علي الهواري يكتب:«اتفاقية مكة»..الأسباب الأهداف والتداعيات والتحديات
لم يكن توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان حدثا عابرا في المشهد الإقليمي، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، بعد أشهر من الحرب الأمريكية الإيرانية التي أعادت رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط، ودفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية وتحالفاتها الاستراتيجية.
فالتاريخ يؤكد أن الحروب الكبرى لا تنتهي فقط بتغيير الخرائط العسكرية، وإنما تعيد أيضًا تشكيل منظومة التحالفات، وتدفع الدول إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تتناسب مع البيئة الاستراتيجية المستجدة، ومن هذا المنطلق، يثار سؤال مهم: هل تمثل اتفاقية مكة انعكاسا مباشرا للتحولات التي فرضتها الحرب الأمريكية الإيرانية؟
شرق أوسط جديد أمنيا
أظهرت الحرب الأخيرة أن البيئة الأمنية في المنطقة أصبحت أكثر هشاشة وتعقيدا، فقد أثبتت المواجهة أن أي تصعيد بين القوى الكبرى يمكن أن يمتد سريعا إلى دول الجوار، سواء عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، أو من خلال استهداف خطوط الملاحة البحرية، أو عبر التأثير على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
هذه التطورات دفعت عددا من القوى الإقليمية إلى الاقتناع بأن الاعتماد على الترتيبات الأمنية التقليدية لم يعد كافيا، وأن تعزيز القدرات الذاتية وبناء شراكات إقليمية أصبح ضرورة أكثر من كونه خيارًا
من الاعتماد على الحماية إلى بناء الردع
شهدت العقود الماضية اعتماد العديد من دول المنطقة على المظلة الأمنية التي توفرها القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت طرح تساؤلات حول طبيعة هذه الضمانات، ومدى قدرتها على توفير حماية كاملة في حال اندلاع أزمات واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة اتفاقية مكة باعتبارها محاولة لتعزيز التعاون الدفاعي بين ثلاث قوى إقليمية تمتلك إمكانات عسكرية وصناعية وبشرية كبيرة، بما يسهم في رفع مستوى التنسيق والجاهزية وتعزيز الردع الجماعي.
مصالح تتجاوز البعد العسكري
لا تقتصر أهمية الاتفاقية على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى أبعاد سياسية واقتصادية وصناعية.
فالسعودية تمتلك إمكانات مالية كبيرة وتسعى إلى توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية 2030، بينما قطعت تركيا شوطا واسعا في تطوير صناعاتها الدفاعية، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة القتالية، في حين تمتلك باكستان خبرة عسكرية طويلة وقاعدة صناعية دفاعية، فضلا عن كونها قوة نووية.
ومن ثم، فإن التعاون بين هذه الدول قد يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة في التصنيع العسكري، ونقل التكنولوجيا، والتدريبات العسكرية، وتبادل الخبرات، بما يعزز استقلالية القرار الدفاعي.
هل تغيرت موازين القوى؟
من المبكر الحديث عن تحول جذري في موازين القوى بمجرد توقيع اتفاقية دفاعية، غير أن الاتفاقية قد تكون مؤشرا على اتجاه إقليمي نحو تنويع الشراكات الأمنية، في ظل بيئة استراتيجية تشهد تنافسا متزايدا بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب استمرار التوتر مع إيران.
كما أن الاتفاق يعكس رغبة الدول الثلاث في امتلاك أدوات أكبر للتعامل مع التحديات الإقليمية، سواء كانت تهديدات عسكرية مباشرة أو مخاطر تتعلق بأمن الملاحة البحرية أو الإرهاب أو حماية البنية التحتية الحيوية.
رسائل الاتفاقية
تحمل اتفاقية مكة عدة رسائل سياسية واستراتيجية، أبرزها أن التعاون الإقليمي أصبح خيارا أساسيا في مواجهة التحديات المشتركة، وأن الدول الثلاث تسعى إلى بناء إطار مؤسسي للتنسيق الدفاعي يعزز أمنها الجماعي.
وفي الوقت نفسه، أكدت التصريحات الرسمية أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها، وإنما تركز على تعزيز الردع وحماية الأمن والاستقرار، وهو ما يعكس حرص الأطراف الموقعة على تجنب تحويلها إلى محور موجه ضد طرف محدد.
مستقبل التحالفات الإقليمية
إذا نجحت اتفاقية مكة في الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، عبر المناورات المشتركة، وتبادل المعلومات، والتعاون في الصناعات الدفاعية، فقد تمثل بداية لنموذج جديد من التعاون الأمني الإقليمي.
لكن نجاحها سيظل مرتبطا بقدرة الدول الثلاث على مواءمة مصالحها الاستراتيجية، وإدارة التحديات السياسية والاقتصادية، وتحويل المبادئ العامة إلى آليات عملية قابلة للتنفيذ.
إلى من توجه اتفاقية مكة رسائلها؟
ورغم تأكيد الدول الثلاث أن اتفاقية مكة لا تستهدف أي دولة بعينها، فإن توقيتها وطبيعة بنودها يمنحانها أبعادا استراتيجية تتجاوز إطار التعاون الدفاعي التقليدي.
فمن المرجح أن تحمل الاتفاقية رسائل ردع إلى أي طرف قد يفكر في تهديد أمن السعودية أو تركيا أو باكستان، بما في ذلك القوى الإقليمية التي تمتلك قدرات صاروخية أو نفوذا عبر وكلاء مسلحين، كما تمثل رسالة إلى القوى الدولية بأن الدول الثلاث تسعى إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالية وقدرة على حماية مصالحها، دون أن يعني ذلك بالضرورة استبدال تحالفاتها القائمة.
وفي الوقت ذاته، تعكس الاتفاقية رغبة في تعزيز الاستقرار الإقليمي عبر رفع مستوى التنسيق الدفاعي، وهو ما يجعلها أداة للردع أكثر منها إطارا للمواجهة، وفقًا لما أعلنته الأطراف الموقعة.
تحديات قد تعرقل تنفيذ الاتفاقية
ورغم الأهمية الاستراتيجية لاتفاقية مكة، فإن نجاحها سيظل مرتبطا بقدرة الدول الثلاث على تجاوز عدد من التحديات السياسية والدبلوماسية، ومن أبرز هذه التحديات الدور الذي تضطلع به باكستان في الوساطة بين أطراف النزاعات الإقليمية، إذ تحرص إسلام آباد تقليديا على الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف القوى في المنطقة، وهو ما قد يفرض عليها موازنة دقيقة بين التزاماتها بموجب الاتفاقية ورغبتها في الاحتفاظ بدور الوسيط.
كما تواجه الاتفاقية تحديات أخرى تتعلق بتباين أولويات السياسة الخارجية للدول الثلاث، واختلاف تقديراتها لطبيعة التهديدات الأمنية، فضلًا عن الحاجة إلى وضع آليات تنفيذ واضحة تشمل القيادة المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وإجراء المناورات العسكرية، وآليات اتخاذ القرار في حالات الأزمات.
وإلى جانب ذلك، قد تشكل ردود فعل القوى الإقليمية والدولية عاملًا مؤثرا في مسار الاتفاقية، إذ ستسعى هذه الأطراف إلى تقييم انعكاساتها على توازنات الأمن في المنطقة، وهو ما قد يفرض على الدول الثلاث إدارة الاتفاق بحذر للحفاظ على هدفه المعلن المتمثل في تعزيز الأمن والاستقرار، دون الانزلاق إلى محاور أو استقطابات جديدة.
ومن المتوقع أن يحظى انخراط تركيا في اتفاقية مكة باهتمام داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، باعتبارها عضوًا في الحلف وتتمتع بالتزامات دفاعية قائمة في إطاره.
ومن المرجح أن يركز الحلف على مدى انسجام أي ترتيبات دفاعية جديدة مع التزامات أنقرة داخل الناتو، وعلى ما إذا كانت الاتفاقية ستشكل إطارا مكملا للتعاون الأمني أم ستؤدي إلى تداخل في آليات التنسيق والقيادة.
وفي المقابل، لا توجد قاعدة عامة تمنع الدول الأعضاء في الناتو من إبرام اتفاقيات دفاعية أو أمنية ثنائية أو متعددة الأطراف خارج إطار الحلف، ما دامت لا تتعارض مع التزاماتها الأساسية، لذلك، فإن أي موقف قد يصدر عن الناتو سيتوقف على تفاصيل تنفيذ الاتفاقية وطبيعة التعاون العسكري الذي ستنص عليه، ومدى تأثيره في منظومة الأمن الجماعي للحلف، أكثر من كونه اعتراضا على مبدأ التعاون الدفاعي في حد ذاته.
كيف يمكن أن تنظر الولايات المتحدة إلى الاتفاقية؟
من المرجح أن تتابع الولايات المتحدة اتفاقية مكة باهتمام، نظرا إلى أن الدول الثلاث الموقعة ترتبط بعلاقات استراتيجية وعسكرية وثيقة مع واشنطن، وإن اختلفت طبيعة هذه العلاقات من دولة إلى أخرى.
وقد ترى الإدارة الأمريكية في الاتفاقية، إذا ظلت منسجمة مع الشراكات الدفاعية القائمة، خطوة تسهم في تعزيز القدرات الدفاعية لحلفائها وتقاسم أعباء الأمن الإقليمي، وهو ما يتوافق مع توجهات أمريكية تدعو الشركاء إلى تحمل دور أكبر في حماية أمنهم.
وفي المقابل، قد تراقب واشنطن عن كثب مسار تنفيذ الاتفاقية، ولا سيما إذا تطور التعاون الدفاعي إلى مستويات قد تؤثر في ترتيبات الأمن الإقليمي أو في توازنات التحالفات التقليدية، ومن ثم، فإن رد الفعل الأمريكي سيعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة تطبيق الاتفاقية، ومدى انسجامها مع المصالح الأمريكية، وما إذا كانت ستبقى إطارا لتعزيز الدفاع المشترك بين الحلفاء أم ستتطور إلى تكتل أمني ذي استقلالية أكبر في قراراته الاستراتيجية.
شبهة البعد الطائفي
ورغم أن البيانات الرسمية الصادرة عن الدول الثلاث شددت على أن اتفاقية مكة ذات طابع دفاعي ولا تستهدف أي دولة بعينها، فإن بعض المراقبين قد يثيرون تساؤلات بشأن ما إذا كانت تحمل بعدًا طائفيا، بالنظر إلى طبيعة الاستقطابات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، غير أن الربط بين الاتفاقية والانقسام السني–الشيعي يظل استنتاجا يحتاج إلى أدلة تتجاوز الاعتبارات الجيوسياسية، إذ إن الوثائق والتصريحات المعلنة ركزت على مفاهيم الأمن الجماعي والردع والتعاون العسكري، ولم تتضمن إشارات ذات طابع مذهبي.
ومع ذلك، فإن نجاح الاتفاقية في تجنب هذا الانطباع سيعتمد إلى حد كبير على ممارساتها العملية وخطابها السياسي، ومدى انفتاحها على دعم أمن واستقرار المنطقة بصورة شاملة، بعيدًا عن تكريس الاستقطابات المذهبية أو تحويلها إلى إطار ينظر إليه باعتباره موجهًا ضد مكون ديني أو طائفي بعينه.
تأثير الاتفاقية على موازين القوى في الشرق الأوسط
إذا دخلت اتفاقية مكة حيز التنفيذ الفعلي، فإنها قد تمثل أحد أبرز المتغيرات في معادلة الأمن الإقليمي، لما تضمه من ثلاث دول تمتلك ثقلا سياسيا وعسكريًا واقتصاديا، فالسعودية تعد قوة اقتصادية وفاعلا رئيسيا في أسواق الطاقة، وتركيا تمتلك واحدة من أكبر الجيوش في حلف الناتو وقاعدة متقدمة في الصناعات الدفاعية، بينما تتمتع باكستان بقدرات عسكرية كبيرة وتعد الدولة الإسلامية الوحيدة المالكة للسلاح النووي.
ويمنح هذا المزيج الاتفاقية ثقلا استراتيجيا قد يعزز قدرة الدول الثلاث على الردع والتأثير في التوازنات الإقليمية، ومع ذلك، فإن مدى تأثيرها في موازين القوى سيظل مرهونًا بقدرتها على التحول من إطار سياسي إلى منظومة دفاعية عملية، عبر إنشاء هياكل للتنسيق العسكري، وإجراء مناورات مشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتوحيد الرؤى تجاه التحديات الأمنية.
وفي المقابل، قد تدفع هذه الخطوة قوى إقليمية أخرى إلى إعادة تقييم سياساتها الأمنية أو تعزيز تحالفاتها، بما قد يسهم في إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
قد لا تكون الحرب الأمريكية الإيرانية السبب الوحيد وراء اتفاقية مكة، لكنها تبدو من أبرز العوامل التي سرعت الحاجة إلى إعادة النظر في ترتيبات الأمن الإقليمي، فالمنطقة تمر بمرحلة تتغير فيها موازين القوة وتتبدل أنماط التحالفات، وهو ما يدفع الدول إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون الدفاعي.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها محاولة لبناء شراكة أمنية أكثر تنظيما بين السعودية وتركيا وباكستان، في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين، ويبقى مدى تأثيرها في موازين القوى مرهونا بآليات تنفيذها، وبمدى قدرتها على التحول من إعلان سياسي إلى تعاون دفاعي مؤسسي طويل الأمد.