ضغوط على المواطن..
الكهرباء والديون والضرائب تشعل فتنة بين البرلمان والحكومة
منذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي، تؤكد الحكومة أنه يمثل حجر الأساس لبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، مستندة إلى تحسن عدد من المؤشرات الكلية، مثل معدلات النمو، وارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي، وزيادة الاستثمارات، وتحقيق فائض أولي في الموازنة، باعتبارها نتائج تعكس نجاح السياسات الاقتصادية التي جرى تنفيذها خلال السنوات الماضية.
في المقابل، لا يبدو أن هذه المؤشرات تنعكس بالقدر نفسه على شعور المواطنين، إذ لا يزال كثيرون يربطون تقييمهم للإصلاح الاقتصادي بما يواجهونه يوميًا من ارتفاع في الأسعار، وزيادة تكلفة المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى وصول ثمار الإصلاح إلى الشارع، رغم ما تعلنه الحكومة من نجاحات على مستوى الاقتصاد الكلي.
وتزداد هذه التساؤلات مع استمرار ارتفاع الدين العام، وزيادة الحصيلة الضريبية، وفرض رسوم وأعباء جديدة، بالتزامن مع موجات تضخم متتالية شهدتها الأسواق خلال السنوات الأخيرة.
ويرى اقتصاديون أن نجاح أي برنامج إصلاح لا يتوقف على تحقيق مؤشرات مالية فقط، وإنما يقاس أيضًا بقدرته على تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستويات المعيشة بصورة تدريجية.
وأعاد قرار الحكومة الأخير بزيادة أسعار شرائح الكهرباء هذا الجدل إلى الواجهة، حيث اعتبر كثيرون أن القرار يأتي في وقت لا تزال فيه الأسر تواجه ضغوطًا معيشية متزايدة، بينما ترى الحكومة أن إعادة هيكلة أسعار الطاقة جزء من برنامج الإصلاح وترشيد الدعم وضمان استدامة قطاع الكهرباء وتقليل الأعباء على الموازنة العامة.
انتقادات برلمانية
ولم تقتصر الانتقادات على المواطنين، بل امتدت إلى مجلس النواب، إذ انتقد النائب ضياء الدين داوود قرار زيادة أسعار الكهرباء، معتبرًا أن الحكومة اتخذت القرار في توقيت شديد الحساسية، وأنه يمثل تحميلًا للمواطنين أعباء إضافية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
كما اتهم ضياء الدين داود، الحكومة بالتراجع عن تعهداتها السابقة بعدم تحريك الأسعار قبل نهاية العام، مطالبًا بتحمل مسؤولياتها والاستجابة لمطالب المواطنين بدلًا من فرض مزيد من الأعباء عليهم.
وأضاف أن الحكومة لا تزال، حسب وصفه، تدير الملف الاقتصادي بسياسات تفتقر إلى الوضوح والاستقرار، معتبرًا أن المواطن أصبح الطرف الذي يتحمل فاتورة الإصلاح الاقتصادي في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.
وأكد النائب أن هناك حاجة إلى مراجعة السياسات الاقتصادية بما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية محدودي ومتوسطي الدخل، مطالبًا بمزيد من الشفافية في القرارات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
كما تقدم الدكتور فريدي البياضي، عضو مجلس النواب ونائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، بسؤال برلماني عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة، طالب فيه بتجميد قرار زيادة أسعار الكهرباء لحين عرض بيانات التكلفة والفاقد والخسائر على مجلس النواب ومراجعتها.
وقال «البياضي» إن الحكومة قدمت الزيادة الأخيرة باعتبارها لا تتجاوز في المتوسط 12%، إلا أن مقارنة أسعار الكهرباء منذ يوليو 2021 تكشف عن ارتفاعات تراكمية في بعض الشرائح تراوحت بين نحو 50% و100%، مشيرًا إلى أن القرار يأتي في وقت لا تزال فيه الأسر تواجه ضغوطًا معيشية نتيجة التضخم وارتفاع أسعار الوقود والنقل والسلع والخدمات.
وأضاف أن استمرار تحميل المواطنين تكلفة كل زيادة من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من تآكل القدرة الشرائية، مؤكدًا أن الحكومة مطالبة أولًا بالكشف التكلفة الفعلية لإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، وحجم الفاقد الفني والتجاري، وقيمة المتأخرات المستحقة على الجهات المختلفة، والإجراءات التي اتخذتها لخفض تكاليف التشغيل قبل اللجوء إلى رفع الأسعار.
وشدد «البياضي» على أن الاستدامة المالية لقطاع الكهرباء لا ينبغي أن تتحقق على حساب الاستدامة المعيشية للمواطنين، قائلًا: «المواطن بيدفع لو سعر الوقود زاد، وبيدفع لو سعر الصرف اتحرك، وبيدفع لو تكلفة التشغيل ارتفعت، ولو الحكومة فشلت في خفض الفاقد أو تحصيل مستحقاتها، برضه المواطن هو اللي بيدفع.. المواطن مش ماكينة فلوس، ومش خزنة احتياطية مفتوحة للحكومة».
غياب الشفافية
من ناحيته، قال الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، إن تراجع مستوى رضا المواطنين عن أداء الحكومة يرتبط بالضغوط المعيشية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، في ظل الزيادات المتتالية في أسعار الخدمات، وآخرها تحريك أسعار الكهرباء، إلى جانب الحديث عن زيادات مرتقبة في أسعار الوقود، مؤكدًا أن المواطن يقيم أداء الحكومة من خلال انعكاس السياسات على حياته اليومية، وليس فقط عبر مؤشرات النمو أو الاحتياطي النقدي أو حجم الاستثمارات.
وأضاف، «فهمي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الحكومة تتحدث عن نتائج للإصلاح الاقتصادي يُنتظر أن تظهر مستقبلًا، بينما لا يشعر المواطن حتى الآن بتحسن ملموس في مستوى معيشته، وهو ما ينعكس على حالة الرضا العام، لافتًا إلى أن غياب الشفافية في عرض الصورة الاقتصادية الكاملة يزيد من حالة الجدل لدى المواطنين.
وأوضح أستاذ الاقتصاد، أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في الرسوم والضرائب وارتفاعًا في حجم الدين العام، مشيرًا إلى أن جانبًا كبيرًا من أعباء الدين يذهب لسداد الفوائد، بالتزامن مع استمرار تحريك أسعار عدد من الخدمات الحكومية بصورة متقاربة، وهو ما يضيف أعباء جديدة على المواطنين.
وتابع أن ارتفاع معدلات البطالة، وعدم الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، إلى جانب الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات، يؤدي إلى تآكل أثر أي زيادات تُمنح في الأجور أو المعاشات، فلا يشعر المواطن بتحسن حقيقي في مستوى دخله أو قدرته الشرائية.
في الوقت نفسه، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن هناك مؤشرات إيجابية لا يمكن إغفالها، من بينها تطوير شبكة الطرق والكباري، وتحسن البنية التحتية، واستقرار سوق الصرف نسبيًا، إلى جانب قدرة الاقتصاد على امتصاص عدد من الصدمات الخارجية، لكنه شدد على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يظل مرهونًا بمدى انعكاس نتائجه على مستوى معيشة المواطنين وزيادة قدرتهم على مواجهة أعباء الحياة اليومية.

