رئيس التحرير
خالد مهران

علي الهواري يكتب: «كبير العائلة»..الثمن والشروط

علي الهواري يكتب:
علي الهواري يكتب: «كبير العائلة»..الثمن والشروط

أن تكون زوجًا وأبًا، أو كبيرًا لأسرة وعائلة، فهذه ليست وجاهة اجتماعية ولا لقبًا تتباهى به أمام الناس، وإنما مسؤولية ثقيلة وتكليف يحتاج إلى عقل وحكمة وعدل.

فإذا كنت غير قادر على ممارسة مسؤولياتك وإدارة بيتك، وتحمل واجباتك تجاه زوجتك وأولادك ووالديك وأرحامك، فراجع نفسك قبل أن تتزوج؛ لأن الزواج ليس مجرد حقوق يطالب بها الرجل، وإنما واجبات ومسؤوليات سيحاسب عليها أمام الله.

حين حمّلك الله مسؤولية رعاية زوجتك وأولادك، لم يُسقط عنك في المقابل مسؤوليتك تجاه والديك وإخوتك وأخواتك وأرحامك.

 والإسلام لا يطلب منك أن تختار بين زوجتك وأمك وأبيك وأخواتك، ولا أن تهدم علاقتك بأهلك من أجل الحفاظ على بيتك، وإنما يعلمك كيف تعطي كل ذي حق حقه، وتضع الأمور في نصابها، وتوازن بين المسؤوليات بالعدل والحكمة.

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا»، وهي آية تذكّر الإنسان بمسؤوليته تجاه أهل بيته، رعايةً وتوجيهًا وحمايةً.

وفي المقابل، جعل الله بر الوالدين من أعظم الواجبات، فقال سبحانه: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، وقال: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا».

ولم يقف الأمر عند الوالدين، بل امتد إلى ذوي القربى والأرحام، فقال تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ».

ومن هنا، فإن الزواج لا يعني أن تتخلى عن إخوتك وأخواتك، ولا أن تنقطع عن عماتك وخالاتك وأبنائهن، ولا أن تصبح صلة الرحم مرتبطة بموافقة الزوجة أو رضاها.

فالأخوات والإخوة وـالعمات والخالات لهن حق الصلة والاحترام والسؤال والزيارة حسب الاستطاعة والعرف والظروف، وكذلك الأعمام والأخوال وسائر الأقارب. 

وصلة الرحم ليست بابًا مفتوحًا للظلم أو التدخل في الحياة الزوجية، لكنها في الوقت نفسه ليست حقًا يمكن لأحد أن يمنعه عنك أو يجعلك تختار بين بيتك وبين أرحامك، قال تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ»، وقال سبحانه: «وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ».

وقال النبي ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» متفق عليه، وقال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري.

الرجولة الحقيقية ليست أن تنحاز إلى زوجتك ضد أهلك، ولا أن تنحاز إلى أهلك ضد زوجتك؛ وإنما أن تكون عادلًا مع الجميع.

لا تجعل أمك تدفع ثمن زواجك، ولا تجعل زوجتك تدفع ثمن برك بأمك.

لا تسمح لأهلك أن يظلموا زوجتك، ولا تسمح لزوجتك أن تظلم والديك، أو تمنعك من صلة إخوتك وأخواتك وعماتك وخالاتك وسائر أرحامك.

وإذا أخطأت زوجتك فلا تبرر لها الخطأ لمجرد أنها زوجتك، وإذا أخطأ أحد من أهلك فلا تسكت عن الظلم لمجرد أنه من عائلتك، العدل لا يعرف زوجة ولا أمًا ولا أختًا ولا عمة ولا خالة؛ العدل أن تقول الحق ولو كان على من تحب.

القوامة مسؤولية، وبر الوالدين عبادة، وصلة الرحم واجب، والعدل أساس الاستقرار.

ومن المؤسف أن بعض الأزواج يحاولون تبرير عجزهم عن إدارة حياتهم الأسرية بمبررات جاهزة؛ فيقول أحدهم: «أنا معمول لي عمل»، أو «مراتي عمله لي سحر»، أو «أنا ساكت علشان العيال»، ثم ينتهي به الأمر إلى الاستسلام الكامل، وقطع علاقته بوالديه وإخوته وأخواته وأرحامه.

نعم، السحر ثابت في النصوص الشرعية، والإنسان قد يمر بابتلاءات وضغوط نفسية واجتماعية حقيقية، لكن ليس من الحكمة أن يتحول السحر إلى تفسير جاهز لكل خلاف، أو شماعة نعلق عليها ضعف الشخصية وسوء الاختيار والعجز عن اتخاذ القرار.

وكذلك الأولاد ليسوا ذريعة للاستسلام للخطأ أو الظلم، بل وجود الأبناء يفرض على الرجل أن يكون أكثر حكمة واتزانًا؛ لأن الطفل يتعلم من سلوك أبيه قبل كلامه.

فالطفل الذي يرى والده يقطع جدته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته خوفًا من زوجته، قد يتعلم أن القوة داخل الأسرة تعني فرض الإرادة، وأن صلة الرحم يمكن التضحية بها من أجل إرضاء طرف واحد.

وفي المقابل، الطفل الذي يرى والده يحترم أمه وزوجته، ويصل أرحامه، ويمنع الظلم عن الجميع، ويضع حدودًا واضحة دون إساءة أو قطيعة، يتعلم معنى المسؤولية والعدل والرجولة الحقيقية.

وهناك فرق كبير بين رجل يختار الهدوء والحكمة لتجنب الخلاف، ورجل يستسلم لأنه لا يستطيع أن يقول «لا».

ليس مطلوبًا من الرجل أن يكون قاسيًا مع زوجته حتى يثبت رجولته، كما ليس مطلوبًا منه أن يخضع لها خوفًا من غضبها، الرجولة أن تكون ثابتًا دون قسوة، رحيمًا دون ضعف، حازمًا دون ظلم، وقادرًا على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.

وإذا كنت كبير أسرة أو كبير عائلة، فتذكر أن كلمة «كبير» ليست امتيازًا، وإنما ثمنها أكبر.

الكبير الحقيقي هو الذي يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويطفئ الخلافات ولا يشعلها، ويسمع من الجميع دون تحيز، ويحفظ كرامة الصغير قبل الكبير.

هو الذي إذا اختلفت زوجته مع أهله لم يظلم زوجته لإرضائهم، وإذا أخطأت زوجته لم يبرر لها خطأها، وإذا أخطأ أحد من أهله لم يسكت عن ظلمه، وإذا وقع خلاف بين إخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته، لم يتحول إلى طرف يشعل الخصومة، بل حاول الإصلاح وجمع الكلمة، فالهيبة لا يصنعها الخوف، وإنما يصنعها العدل.

ومن أراد أن يكون كبيرًا في أسرته وعائلته، فعليه أن يعرف أن مكانته ليست في أن يطيعه الجميع، وإنما في أن يثق الجميع بعدله.

لا تجعل السحر شماعة، ولا الأولاد ذريعة، ولا الزوجة حجة، ولا الأهل ضحية.

تحمّل مسؤوليتك، واحفظ بيتك، وبر والديك، وصل رحمك، واحفظ حقوق إخوتك وأخواتك وعماتك وخالاتك وسائر أقاربك، وأعطِ كل ذي حق حقه.

فـثمن أن تكون كبيرًا هو أن تكون عادلًا، وثمن الرجولة أن تتحمل المسؤولية، والقوامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وسلطة الرجل الحقيقية تبدأ من قدرته على ضبط نفسه وإدارة بيته بالعدل والحكمة والرحمة.

قيمة الكبير في المجتمع.. «اللي ملوش كبير يشتري له كبير».

وللكبير في المجتمع مكانة لا تُقاس بالعمر وحده، وإنما بالحكمة والخبرة والقدرة على جمع الناس وحل الخلافات. ولذلك لم يأتِ المثل الشعبي من فراغ: «اللي ملوش كبير يشتري له كبير»؛ فالمقصود بالكبير ليس مجرد شخص يفرض كلمته أو يخشاه الآخرون، وإنما رجل يُرجع إليه عند الخلاف، ويُستمع إلى رأيه عند الحيرة، ويثق الناس في حكمه وعدله.

الكبير الحقيقي هو صمام أمان المجتمع؛ يتدخل عندما تتعقد الأمور، ويمنع الخصومات من التحول إلى عداوات، ويقرّب وجهات النظر، ويطفئ نار الفتنة قبل أن تكبر. وجوده يمنح الأسرة والعائلة والمجتمع قدرًا من التوازن، لأن الناس تعرف أن هناك من يمكن الرجوع إليه عند الأزمات.

لكن الكبير لا يكتسب مكانته بالصوت العالي، ولا بالمال، ولا بكثرة الأتباع، ولا بقدرته على فرض رأيه؛ وإنما يكتسبها بالسيرة الطيبة، والعدل، والحكمة، والكرم، وحفظ الأسرار، ونصرة المظلوم، والإصلاح بين الناس.

فالمجتمع الذي يفقد الكبار الذين يجمعون الناس ويصلحون بينهم، يترك فراغًا سرعان ما تملؤه الفوضى والتعصب والمصالح الشخصية، أما الكبير الذي يعرف قيمة مكانته، فيظل أثره حاضرًا حتى بعد رحيله؛ لأن الكبير الحقيقي لا يصنع أتباعًا، وإنما يصنع رجالًا، ولا يورث الخوف، وإنما يورث الاحترام.