رئيس التحرير
خالد مهران

لا حوافز لا ضمانات..

سر غضب المصريين بالخارج من مبادرة «معاشك بالدولار»

مبادرة معاشك بالدولار
مبادرة معاشك بالدولار للمصريين في الخارج

أثارت مبادرة «معاشك بالدولار» الموجهة للمصريين العاملين بالخارج، حالة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رحب البعض بفكرة توفير نظام ادخاري وتأميني بالدولار، بينما طرح آخرون تساؤلات حادة حول مدى ثقة المغتربين في منظومة المعاشات والتأمينات المصرية، خاصة في ظل تزايد المبادرات التي تستهدف مدخراتهم بالعملة الأجنبية ومع عدم تقديم أي حوافز وخاصة بعد قرار وقف إعفاء الهواتف المستوردة من الخارج.

وكانت وثيقة «معاش بالدولار»، أطلقت للمصريين بالخارج بالتعاون بين وزارة الخارجية والهجرة والهيئة العامة للرقابة المالية وشركة مصر لتأمينات الحياة، بهدف توفير معاش إضافي بالدولار إلى جانب الحماية التأمينية والادخار التراكمي بالعملة الأجنبية.

وتتيح الوثيقة أكثر من اختيار لصرف قيمة المبلغ عند الوصول إلى سن الاستحقاق، من بينها الحصول عليه دفعة واحدة أو على دفعات شهرية مضمونة لمدة 10 أو 15 عامًا.

وتأتي أهمية البرنامج في ظل سعي الدولة إلى توسيع قاعدة المنتجات والخدمات التي تستهدف المصريين بالخارج، باعتبارهم مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، ليس فقط من خلال التحويلات، ولكن أيضًا عبر الاستثمار والادخار وشراء المنتجات المالية والعقارية وغيرها من المبادرات.

وبحسب تصريحات سابقة لوزارة الهجرة، فإن الوثيقة تمنح المصري بالخارج مرونة في السداد، إذ لم تكن مرتبطة بإلزامه بدفع مبلغ ثابت دوريًا، مع إمكانية البدء بأقساط مختلفة وزيادة قيمة المعاش المستحق وفقًا لما يسمح به نظام الوثيقة.

انتقادات المصريين في الخارج

ولاقت المبادرة انتقادات واسعة من المصريين في الخارج، حيث أشاروا إلى أن الحكومة مطالبة أولًا بتقديم ضمانات واضحة بشأن آليات إدارة أموال المشتركين، ومدى قوة النظام التأميني، وما إذا كانت قيمة المعاش المستقبلية قادرة بالفعل على توفير حياة كريمة للمستفيدين.

وتعكس بعض التعليقات حالة من الاستياء بين المصريين بالخارج، إذ يرى أصحابها أن كثرة المبادرات التي تستهدف الدولار جعلت المغترب يشعر بأنه يتم التعامل معه باعتباره مصدرًا للعملة الصعبة قبل النظر إلى احتياجاته ومطالبه.

وطرح أحد المصريين بالخارج سلسلة من التساؤلات حول المبادرة، قائلًا: «هل سيستم التأمينات شغال؟ وهل المغترب يحتاج إلى نظام المعاشات المصري؟ وهل أموال التأمينات بعيدة عن أي عبث أو سوء إدارة؟ وهل تم علاج مشاكل أصحاب المعاشات وأصبحت قيمة المعاش تكفل حياة كريمة؟».

كما تساءل عن مدى استعداد المصريين بالخارج للثقة في مبادرة جديدة، في ظل تجارب سابقة مع مبادرات موجهة لهم، قائلًا: «هل تعتقد أن العاملين بالخارج سذج ليثقوا في حكومة أهدرت الأصول وباعت الخصوم؟».

ولم تقتصر الانتقادات على مبادرة «معاشك بالدولار»، إذ أعاد التعليق التذكير بمبادرة سيارات المصريين بالخارج، متسائلًا عن مدى نجاحها، وما إذا كانت التجربة السابقة تمنح المغتربين ثقة كافية للدخول في مبادرات جديدة.

كما جاءت أزمة الهواتف المحمولة لتضيف وقودًا إلى حالة الجدل، بعد الإجراءات الخاصة بالأجهزة الواردة من الخارج والرسوم المقررة عليها، إذ رأى عدد من المصريين بالخارج أن فرض أعباء جديدة عليهم يتناقض مع الرسائل الحكومية المتكررة التي تدعوهم إلى الاستثمار وتحويل أموالهم إلى مصر.

وأصبح نجاح «معاشك بالدولار» مرتبطًا بمدى قدرة الحكومة على الإجابة عن تساؤلات المصريين بالخارج، وتقديم ضمانات واضحة حول إدارة أموالهم، إلى جانب توفير حوافز حقيقية ومستقرة لهم.

توقعات بإقبال ضعيف

في هذا السياق، قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي ومدير عام مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، إن مبادرة «معاشك بالدولار» تعد بمثابة وثيقة تأمين للمصريين في الخارج، يتم سداد قسط شهري لها، على أن يحصل المشترك على مستحقاته في نهاية المدة المتفق عليها، وفقًا لشروط وضوابط الوثيقة.

وأضاف «عامر»، -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»-، أن الدولة المصرية تحتاج إلى مثل هذه المبادرات، وخاصة المبادرات الموجهة للمصريين في الخارج، بهدف زيادة أرصدة ومصادر الدولار داخل البلاد، في ظل أهمية العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، مشيرًا إلى أن استهداف مدخرات المصريين بالخارج وتحفيزهم على توجيه جزء من أموالهم إلى مصر يمثل أحد المصادر التي يمكن الاعتماد عليها في دعم موارد الدولة من النقد الأجنبي.

ولفت إلى أن المبادرات المصرية الموجهة للمصريين في الخارج لا تزال تفتقر إلى الحوافز والضمانات الكافية، موضحًا أن المبادرات الموجودة في الخارج، وخاصة المنتجات التأمينية، تقدم عروضًا وحوافز أفضل، فضلًا عن أن المصري المقيم بالخارج من الوارد جدًا أن يكون لديه بالفعل وثيقة تأمين أو نظام تأمين على الحياة في الدولة التي يقيم فيها.

وأشار «عامر»، إلى أن وثائق التأمين ليست مقتصرة على دولة بعينها، وإنما تعد من المنتجات المالية والتأمينية الشائعة في مختلف دول العالم، وبالتالي فإن المصري المقيم بالخارج قد يفضل الحصول على مثل هذه الوثائق في الدولة التي يعيش بها، بدلًا من الدخول في إجراءات خارجية قد تكون أكثر تعقيدًا بالنسبة له في مصر، خاصة مع رغبته في ضمان أمواله والاستفادة من الخدمات التأمينية في الدولة التي يقيم ويعمل بها.

وتوقع الخبير الاقتصادي، إقبالًا ضعيفًا على مبادرة «معاشك بالدولار»، في ظل عدم وجود حوافز كافية تجعل المصري بالخارج يرى جدوى واضحة من الاشتراك فيها مقارنة بالبدائل المتاحة أمامه في الدولة التي يعيش بها.

وأكد أن الأزمة التي نشبت بين عدد من المصريين بالخارج والحكومة على خلفية قرار وقف الإعفاء الخاص بالهواتف المحمولة المستوردة سيكون لها تأثير على مستوى الثقة بين المغتربين والحكومة، مشيرًا إلى أن تداعيات هذه الأزمة قد تمتد إلى المبادرات المستقبلية الموجهة للمصريين بالخارج، وليس إلى مبادرة «معاشك بالدولار» فقط، بما قد يؤثر على مدى استعدادهم للتفاعل مع أي مبادرات جديدة تستهدف مدخراتهم.

وشدد «عامر» على أن المصري المقيم بالخارج ينظر في المقام الأول إلى حجم الاستفادة التي سيحصل عليها مقابل الدولارات التي يرسلها إلى مصر، موضحًا أن الحافز الذي يمكن أن يدفعه للمشاركة في مبادرة «معاشك بالدولار» غير واضح بالشكل الكافي في الوقت الحالي.

وأضاف أن المصري بالخارج عندما يقارن بين الاشتراك في المبادرة وبين البدائل المتاحة أمامه، قد يجد أن وضع وديعة أو مدخراته في أحد البنوك بالدولة التي يعيش فيها يمكن أن يمنحه عائدًا شهريًا أو سنويًا أفضل من العائد الذي يمكن أن يحصل عليه من المبادرة، وهو ما يجعل قرار الاشتراك فيها بحاجة إلى حوافز أقوى ومزايا أكثر وضوحًا حتى تصبح جاذبة للمصريين بالخارج.