هل تشعل أمريكا الفتنة بين السنة والشيعة ثم تترك المنطقة لمصيرها؟
في ظل التصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، وتوسّع نطاق الضربات الإيرانية لتشمل دولًا عربية خليجية تضم بين سكانها نسبًا من أتباع المذهب الشيعي، تتزايد المخاوف من أن يتجاوز الصراع أبعاده السياسية والعسكرية، وينزلق إلى مواجهة مذهبية سنية ـ شيعية، بما ينذر بتداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها ووحدة مجتمعاتها.
فلم يعد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية مرتبطة بالنفوذ والمصالح الاستراتيجية، إذ تزداد المخاوف من أن يتجاوز حدود المواجهة بين الدول والقوى المتصارعة، لينزلق إلى صراع مذهبي بين السنة والشيعة.
وإذا انتقلت المواجهة من ساحات السياسة والحرب إلى ساحات الهوية والمذهب، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة شديدة الخطورة، تتحول فيها الخلافات السياسية إلى انقسامات طائفية يصعب احتواؤها.
فالشرق الأوسط، الذي أنهكته الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية، لا يحتمل فتح جبهة جديدة عنوانها المذهب والطائفة. وقد يؤدي تحويل الصراع الأميركي ـ الإيراني إلى مواجهة سنية ـ شيعية إلى إشعال نيران الفتنة في دول عدة، وإعادة إنتاج صراعات قديمة بأدوات أكثر دموية، بما يهدد وحدة المجتمعات والدول ويقضي على الأخضر واليابس، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من العنف والتطرف والانتقام المتبادل.
ومن هنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فالحروب قد تنتهي باتفاقات سياسية، أما الحروب المذهبية فتترك جراحًا عميقة في الذاكرة الجمعية، وتحتاج أجيالًا طويلة حتى تلتئم. لذلك فإن منع تحويل الصراع الأميركي ـ الإيراني من مواجهة جيوسياسية إلى فتنة سنية ـ شيعية لا يمثل مسؤولية طرف بعينه، وإنما ضرورة لحماية استقرار المنطقة ومنعها من الانزلاق إلى واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث.
فقد كشفت دراسة بحثية لمجلس العلاقات الخارجية البريطانى، حول جذور الصراع السني الشيعي في الشرق الأوسط أن الخلاف المذهبي، الذي يمتد تاريخيًا إلى القرون الأولى للإسلام، تحول في العصر الحديث إلى أحد العوامل التي تغذي النزاعات والفتن الطائفية في عدد من دول المنطقة، ولا سيما العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، مع تحوله في بعض الحالات إلى أداة للصراع على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية.
وتشير الدراسة إلى أن التوتر السني الشيعي لا يمكن تفسيره بالعامل الديني وحده، إذ تتداخل معه عوامل سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية، فيما استغلت قوى إقليمية الانقسام المذهبي لتعزيز مصالحها ومواقعها في صراعها على قيادة العالم الإسلامي، وفي مقدمتها السعودية ذات الغالبية السنية وإيران ذات الأغلبية الشيعية.
خلاف سياسي تحول إلى انقسام مذهبي
يرجع أصل الانقسام إلى الجدل الذي أعقب وفاة النبي محمد ﷺ عام 632 ميلادية بشأن مسألة الخلافة؛ إذ رأى فريق أن الخلافة تكون بالاختيار لمن تتوافر فيه شروطها، بينما رأى أنصار علي بن أبي طالب أن الأولوية يجب أن تكون لأهل بيت النبي.
ومع مرور الزمن، تطور الخلاف السياسي إلى اختلافات دينية وفقهية ومؤسسات دينية مستقلة، وترسخت الهوية الشيعية بصورة أكبر بعد مقتل الحسين بن علي في واقعة كربلاء عام 680، التي أصبحت لاحقًا إحدى أهم ركائز الذاكرة والهوية الشيعية.
ورغم ذلك، عاش السنة والشيعة قرونًا طويلة جنبًا إلى جنب، وتشترك الطائفتان في أصول إسلامية وعقائد أساسية، من الإيمان بالقرآن والنبي محمد ﷺ إلى أركان الإسلام، مع وجود اختلافات في بعض المسائل الفقهية ومفهوم السلطة الدينية والسياسية.
من الخلاف التاريخي إلى صراع النفوذ
ظل السنة يمثلون الأغلبية في معظم العالم الإسلامي، بينما تركزت الكثافة الشيعية في إيران والعراق وأجزاء من الخليج ولبنان ومناطق أخرى.
وشهد القرن السادس عشر تحولًا مهمًا مع صعود الدولة الصفوية في إيران واتخاذها المذهب الشيعي مذهبًا رسميًا، ودخولها في صراع طويل مع الدولة العثمانية السنية. وأسهم ذلك في تكريس البعد السياسي والجغرافي للانقسام المذهبي في المنطقة.
لكن الصراع أخذ منحى جديدًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، عندما أقامت إيران نظامًا سياسيًا يقوم على مفهوم ولاية الفقيه، وأصبحت طهران لاعبًا إقليميًا رئيسيًا وداعمًا لقوى وحركات شيعية في عدد من الدول.
في المقابل، عززت السعودية نفوذها الديني والسياسي في مواجهة المد الإيراني، وخصوصًا بعد تحول إيران إلى قوة إقليمية تعلن تبنيها للمذهب الشيعي، الأمر الذي أعاد إحياء التنافس السني الشيعي على مستوى المنطقة.
ومع ذلك، تحذر الدراسة من اختزال ولاء الشيعة العرب في إيران، مؤكدة أن الانتماء المذهبي ليس العامل الوحيد الذي يحدد المواقف السياسية؛ فقد حارب شيعة عراقيون إلى جانب بلادهم ضد إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية، كما شهدت الساحة الشيعية نفسها خلافات وصراعات سياسية وعسكرية.
سوريا والعراق.. ساحتا الحرب بالوكالة
ظهر أثر هذا التنافس بصورة واضحة في سوريا والعراق. ففي سوريا، تحولت الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011 إلى حرب أهلية واسعة، سرعان ما اكتسبت أبعادًا طائفية وإقليمية.
ودعمت إيران حكومة بشار الأسد، وقدمت لها مساعدات عسكرية ومالية، كما شاركت جماعات مسلحة حليفة لطهران، بينها حزب الله وميليشيات عراقية، في القتال إلى جانب القوات الحكومية.
وفي المقابل، تلقت جماعات سورية معارضة دعمًا من دول إقليمية سنية، وانضم إلى بعضها مقاتلون أجانب وتنظيمات متطرفة ذات خطاب معادٍ للشيعة.
وفي العراق، أدى الغزو الأمريكي عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين إلى إعادة تشكيل النظام السياسي على أسس جديدة، مع صعود القوى الشيعية، الأمر الذي غذى مخاوف قطاعات من السنة، وفتح الباب أمام صراعات طائفية دامية.
واستغلت تنظيمات متطرفة، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة في العراق ثم تنظيم داعش، هذا المناخ لإشعال العنف الطائفي. وكان أبو مصعب الزرقاوي من أبرز من تبنوا استراتيجية استهداف الشيعة بهدف دفع البلاد إلى حرب أهلية، قبل أن يتمكن تنظيم داعش لاحقًا من السيطرة على مناطق واسعة في العراق وسوريا.
الفتنة.. سلاح يتجاوز حدود الطوائف
تكشف تجربة العراق وسوريا أن الخطاب الطائفي لا ينشأ دائمًا من الخلاف الديني ذاته، بل يمكن أن يتحول إلى أداة تستخدمها الأطراف المتصارعة لتعزيز النفوذ وحشد الأنصار وإضعاف الخصوم.
كما أن الصراع لم يكن دائمًا بين السنة والشيعة فقط، فقد نشبت صراعات داخل كل طائفة نفسها بسبب التنافس على السلطة والنفوذ، ما يؤكد أن العامل السياسي والجيوستراتيجي يظل حاضرًا بقوة خلف الخطاب المذهبي.
ومع اتساع نطاق الحروب بالوكالة، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية، وأصبحت جماعات مسلحة ذات توجهات طائفية تمتلك القدرة على إشعال صراعات تتجاوز حدود الدول.
خطر إعادة رسم المنطقة
لم تقتصر تداعيات الصراع الطائفي على سقوط الضحايا والتهجير، بل ساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات الاجتماعية وظهور مناطق نفوذ خارجة عن سيطرة الحكومات المركزية.
وفي سوريا والعراق خصوصًا، أدى تراجع سلطة الدولة إلى بروز مناطق نفوذ مرتبطة بالهوية الطائفية أو العرقية أو السياسية، ما أثار مخاوف من إعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
ويزداد الخطر مع وجود ملايين النازحين واللاجئين، وانتشار السلاح، وصعود التنظيمات المتطرفة، وتدخل القوى الإقليمية والدولية في الصراعات الداخلية.
الفتنة.. الخطر الأكبر
تخلص الدراسة إلى أن استمرار التنافس الإقليمي عبر ساحات عربية متعددة قد يحول الانقسام المذهبي من خلاف سياسي قابل للاحتواء إلى صراع مجتمعي طويل الأمد.
والأخطر أن تتحول المواجهة بين الدول والقوى السياسية إلى مواجهة بين السنة والشيعة، بما يسمح بتعميم مسؤولية الحكومات والتنظيمات على طوائف بأكملها.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود اختلاف مذهبي تاريخي بين المسلمين، وإنما في توظيف هذا الاختلاف سياسيًا وعسكريًا وتحويله إلى وقود لحروب المنطقة.
فإذا نجحت القوى المتصارعة في نقل معاركها من صراع على النفوذ والمصالح إلى صراع بين الهويات، فإن الشرق الأوسط سيكون أمام فتنة قد تتجاوز حدود الحرب الحالية، وتهدد السلم الأهلي ووحدة الدول وتفتح الباب أمام موجات جديدة من التطرف والعنف يصعب إيقافها.
من سايكس بيكو إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط: 1916- 2026
يقول الدكتور على الدين هلال، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، في مقال بعنوان « من سايكس بيكو إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط: 1916- 2026»: أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس بالضرورة وجود خرائط جاهزة لتقسيم الدول، وإنما تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات مذهبية وعرقية.
فحين يتحول الصراع على النفوذ إلى صراع بين السنة والشيعة، أو بين العرب والأكراد، أو بين الطوائف والجماعات الدينية، يصبح المجتمع نفسه أداة لإعادة إنتاج التقسيم. وهنا لا تحتاج القوى الخارجية إلى رسم الحدود مباشرة؛ إذ قد تؤدي الحروب الأهلية والانقسامات الداخلية إلى إنتاج خرائط جديدة على الأرض.
وتزداد خطورة هذا السيناريو مع استمرار الصراع الأمريكي ـ الإيراني، إذ إن انتقال المواجهة من صراع جيوسياسي إلى صراع مذهبي سني ـ شيعي سيكون بمثابة الشرارة التي يمكن أن تشعل أجزاء واسعة من المنطقة، وتعيد إنتاج مشاهد العراق وسوريا ولبنان واليمن في ساحات أخرى.