رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: هل تكتمل الحكاية ويعرض فيلم " مرحبا بكم في مطعم التنين" قريبا على الشاشة الكبيرة في مصر؟

عمر شريف ومحمد أسامة
عمر شريف ومحمد أسامة

ربما تكون الخطوة الطبيعية التالية، بعد النجاح الجماهيري اللافت لفيلم «مرحبًا بكم في مطعم التنين» في الصين، أن يصل الفيلم إلى الشاشة الكبيرة في مصر.

فقد اتسعت كثيرا دائرة الألفة بين الشعبين المصري والصيني بعد عرضه هنا في الصين. يكفي أن تقول لصيني إنك مصري هذه الأيام، حتى يباغتك باسم «سيف». 

لقد أصبح عمر شريف، النجم الصغير المصري الذي أدى شخصية «سيف» في الفيلم، أكثر من مجرد وجه عابر في عمل صيني. فقد تحول إلى وجه مألوف لدى كثير من المشاهدين الصينيين، وبات اسمه مرتبطًا بشخصية تركت أثرًا واضحًا في الفيلم.

حظي أداء عمر بإعجاب واسع، ليس فقط بقدرته التعبيرية، وإنما أيضًا بما قدمه في لحظات الصمت، وفي المشاهد التي فرضت عليه أحداث الفيلم أن يظهر بعين واحدة. استطاع الطفل أن يقول الكثير من دون كلام، وأن يمنح «سيف» حضورًا تجاوز حدود اللغة.

وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل النتائج التي يمكن أن تصنعها السينما: أن يتحول طفل مصري إلى وجه مألوف لدى جمهور في بلد آخر، وأن يرى المشاهد الصيني شخصية مصرية تتحدث بلهجتها، وتتحرك في بيئتها، ويسمع موسيقاها ويرى بعض تفاصيلها. عندها لا تعود مصر مجرد صورة في الأخبار، أو وجهة سياحية، أو بلد بعيد، وإنما تصبح جزءًا من حكاية إنسانية عاشها المشاهد على الشاشة.

ولم يكن عمر وحده. فقد شارك في الفيلم نحو 22 فنانًا عربيًا، غالبيتهم من مصر، بينهم شريف صبحي، وفاروق محمد، ونيرة، وأحمد سليم، وغيرهم ممن حملوا إلى العمل شيئًا من مصر: الوجوه واللهجة وخفة الظل وطريقة التعبير، وأضافوا إلى عالم الفيلم الصيني ملامح عربية واضحة.

كما ظهرت في الفيلم أماكن مصرية، من مصر القديمة والحطابة إلى الصحراء البيضاء، بحيث يصعب على المشاهد المصري ألا يتعرف إلى بعض الأماكن التي ظهرت على الشاشة.

وخلف هذا الحضور المصري كانت هناك جهود سبقت التصوير بوقت طويل. فقد أسهم محمد أسامة، الذي عاش سنوات في الصين قبل أن يعود إلى مصر ويؤسس شركة «دراجون بريدج ميديا»، مع فريقه في بناء الجسر العملي بين الإنتاج الصيني ومصر، من تنسيق اختيار الممثلين العرب والمواقع التي صورت فيها المشاهد في مصر، إلى اللوجستيات والتفاصيل اللازمة لإنجاز التصوير.

لكن قيمة التجربة لا تكمن في عدد الفنانين أو المواقع وحدها، وإنما في النتيجة التي وصلت إلى الجمهور.

فالمشاهد الصيني خرج من قاعة السينما وهو يحمل في ذاكرته أسماء ووجوهًا ولهجة ومشاهد.

هذه هي الألفة التي تستطيع السينما أن تصنعها.

وهي نتيجة جاءت في سياق سنوات من التقارب الثقافي والسينمائي بين مصر والصين، من تبادل الأفلام والمهرجانات والوفود إلى التعاون بين المؤسسات والمشروعات التي حاولت تقديم كل حضارة لجمهور الأخرى. ومن أمثلة ذلك الفيلم الوثائقي «حكاية مدينتين» عن الروابط التاريخية بين الإسكندرية وتشوانتشو، وتجارب مثل «الصين كما رأيتها» للفنان حسين فهمي، إلى جانب التعاون المتزايد بين مهرجان القاهرة السينمائي ومهرجانات ومؤسسات سينمائية صينية.

لكن «مطعم التنين» نقل هذا التقارب من الفعاليات والمؤسسات إلى جمهور الشاشة الكبيرة مباشرة.

وهنا يبرز السؤال الذي أراه طبيعيًا الآن: إذا كانت الصين قد شاهدت مصر وأحبت بعض وجوهها من خلال «مطعم التنين»، فلماذا لا ترد مصر ويعرض الفيلم في دور السينما المصرية؟

قد يبدو الأمر مجرد خطوة في مجال التوزيع، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أكبر؛ فالقصة نفسها إنسانية وعميقة، ولا تتوقف عند حدود المكان أو جنسية أبطالها.

تدور أحداث الفيلم في منطقة شرق أوسطية متخيلة خلال أجواء حرب 2003، لكنه لا يحكي عن الحرب بقدر ما يحكي عن الإنسان الذي يجد نفسه في مواجهة الخوف والفقد والعنف، ثم يحاول، وسط كل ذلك، أن يتمسك بالحياة. وفي قلب هذه الفوضى يصبح المطعم مساحة صغيرة للحياة، يلتقي فيها أشخاص مختلفون، ويبحثون عن الأمان والخبز والضحكة والحب، بينما تفرض الحرب ظلالها الثقيلة على الجميع.

وهنا تحديدًا تكمن قوة القصة. فالخوف من الحرب، وفقد الأحبة، والبحث عن مكان آمن، والرغبة في أن يعيش الإنسان حياة عادية، ليست مشاعر صينية أو مصرية أو عربية؛ إنها مشاعر إنسانية يعرفها الناس في كل مكان.

لذلك فإن الفيلم لا يحتاج من المشاهد المصري إلى معرفة مسبقة بالثقافة الصينية حتى يتفاعل معه. قد يرى في شخوصه وحكاياته شيئًا مؤثرًا. وفي الطفل «سيف» صورة للطفولة التي تحاول النجاة من عالم أكبر منها، وفي المطعم مكانًا صغيرًا يحاول الاحتفاظ بالحياة بينما ينهار العالم من حوله.

الصين شاهدت عمر شريف وشريف صبحي وفاروق محمد ونيرة وأحمد سليم وغيرهم على شاشتها، وربما آن الأوان لأن يجلس الجمهور المصري في مقاعد السينما ليتعرف إلى نجوم الفيلم الصيني، وفي مقدمتهم شنغ تنغ الذي أدى دور الطاهي، وجيانغ تشيمينغ الذي أدى شخصية مدير المطعم، إلى جانب بقية أبطال الفيلم والمخرج ون مويي.

وربما لا يحتاج الأمر إلى وقت طويل حتى تصبح هذه الوجوه مألوفة للمصريين، كما أصبحت وجوه صينية، وعلى رأسها جاكي شان، جزءًا من الذاكرة السينمائية لجمهور عربي واسع.

نحن لا نتحدث هنا عن مجرد فيلم، وإنما عن تجربة صنعتها ثقافتان معًا حول موضوع إنساني يمس القلوب والعقول في كل مكان.

فإذا كانت السينما قد نجحت في صناعة الألفة بين الشعبين، فلماذا لا نمنحها فرصة لتكمل الحكاية؟