بالصين أو دولة أخرى، لكن العلاقة موجودة: فالثمرة التي وصلت إلى الصين أو الدولة الأخرى بدأت قصتها من الأرض والمياه، وليس من الميناء.
لكن البئر وحده لا يصنع زراعة. فالمياه التي تخرج من الأرض تحتاج إلى شبكات ري، والطاقة اللازمة لتشغيل المضخات. ففي الدلتا الجديدة، قامت شركات صينية أيضًا ببناء محطات فرعية لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل مضخات الري التي تنقل المياه من نهر النيل إلى المناطق المستصلحة. وقد يبدو هذا العمل بعيدًا عن مفهوم «التعاون الزراعي» إذا نظرنا إليه من زاوية ضيقة، لكنه في الحقيقة يقع في قلبه.
ومن المؤشرات التي تكشف مدى تكامل الشراكة مشروعات تخزين الحبوب. ففي أحد المشروعات المرتبطة بـ«مستقبل مصر»، تعمل شركة فامسون FAMSUN الصينية على تطوير منظومة لتخزين الحبوب بطاقة تصل إلى نحو 500 ألف طن، مع استخدام تقنيات ذكية لمراقبة الحبوب وإدارة عمليات التخزين. وإذا لم نمتلك منظومة نقل وتعبئة وتبريد وتصنيع، سنبيع المنتج في صورته الأقل قيمة. ولهذا فإن الصوامع الذكية، مثلها مثل الري الذكي، جزء من بناء منظومة غذائية حديثة متكاملة.
أحد الجوانب الأكثر إثارة للاهتمام في هذا التعاون هو امتداده إلى مجال البحث العلمي. فقد توسع التعاون بين المؤسسات البحثية المصرية والصينية في مجالات المحاصيل المقاومة للجفاف والملوحة، وإدارة الموارد الطبيعية، والاستشعار عن بعد، ومراقبة النظم البيئية الهشة، والتعامل مع تأثيرات تغير المناخ. كما جرى التعاون بين مركز بحوث الصحراء المصري وعدد من المؤسسات البحثية الصينية، مع إنشاء مكتب إقليمي لمركز البحوث الصيني الأفريقي داخل مركز بحوث الصحراء في القاهرة.
هذه التفاصيل ربما لا تصل إلى الجمهور بنفس سهولة خبر عن افتتاح مصنع أو مشروع زراعي كبير، لكنها، في رأيي، أكثر أهمية على المدى الطويل. فمصر، إذا كانت تريد استصلاح الصحراء لعقود مقبلة، لا تحتاج فقط إلى آلات أكثر، بل إلى معرفة أكثر. ما المحصول المناسب؟ كيف تتعامل التربة مع الملوحة؟ كيف يمكن تقليل فقد المياه؟ كيف نراقب حركة الرمال؟ كيف نستخدم الأقمار الصناعية لمعرفة ما يحدث في الأرض قبل أن تظهر المشكلة للمزارع؟ هذه كلها أسئلة لا تجيب عنها التجارة، وإنما يجيب عنها البحث العلمي.
لكن هناك تحديًا لا يقل أهمية، هو التوصل تدريجيًا إلى مرحلة توطين التكنولوجيا. وهذا يعني تصنيع جزء من المعدات والآلات الزراعية في مصر، وتطوير خطوط إنتاج محلية، وتدريب العمال والمهندسين، ونقل المعرفة، ثم استخدام مصر كقاعدة للتصنيع والتصدير إلى أسواق أفريقية أخرى. وهذا الاتجاه بدأ يظهر في المناقشات المصرية الصينية حول تصنيع الآلات الزراعية ومستلزمات الإنتاج، إلى جانب التعاون في تطوير المنتجات الزراعية واستخدام المبيدات الأكثر أمانًا للبيئة. وهنا يمكن أن يصبح التعاون مفيدًا للطرفين بصورة أكبر، عبر نشوء صناعة مشتركة لها سوق في مصر وإفريقيا.
إن كل هذه التكنولوجيا والاستثمارات والأراضي الجديدة يجب أن تنتهي في النهاية إلى إنتاج قادر على المنافسة. وهنا تصبح الصين مهمة للغاية بالنسبة لمصر.
فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 20.8 مليار دولار في 2025، وارتفع إلى نحو 11.8 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026. لكن الأهم بالنسبة لمصر هو زيادة صادراتها إلى الصين، حيث لم تتجاوز في 2025 نحو 819 مليون دولار، مقابل واردات صينية ضخمة، مما يعكس اختلالًا تجاريًا واضحًا.
وتسهم التسهيلات الجمركية الصينية الجديدة للدول الأفريقية في تحسين فرص دخول المنتجات المصرية إلى السوق. ومنذ مايو 2026، بدأت الصين تطبيق إعفاء جمركي كامل على واردات الدول الأفريقية التي تربطها بها علاقات دبلوماسية، ومن بينها مصر، وهو تطور يمنح المنتجات المصرية فرصة أفضل للمنافسة.
لكن الإعفاء الجمركي وحده لا يكفي؛ فالسوق الصينية كبيرة ومنافسة، والمستهلك الصيني لديه خيارات كثيرة. لذلك، فإن المطلوب ليس فقط إرسال المزيد من المنتجات، بل إرسال منتجات أكثر جودة واستقرارًا وقيمة مضافة.
وهنا ربما تكون هناك إشارة مهمة إلى أن السوق الصينية ليست مجرد سوق ضخمة على الورق، وإنما سوق لديها استعداد حقيقي لاستقبال المزيد من المنتجات المصرية. ففي استطلاع أجرته صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية، سُئل المشاركون عما إذا كانوا سيكونون مستعدين لتجربة وشراء كميات أكبر من الفواكه والمنتجات الزراعية المصرية، إلى جانب منتجات القطن والكتان والحرف اليدوية وغيرها من المنتجات المميزة. وأجاب نحو 89% بأنهم مستعدون للشراء، منهم 30% قالوا إنهم «مستعدون جدًا»، و59% إنهم «مستعدون إلى حد كبير».
هذا الرقم مهم لأنه يضيف عنصرًا آخر إلى معادلة الشراكة: فإلى جانب الأرض المصرية والتكنولوجيا الصينية، هناك سوق صينية تبدي استعدادًا لاستقبال منتجات مصرية أكثر. لكن تحويل هذا الاستعداد إلى مبيعات فعلية يتطلب أن تصل المنتجات المناسبة، بالجودة المناسبة، وباستقرار يسمح ببناء ثقة طويلة الأمد مع المستهلك.
إذا كان التعاون المصري الصيني يستطيع أن يجعل هذه السلسلة أكثر كفاءة، فإن الفائدة لن تكون للصين وحدها ولا لمصر وحدها. المزارع المصري سيجد سوقًا أكبر، والشركة الصينية ستجد شريكًا ومصدرًا قريبًا، والمستهلك الصيني سيحصل على منتجات جديدة، ومصر ستزيد صادراتها. هذه هي المعادلة التي تجعل التعاون الزراعي أكثر من مجرد علاقة تجارية.