حيثيات الحكم في قضية مقتل محامي حلوان.. 15 سنة مشددة للمتهمين الأربعة
كشفت حيثيات حكم محكمة جنايات القاهرة، الدائرة الرابعة حلوان، برئاسة المستشار جابر السعيد الجزار، وعضوية المستشارين محمد حليم خيري ومحمد محمود عبد المقصود بسكرتاية مصطفى حسن، تفاصيل القضية رقم 16665 لسنة 2025 جنايات حلوان، المقيدة برقم 3908 لسنة 2025 كلي حلوان، والمعروفة بواقعة مقتل المحامي عبد الرحمن وحيد فاروق أحمد، والتي انتهت إلى معاقبة أربعة متهمين بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا، إلى جانب عقوبات أخرى عن تعاطي المواد المخدرة.
وصدر الحكم بجلسة الثلاثاء 14 يوليو 2026، بعد أن استمعت المحكمة إلى مرافعات الدفاع وطلبات النيابة العامة، واطلعت على التحقيقات وتقارير الطب الشرعي والأدلة الجنائية والمقطع المصور للواقعة وأقوال الشهود وإقرارات المتهمين.
المتهمون الأربعة أمام المحكمة
عاقبت المحكمة كلًا من مصطفى عبد الباسط عبد الحافظ راوي، وشهرته «روبي»، وعبد الرحمن سعيد علي العناني، وشهرته «عبده»، ومحمد أحمد محمد أحمد، وعمر ناصر محمد عبد العظيم، بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا عما أسند إليهم من اتهامات استعراض القوة والبلطجة والضرب المفضي إلى الموت وإتلاف باب مسكن المجني عليه ودخول مسكنه بقصد ارتكاب الجرائم.
كما عاقبت المحكمة كل متهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات وغرامة 10 آلاف جنيه عن تهمة تعاطي المواد المخدرة، وأمرت بوضعهم تحت مراقبة الشرطة لمدة ثلاث سنوات، وألزمتهم بالمصاريف الجنائية.
وأحالت المحكمة الدعوى المدنية المقامة من أسرة المجني عليه، والتي طالب فيها المدعيان بالحق المدني بتعويض مدني مؤقت قدره مليون جنيه، إلى المحكمة المدنية المختصة، مع إبقاء الفصل في المصاريف.
بداية الواقعة.. رحلة بحث انتهت إلى العنوان الخطأ
حسب ما استخلصته المحكمة من التحقيقات، بدأت الواقعة عقب قيام إحدى السيدات، وتدعى سمر رشدي عزوز، بسرقة هاتف محمول وحافظة نقود مملوكين للمتهم الأول، وفقًا لما ورد بأوراق القضية.
وبحث المتهم الأول وباقي المتهمين عنها لاسترداد متعلقاتهم، ونما إلى علمهم من إحدى السيدات أن سمر موجودة في إحدى الشقق السكنية بمحيط سكن المجني عليه، وأُعطي لهم وصف للعقار الذي يُعتقد أنها موجودة فيه.
إلا أن المتهمين توجهوا بطريق الخطأ إلى العقار رقم 8 بشارع ذو الفقار بحلوان، حيث كان يقيم المجني عليه عبد الرحمن وحيد فاروق أحمد بمفرده في شقته بالطابق الرابع.
وفي حوالي الساعة الثالثة فجر يوم 8 سبتمبر 2025، طرق المتهمون باب الشقة، إلا أن المجني عليه لم يفتح لهم، فبحسب ما انتهت إليه المحكمة، قاموا بتهديده وسبه وشتمه والضغط عليه لفتح الباب.
وعندما لم يستجب، قاموا بكسر باب المسكن والدخول إليه عنوة، وهو ما أثبتته معاينة النيابة العامة وفحوص الأدلة الجنائية.
المحكمة تنفي توافر نية القتل
من أهم ما كشفت عنه الحيثيات أن المحكمة لم تجد أن المتهمين كانوا يقصدون قتل المجني عليه، وأكدت المحكمة أن نية القتل لم تثبت في حقهم، مشيرة إلى عدم وجود معرفة سابقة أو خلافات بينهم وبين المجني عليه، وعدم ثبوت حملهم أسلحة أو أدوات عند توجههم إلى العقار، فضلًا عن عدم ثبوت وجود اشتباك أو مقاومة أو تجاذب بينهم وبين المجني عليه.
واستندت المحكمة كذلك إلى تقرير الطب الشرعي، الذي لم يثبت وجود إصابات تشير إلى مقاومة المجني عليه أو حدوث تجاذب مع آخرين، وإلى أقوال الطبيب الشرعي أمام المحكمة.
وانتهت المحكمة إلى أن المجني عليه ألقى بنفسه من شرفة مسكنه في محاولة للنجاة بعد دخول المتهمين عليه، وأن المتهمين لم يقوموا بدفعه أو إلقائه من الشرفة.
لحظة السقوط من الطابق الرابع
حسب ما استقر في يقين المحكمة، فإن المجني عليه، بعد دخول المتهمين إلى مسكنه وكسر الباب، حاول الهرب منهم، ولم يجد وسيلة للفرار سوى القفز من شرفة الشقة بالطابق الرابع.
وسقط المجني عليه أمام مدخل العقار، وأصيب بإصابات بالغة الخطورة، ثم تم نقله إلى مستشفى 15 مايو، حيث فارق الحياة متأثرًا بإصاباته.
وأكدت المحكمة أن المتهمين لم يقصدوا إزهاق روحه، إلا أن الأفعال التي ارتكبوها من ترويع وتهديد واستعراض للقوة واقتحام للمسكن أدت إلى حالة الخوف التي دفعت المجني عليه إلى محاولة الفرار بالقفز من الشرفة، وهو ما أفضى إلى وفاته.
تقرير الطب الشرعي يكشف الإصابات
استند الحكم إلى تقرير الطب الشرعي الذي وصف إصابات بالغة لحقت بالمجني عليه نتيجة سقوطه من علو.
وتضمن التقرير وجود إصابات رضية شديدة بالرأس والصدر والبطن وأجزاء مختلفة من الجسم، إلى جانب كسر بعظام الجمجمة، ونزيف بأنسجة المخ والسحايا، وكسور بالفقرات العنقية، وكسور بالأضلاع، ونزيف داخل التجويف الصدري، وتهتك بالرئتين، فضلًا عن نزيف وتهتك وإصابات بالكبد والكلى.
وخلص الطب الشرعي إلى أن هذه الإصابات تتفق مع حادث سقوط من علو، وأن الوفاة حدثت نتيجة الإصابات الرضية الجسيمة وما نتج عنها من كسور ونزيف وهبوط شديد بالمراكز الحيوية بالدماغ، وانتهى التقرير إلى أن الوفاة إصابية.
أقوال المجني عليه قبل وفاته
وتناولت الحيثيات كذلك ما صدر عن المجني عليه عقب سقوطه، حين تحدث مع بعض شهود الواقعة، وأشار إلى أن أشخاصًا دخلوا عليه مسكنه.
إلا أن المحكمة لم تعتمد على تلك الأقوال باعتبارها دليلًا حاسمًا على كيفية حدوث السقوط، خاصة بعد شهادة الطبيب الشرعي أمام المحكمة، الذي أوضح أن حالة المجني عليه الصحية والنفسية عقب الإصابات الجسيمة أثرت في درجة وعيه وإدراكه وقدرته على التركيز والتقدير والاسترجاع الدقيق للأحداث.
وأوضحت المحكمة أن أقواله صدرت في حالة صحية متأثرة بالإصابات والخوف والألم الشديد، ولذلك رأت أن هذه الحالة تؤثر في دقة وصفه لما حدث قبل سقوطه.
كاميرات المراقبة والأدلة الجنائية
كان للمقطع المصور من كاميرات المراقبة دور أساسي في إثبات وجود المتهمين في العقار، وأشارت الحيثيات إلى ظهور المتهمين أثناء دخولهم العقار وخروجهم منه، وعند عرض المقطع عليهم أقروا بأن الأشخاص الظاهرين فيه هم أنفسهم.
كما أثبت تقرير الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية، حسب الحكم، وجود تطابق في الشكل العام والقياسات البيومترية بين صور المتهمين والأشخاص الظاهرين في المقطع المصور.
وكشفت معاينة مسكن المجني عليه عن وجود تلفيات بباب الشقة، حيث ثبت وجود كسر بالحلق الخشبي بمنطقة الكالون وانثناءات بلسان الكالون، وهي آثار تتفق مع تعرض الباب لضغط ودفع من الخارج والدخول عنوة.
شهادة الجيران ومالك العقار
استمعت النيابة إلى عدد من الشهود، من بينهم مارينا مجدي غبريال برسوم، ومجدي غبريال برسوم، وهالة فكري فهيم خليل، ومصطفى أحمد السيد محمد المسعف، ووالد ووالدة المجني عليه، فضلًا عن أحد أصدقائه.
وقال مالك العقار مجدي غبريال برسوم إن المجني عليه كان يستأجر شقة بالطابق الرابع ويقيم بها بمفرده، وأنه كان شخصًا حسن السلوك ولم تكن له خلافات مع آخرين.
وأضاف أنه استيقظ على استغاثة المجني عليه، وعندما توجه إلى مدخل العقار وجده ملقى على ظهره، مصابًا ولا يستطيع الحركة، فتم استدعاء الإسعاف والشرطة.
كما أكد المسعف الذي وصل إلى مكان الواقعة أن المجني عليه كان مصابًا ويتحدث بصعوبة، وأنه أجرى له الإسعافات الأولية قبل نقله إلى مستشفى 15 مايو.
اعترافات المتهمين تكشف تفاصيل الاقتحام
رغم إنكار المتهمين أمام المحكمة اتهامهم بإزهاق روح المجني عليه، إلا أن الحيثيات أشارت إلى اعترافاتهم أمام جهات التحقيق بوقائع أساسية في القضية.
وأقر المتهمون بتوجههم إلى مسكن المجني عليه بطريق الخطأ بحثًا عن السيدة التي كانوا يعتقدون وجودها داخل الشقة، وبطرق الباب وتهديد المجني عليه، ثم كسر الباب والدخول إلى المسكن عنوة.
كما أقروا بتعاطي المواد المخدرة، بينما أقر المتهم الثاني بأن المجني عليه قفز من شرفة مسكنه خوفًا منهم.
ورأت المحكمة أن هذه الاعترافات، إلى جانب التحريات والمقطع المصور ومعاينة المسكن وتقرير الأدلة الجنائية والطب الشرعي، شكلت أدلة متساندة اطمأنت إليها المحكمة.
المحكمة تعتبر المتهمين فاعلين أصليين
أكدت المحكمة أن المتهمين كانوا جميعًا موجودين في مسرح الواقعة، واتجهوا معًا إلى المكان، وصدرت أفعالهم عن باعث واحد، واتحدت إرادتهم في ارتكاب الجرائم.
واستندت المحكمة إلى المادة 39 من قانون العقوبات في اعتبارهم فاعلين أصليين في الجرائم التي أدينوا بها، دون اشتراط تحديد فعل منفصل لكل متهم ما دام ثبتت مساهمتهم الجماعية في تنفيذ الأفعال الإجرامية.
لماذا أدانتهم المحكمة بالضرب المفضي إلى الموت؟
أوضحت المحكمة أن القانون لا يشترط أن يلامس الجاني جسد المجني عليه بصورة مباشرة حتى تتحقق جريمة الضرب المفضي إلى الموت، إذ يمكن أن تتحقق النتيجة الإجرامية بطريق غير مباشر متى كان فعل الجاني هو الذي أدى إلى وقوع المجني عليه وإصابته.
وفي هذه القضية، رأت المحكمة أن المتهمين، وهم مجموعة من الرجال، توجهوا فجرًا إلى مسكن المجني عليه الذي كان بمفرده، وطرقوا الباب بعنف، وهددوه وسبوه، ثم كسروا الباب ودخلوا عليه عنوة، الأمر الذي بث الرعب في نفسه ودفعه إلى محاولة الفرار بالقفز من الشرفة.
وأكدت المحكمة أن هذه الأفعال، وإن لم تكن مصحوبة بقصد قتل المجني عليه، أدت إلى إصاباته التي أودت بحياته، ومن ثم توافرت جريمة الضرب المفضي إلى الموت في حق المتهمين.
استعراض القوة والبلطجة
اعتبرت المحكمة أن أفعال المتهمين شكلت جريمة استعراض القوة والتلويح بالعنف، بعدما توجهوا إلى المجني عليه فجرًا، وهددوه وسبوه وشتموه، ثم كسروا باب مسكنه ودخلوا إليه عنوة بهدف فرض سطوتهم عليه.
وأوضحت الحيثيات أن هذه الجريمة من جرائم الأثر النفسي، وأن السلوك المادي فيها يكفي إذا كان من شأنه إلقاء الرعب في نفس المجني عليه أو تكدير أمنه وسكينته أو تعريض حياته للخطر، ورأت المحكمة أن ظروف الواقعة أثبتت توافر الركنين المادي والمعنوي للجريمة.
إتلاف الباب واقتحام المسكن
لم تقتصر مسؤولية المتهمين، وفقًا للحكم، على استعراض القوة والضرب المفضي إلى الموت، وإنما ثبت أيضًا ارتكابهم جريمة إتلاف باب مسكن المجني عليه والدخول إلى مسكنه بقصد ارتكاب الجرائم.
واستندت المحكمة إلى اعترافات المتهمين، ومعاينة النيابة العامة، وتقرير الأدلة الجنائية، التي أثبتت وجود تلفيات بباب الشقة تتفق مع كسره والدخول إليها عنوة.
المخدرات.. عقوبة مستقلة
أدانت المحكمة المتهمين كذلك بتعاطي المواد المخدرة، حيث أشارت أوراق القضية إلى تعاطي الحشيش، كما ثبتت مواد أخرى في العينات الخاصة ببعض المتهمين.
وأدين المتهم الأول عن تعاطي الأمفيتامين والترامادول، والمتهم الثالث عن الأمفيتامين والميثامفيتامين، والمتهم الرابع عن الأمفيتامين، بينما تضمنت القضية اتهام جميع المتهمين بتعاطي الحشيش.
وأكدت المحكمة أن تهمة التعاطي مستقلة عن الجرائم الأخرى، ولذلك قضت بعقوبة منفصلة عنها.
الحكم النهائي
انتهت محكمة جنايات القاهرة، الدائرة الرابعة حلوان، إلى معاقبة المتهمين الأربعة بالسجن المشدد لمدة 15 عامًا لكل منهم عن جرائم استعراض القوة والضرب المفضي إلى الموت وإتلاف باب مسكن المجني عليه ودخول المسكن بقصد ارتكاب الجرائم.
كما قضت المحكمة بالسجن ثلاث سنوات وغرامة 10 آلاف جنيه لكل منهم عن تهمة تعاطي المواد المخدرة، وأمرت بوضعهم تحت مراقبة الشرطة لمدة ثلاث سنوات، وألزمتهم بالمصاريف الجنائية.
كما أحالت المحكمة الدعوى المدنية الخاصة بالتعويض المؤقت المطالب به من أسرة المجني عليه إلى المحكمة المدنية المختصة.
وهكذا أسدلت محكمة جنايات القاهرة الستار، في أول درجة، على واحدة من القضايا التي شغلت الرأي العام في حلوان، بعدما فرّقت في حيثياتها بين قصد القتل الذي لم تطمئن المحكمة إلى توافره، وبين المسؤولية الجنائية عن الأفعال التي ارتكبها المتهمون والتي أدت، حسب ما انتهى إليه الحكم، إلى سقوط المحامي عبد الرحمن وحيد فاروق من شرفة مسكنه ووفاته متأثرًا بإصاباته، لتصل العقوبة النهائية إلى 15 عامًا من السجن المشدد لكل متهم، فضلًا عن العقوبات الأخرى المتعلقة بتعاطي المواد المخدرة.







