على الهواري يكتب: دينا المصري تعيد معركة الأذان من جديد..ما علاقة الشيخ الشعراوي؟
لم يعد الجدل حول استخدام مكبرات الصوت في المساجد مجرد نقاش عابر بشأن تنظيم الضوضاء أو مراعاة راحة السكان، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى معركة تتقاطع فيها اعتبارات دينية واجتماعية وثقافية وسياسية، بين من يرى في الأذان شعيرة دينية ينبغي أن تُسمع، ومن يطالب بتنظيم مكبرات الصوت أو الحد من استخدامها بدعوى حماية الحق في الهدوء ومراعاة المرضى وكبار السن والأطفال.
وفي مصر، عاد الجدل إلى الواجهة بقوة بعد الأزمة التي أثارتها المذيعة دينا المصري، عقب اعتراضها علنًا على قرار إدارة أحد التجمعات السكنية بمدينة السادس من أكتوبر بخفض أو منع تشغيل الأذان عبر مكبرات الصوت الخارجية.
دينا المصري: «دي أحلى حاجة بسمعها في بيتي».
المذيعة دينا المصري، مقدمة برنامج «حواديت على المكشوف» بقناة «المحور»، أعلنت رفضها للقرار، مؤكدة أنها تقيم في حي الأشجار منذ نحو 8 سنوات، وأن سماع الأذان من المسجد القريب من منزلها أصبح جزءًا من حياتها اليومية.
وقالت إن المنطقة تستضيف في مناسبات مختلفة حفلات وتجمعات تستخدم خلالها الموسيقى ومكبرات الصوت، ورغم ما قد تسببه من إزعاج للسكان فإنها تتقبل الأمر باعتباره مناسبة عابرة، متسائلة عن سبب التعامل مع الأذان باعتباره مصدرًا للإزعاج وحده.
ورأت أن الأذان لا يقتصر دوره على إخبار المصلين بموعد الصلاة، وإنما يحمل أيضًا قيمة روحية وتذكيرية، وقد يكون سببًا في إيقاظ ضمير شخص بعيد عن العبادة أو دفعه إلى العودة إلى الصلاة والتقرب إلى الله.
وقالت، في حديثها عن موقفها: «أنا حقي إن أنا أسمع صوت الأذان»، مؤكدة أن موقفها لا يرتبط بمدى التزامها الشخصي، وإنما بما تمثله الشعيرة بالنسبة إليها.
وفي أعقاب الأزمة، أعلنت دينا المصري أن إدارة القناة قررت إيقافها وإنهاء التعاقد معها، موضحة أنها كانت تتوقع القرار، وأنها لا تحمل ضغينة للقناة أو العاملين فيها، معتبرة أن من حق الإدارة اتخاذ ما تراه مناسبًا لحماية موقفها.
وأقرت في الوقت نفسه بأن الإعلامي مطالب بقدر أكبر من الانضباط والسيطرة على ردود أفعاله، قائلة إن الجمهور ربما يكون محقًا في انتقادها من هذه الزاوية.
خالد منتصر: هل الميكروفون هو الأجواء الإيمانية؟
على الجانب الآخر، يتبنى المفكر والطبيب خالد منتصر موقفًا داعمًا لتنظيم استخدام مكبرات الصوت الخارجية، ويرى أن رفع الصوت بصورة مبالغ فيها، خاصة في أوقات الفجر أو أثناء الصلوات، قد يتحول من وسيلة للإبلاغ إلى مصدر للإزعاج، بما يضر بالمرضى والأطفال والطلاب وغيرهم.
وانتقد منتصر فكرة ربط الأجواء الإيمانية بالضرورة باستخدام مكبرات الصوت، متسائلًا: «الميكروفون هو الوحيد الذي يوفر الأجواء الإيمانية؟! هل قبل الميكروفون وفي صدر الإسلام وأيام الصحابة ما كانش فيه أجواء؟».
واستشهد في هذا السياق بموقف سابق للشيخ محمد متولي الشعراوي من الاستخدام المبالغ فيه لمكبرات الصوت، وهو الموقف الذي عاد الإعلامي إبراهيم عيسى إلى تداوله في خضم الجدل.
إبراهيم عيسى: «ثقافة سلفية قائمة على الضوضاء».
الإعلامي إبراهيم عيسى سبق أن انتقد استخدام مكبرات الصوت في بعض المنشآت السياحية والمساجد، واعتبر أن تحويل الأذان إلى أصوات مرتفعة ومتداخلة قد يمثل نوعًا من الضوضاء، مؤكدًا أن الميكروفون ليس جزءًا من أصل شعيرة الأذان.
وعرض عيسى مقطعًا للشيخ الشعراوي ينتقد فيه ما وصفه بـ«الغوغائية» في استخدام مكبرات الصوت، معتبرًا أن الاستشهاد بموقف الشعراوي يكشف أن القضية ليست صراعًا بين مؤيدين للدين ومعارضين له، وإنما نقاش حول كيفية ممارسة الشعائر دون إلحاق الضرر بالآخرين.
فريدة الشوباشي: «أنا بدافع عن الأذان»
أما النائبة فريدة الشوباشي، فقد أثارت تصريحاتها بشأن الأذان جدلًا على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن توضح موقفها وتؤكد أنها لا تعارض الأذان، بل تعترض على تداخل الأصوات وارتفاعها بصورة تجعل الاستماع إليها صعبًا.
وأكدت أنها منذ طفولتها كانت تتأثر بصوت الأذان، وخاصة عندما كانت تستمع إلى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، مشددة على أن اعتراضها ينصب على الاستخدام العشوائي والمتداخل لمكبرات الصوت، وليس على الأذان باعتباره شعيرة إسلامية.
الأذان في عهد الرسول ﷺ
كان الأذان موجودًا في عهد النبي محمد ﷺ منذ بداية تشريع الصلاة في المدينة المنورة، وكان وسيلة لإعلام المسلمين بدخول وقت الصلاة ودعوتهم إلى الاجتماع لها. وتروي كتب السنة أن فكرة الأذان شُرعت بعد أن تشاور الصحابة في كيفية دعوة الناس إلى الصلاة، فرأى عبد الله بن زيد رضي الله عنه في المنام ألفاظ الأذان، فأخبر النبي ﷺ بها، فأقرها، وأمر بلال بن رباح رضي الله عنه أن ينادي بها؛ لما كان يتميز به من قوة الصوت وحُسنه. ومنذ ذلك الوقت أصبح الأذان من أبرز شعائر الإسلام، وكان بلال يؤذن للنبي ﷺ وللمسلمين.
ولم يكن في عهد الرسول ﷺ مكبرات صوت أو أجهزة إلكترونية بالطبع، ولذلك كان المؤذن يرفع صوته بالأذان حتى يسمعه الناس في محيط المسجد. ومن هنا ينبغي التفريق بين الأذان باعتباره شعيرة شرعية ثابتة وبين وسيلة إيصال صوته التي تطورت عبر الزمن. فالميكروفون وسيلة حديثة، وليس هو الأذان نفسه، ولذلك فإن تنظيم استخدام مكبرات الصوت من حيث مستوى الصوت ووقته لا ينبغي أن يُفهم تلقائيًا على أنه منع للأذان أو إلغاء للشعيرة.
وفي الوقت نفسه، فإن رفع الصوت بالأذان له أصل شرعي؛ فقد قال النبي ﷺ لعبد الله بن زيد حين أقر صيغة الأذان: «فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»، وهو ما يؤكد أهمية وصول النداء إلى الناس، مع بقاء مسألة الوسيلة ومستوى الصوت خاضعة للظروف والأعراف وما يحقق المقصود من الشعيرة دون أذى.
يهاجمون الشعراوي ثم يستشهدون به!
من المفارقات اللافتة في الجدل الدائر حول مكبرات الصوت والأذان أن بعض الشخصيات التي سبق أن انتقدت الشيخ محمد متولي الشعراوي أو اختلفت معه فكريًا، وجدت نفسها هذه المرة تستشهد بكلامه لتدعيم موقفها من قضية استخدام مكبرات الصوت.
فقد استند خالد منتصر وإبراهيم عيسى إلى مقطع قديم للشعراوي ينتقد فيه الاستخدام المفرط لمكبرات الصوت، معتبرين أن كلامه يؤيد الدعوة إلى تنظيم الصوت وعدم تحويل المساجد إلى مصدر للإزعاج. كما جرى تداول تصريحات فريدة الشوباشي في السياق نفسه، مع تأكيدها أن اعتراضها ليس على الأذان وإنما على تداخل الأصوات وارتفاعها بصورة مبالغ فيها.
المفارقة هنا لا تكمن في الاستشهاد بالشعراوي في حد ذاته؛ فمن حق أي شخص أن يستشهد بأي رأي يراه صحيحًا حتى لو كان صاحبه يختلف معه في قضايا أخرى، وإنما تكمن في انتقائية الاستشهاد: إذا كان الشعراوي حجة عندما يتفق كلامه مع الموقف، فلماذا يصبح مرفوضًا أو متخلفًا أو غير صالح للاستشهاد عندما تختلف آراؤه مع الموقف؟ فالإنصاف يقتضي التعامل مع أفكار الرجل بمعيار واحد؛ إما أن تُناقش آراؤه بالنقد والقبول والرفض وفق مضمونها، أو لا يتم تحويله إلى «مرجعية مؤقتة» نستدعيها فقط عندما تخدم موقفًا معينًا.
أما إبراهيم عيسى، فقد ذهب أبعد من مجرد الاستشهاد، حين عرض مقطع الشعراوي أمام جمهوره ليؤكد أن الشيخ نفسه قال إن الإفراط في استخدام الميكروفون يمثل «غوغائية تدين». وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تغيرت النظرة إلى الشعراوي لأن كلامه هذه المرة جاء متوافقًا مع الرأي المطروح؟ وهل يمكن لمن يرفضون كثيرًا من أفكاره أن يجعلوا منه مرجعًا دينيًا حين يجدون في إحدى عباراته ما يخدم موقفهم؟
وفي النهاية، الأذان شعيرة إسلامية ثابتة، والميكروفون وسيلة حديثة لنقل صوته، وتنظيم استخدام الوسيلة شيء، ومحاربة الشعيرة أو الإساءة إليها شيء آخر.