رئيس التحرير
خالد مهران

أرقام مزيفة.. كيف سقطت التعليم العالي في فخ مواقع وهمية لتصنيفات عالمية للجامعات؟

كيف سقطت التعليم
كيف سقطت التعليم العالي في فخ مواقع وهمية لتصنيفات عالمية؟

465 ترتيب جامعة القاهرة بتصنيف «ويبوميتركس» الأصلى مقابل 405 وفقًا لبيان الوزارة

2082 ترتيب جامعة أسوان بتصنيف «ويبوميتركس» الأصلى مقابل 1517 وفقًا لبيان الوزارة

الدكتور محمد عبدالعزيز: سمعة الجامعات المصرية أمن قومى ويجب تحرى الدقة فيما يُنشر بشأنها

الدكتور وائل كامل: ما حدث لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطأ لكنه انعكاس لحالة الهوس بالتصنيفات الدولية

بشكل دوري وعلى فترات متقاربة تصدر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بيانات تكشف تقدم الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية، آخرها إعلان الوزارة -قبل نحو شهر- تقدم 29 جامعة في التصنيف الأمريكي «US news نيوز» لعام 2026، على مستوى الجامعات المُصنفة وترتيبها العالمي ومستوى الأداء البحثي، وتحرص التعليم العالي على إصدار بيانات تكشف تقدم الجامعات في التصنيفات كافة الكبرى منها والصغرى.

الطامة الكُبرى تمثلت في وقوع الوزارة في فخ النقل عن مصدر غير موثوق، عقب إعلانها في يناير الماضي، عن إدراج 10 جامعات في تصنيف «ويبوميتريكس العالمي» ضمن أفضل 1000 جامعة في العالم.

بيان وزاري

قالت الوزارة -في بيانها- إن 83 مؤسسة تعليمية وبحثية تمكنت من الوصول إلى القائمة الرئيسية للتصنيف العالمي، التي ضمت نحو 8 آلاف مؤسسة.

وزير التعليم العالي والبحث العلمي -آنذاك- الدكتور أيمن عاشور، أكد أن إدراج المؤسسات التعليمية المصرية في تصنيف «ويبوميتركس»، العالمي لنسخة يناير 2026، جاء استكمالًا لنجاحاتها في تحقيق ذلك التواجد القوي داخل التصنيفات الدولية.

«عاشور» أشار أيضًا، إلى أهمية نتائج الجامعات المصرية في تصنيف «ويبوميتركس» العالمي، والذي وصفه بأنه يهتم بتقييم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية وفق مدى حضورها الرقمي وتأثيرها العلمي وانفتاحها البحثي وتميزها الأكاديمي، مُعتبرًا أن التطوير مجرد تحسين محلي؛ ولكنه بات يهدف لمواكبة أحدث التوجهات العالمية بالتحول الرقمي وتعزيز التواجد على شبكة الإنترنت.

تصنيف «ويبوميتركس» الحقيقي

السقوط في الفخ

ورغم شهرة تصنيف «ويبوميتركس»، وحديث الوزير عن مدى أهمية إدراج الجامعات المصرية في نسخته يناير 2026، لم تنتبه «التعليم العالي» إلى أنها نقلت أرقامًا وهمية عبر مواقع غير رسمية تنتحل صفة التصنيف العالمي.

وقوع الوزارة في فخ المواقع المنتحلة، كان بسبب عدم اكتراثها بالتدقيق بشأن تصنيف «ويبوميتركس» الأصلي، وإلا كانت علمت أن القائمين على المشروع، قرروا منذ تصنيف يوليو 2025، تغيير منهجية التصنيف لتعتمد على قواعد بيانات جديدة من «open Alex» وهي قاعدة بيانات مفتوحة للأبحاث والاستشهادات العلمية، بدلًا من استخدام بيانات الباحث العلمي من «جوجل سكولار»، وهو محرك بحث مجاني مخصص للبحث في المؤلفات العلمية والأكاديمية، وفق تقارير صحفية.

ضوابط للنزاهة

200 يورو من كل جامعة -لضمان مواجهة المواقع المنتحلة- شرط حصولها على التصنيف الكامل للجامعات، كان عائقًا آخر بين وصول الوزارة إلى المعلومات الأرقام الصحيحة من الموقع الأصلي، في حين إتاحة التصنيف كاملًا مجانًا للباحثين، حسبما أكد أستاذ العلوم البيئية بعدد من الجامعات والباحث المستقل فلاديمير موسكوفين، في مقال منشور على موقع كلية لندن للاقتصاد ومنهجية التصنيف الموضحة في تقرير يناير 2026.

تصنيف مزيف من موقع منتحل صفة «ويبوميتركس»

يُشار إلى أن تصنيف «ويبوميتركس» أطلقه مختبر «Cybermetrics- القياسات السيبرانية» التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية بإسبانيا عام 2004؛ لسد الفجوة بين التصنيفات الكبرى مثل «QS» و«US» وجامعات دول الجنوب العالمي، وعلى مدار عامين من تاريخ إطلاقه كان يُصدر تحديثين في يناير ويوليو من كل عام.

شرط الـ200 يورو والمنهجية الجديدة وتحديات مالية أخرى، كانت جميعها أسباب لغلق الموقع الرسمي، والذي كان ينشر النتائج كافة، ما أدى إلى ظهور عدة مواقع منتحلة تنشر أرقامًا وهمية وغير صحيحة، وتعتمد على مصادر متنوعة، وفقًا للباحث موسكوفين.

نتائج وهمية مجانية

المواقع المنتحلة تشارك الأرقام والنتائج غير الصحيحة مجانًا، الأمر الذي جعل الكثير من الجامعات والمؤسسات الرسمية تقع في شباك أفخاخها، باعتبارها المصدر الرسمي للتصنيف الدولي، وكانت وزارة التعليم العالي إحدى ضحاياها.

ويؤكد الباحث موسكوفين في مقاله، أنه رصد 178 بيانًا صحفيًا من الجامعات وأخبار بعض المؤسسات الإعلامية، استقدت معلوماتها من التصنيفات المغلوطة في 25 دولة، تصدرتها إندونيسيا التي نشرت 94 خبرًا وبيانًا.

في فبراير 2026، قام إيسيدرو أجويلو «ناشر التصنيف»، بنشر عبر حسابه على منصة «X»، مستند يكشف ترتيب الجامعات المصرية، مدونًا معه: «الجامعات المصرية في إصدار يناير 2026 من تصنيف ويبوميتريكس للجامعات»، ووفقًا للتصنيف الذي شاركه جاءت جامعة القاهرة بالمركز 456 عالميًا والرابع عربيًا، وتلتها جامعة الإسكندرية بالمرتبة 592 عالما والسادس عربيًا، في حين جاءت جامعة المستقبل بالترتيب 831 عالميًا و15 عربيًا، تلتها جامعة المنصورة بالمركز 839 عالميًا والـ16 عربيًا، وجامعة عين شمس بالترتيب 856 عالميًا والـ18 عربيًا، وتذيبت جامعة أسوان القائمة بحصولها على المركز 2082 عالميًا و81 عربيًا.

تصنيف مزيف من موقع منتحل صفة «ويبوميتركس»

وبمقارنة الأرقام الصادرة في تصنيف «ويبوميتركس» الأصلي، مع الأرقام التي أعلنته الوزارة في بيانها زعمت حصول جامعات القاهرة على المركز 405، والإسكندرية 517، والمستقبل 667، وعين شمس 658، والمنصورة 662، وأسوان على المركز 1517، على خلاف ما أظهره التصنيف الأصلي.

الأرقام التي نشرتها الوزارة في بيانها لم تظهر في أيٍ من المواقع المزيفة المنتحلة صفة الموقع الرسمي لتصنيف «ويبوميتركس»، ووفقًا لمنصة «متصدقش» أجرى أحد المواقع تحديثًا لاحقًا لبياناته، لتتوافق في معظمها مع الأرقام الصحيحة الخاصة بالجامعات.

الجامعات أمن قومي

«سمعة الجامعات المصرية أمن قومي، ويجب تحري الدقة فيما يُنشر بشأنها»، وما حدث يشير إلى أن هناك علامة استفهام، ومن المفترض أن توضح الوزارة حقيقة ما حدث، حسبما يرى أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس الدكتور محمد عبدالعزيز، في حديثه مع «النبأ الوطني».

ويقول، إنه من المفترض أن كل جامعة يكون لديها قاعدة بيانات خاصة بها، ومع بدء دخولها عملية تقييم تصنيف عالمي، يجب أن تكون الجامعة أو المؤسسة على علم بالمؤسسة أو الجهة المنوطة بالتقييم، وما معايير التقيم التي تعتمد عليها، مثبًا مستوى الخريج أو عدد التخصصات، وهكذا..

الدكتور محمد عبدالعزيز

وعليه فإن الإجراء السليم يقتضي أن تلجأ وزارة التعليم العالي أو الجامعة أو مجلس الجامعات، إلى هيئات ضمان الجودة والاعتماد المعترف بها دوليًا، باعتبارها الجهات المختصة بإجراء التقييمات والتصنيفات وفق معايير علمية معتمدة، مع ضرورة التحقق أولًا من مصداقية هذه الهيئات والتأكد من أنها جهات رسمية وليست كيانات أو مواقع غير موثوقة، حسبما يؤكد «عبدالعزيز».

ويختتم أستاذ العلوم والتربية بجامعة عين شمس، حديثه بهذا الشأن، موضحًا أن الخطوة التالية تتمثل في دراسة المعايير التي تعتمدها تلك الهيئات في إعداد التصنيفات، ثم إعداد ملفات الجامعات واستيفاء البيانات والوثائق المطلوبة بما يتوافق مع هذه المعايير، لتتولى الجهة المختصة بعد ذلك تقييم المؤسسات الأكاديمية وإصدار التصنيف وفقًا للنتائج المستحقة، وهو المسار المتبع دوليًا لضمان نزاهة ودقة التصنيفات الجامعية.

هوس بالتصنيفات

«ما حدث لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد خطأ في نقل ترتيب جامعة أو رقم داخل تصنيف، بل هو انعكاس لحالة من الهوس بالتصنيفات الدولية على الأسس الحقيقية التي تقوم عليها الجامعات القادرة على المنافسة عالميًا»، حسبما يرى أستاذ التربية الموسيقية بجامعة العاصمة الدكتور وائل كامل، في حديثه مع «النبأ الوطني».

ويضيف، أن الجهات المعنية صبَّت اهتمامها خلال السنوات الأخيرة، على تحسين ترتيب الجامعات بالمؤشرات الدولية، مقابل إهمال الاهتمام ببناء جامعة قادرة على تخريج كوادر مؤهلة، وإنتاج بحث علمي يساهم بحل مشكلات المجتمع، وتوفير بيئة أكاديمية تُمكّن عضو هيئة التدريس من المنافسة والإبداع.

ويطرح «كامل» -حسب قوله- تساؤلًا منذ سنوات، ول يزال قائمًا، وهو هل أصبحت غاية التعليم العالي في مصر هي معرفة ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية من عام إلى آخر، أم أن الهدف الحقيقي يتمثل في بناء جامعة تنتج خريجًا قادرًا على التفكير والابتكار، وباحثًا يسهم في التنمية، وأستاذًا جامعيًا يمتلك مناخًا مهنيًا واقتصاديًا يتيح له التفرغ للبحث والتدريس، بدلًا من الانشغال بالبحث عن مصادر دخل إضافية لتلبية متطلبات المعيشة؟

خلط شائع

ويشير إلى، أن كثيرًا من الجامعات المرموقة، أعاد النظر بمدى جدوى بعض التصنيفات الدولية، ما أدى إلى انسحابها من بعض التصنيفات أو انتقدت اعتمادها على مؤشرات كمية لا تعكس بالضرورة جودة التعليم أو البحث العلمي، لاسيَّما وأنها تختزل أداء الجامعة في ترتيب رقمي لا يقدم صورة حقيقية عن مستواها الأكاديمي.

ويرى «كامل»، أن هناك خلط شائع بين طبيعة التصنيفات الجامعية، موضحًا أن تصنيف «ويبوميتركس» لا يقيس جودة المناهج أو كفاءة الخريجين أو مستوى التدريس أو الأثر المجتمعي للجامعة، وإنما يركز بصورة أساسية على الحضور الرقمي للمؤسسة الأكاديمية ومحتواها المنشور على شبكة الإنترنت.

الدكتو وائل كامل

التحسن في ترتيب الجامعات في تصنيف «ويبوميتركس» يعكس في أحيانٍ كثيرة تطورًا بالتحول الرقمي وإتاحة المحتوى العلمي والخدمات الإلكترونية، ورغم أنه أمر إيجابي -حسب الدكتور وائل- ولكنه لا يمثل بالضرورة مؤشرًا مباشرًا على جودة العملية التعليمية أو مستوى البحث العلمي.

من المسؤول؟

وبشأن واقعة «ويبوميتركس»، يقول أستاذ التربية الموسيقية بجامعة العاصمة، إنه في حال ثبوت استناد الوزارة إلى مواقع مزيفة أو منتحلة لصفة الموقع الرسمي للتصنيف، فإن الأمر لا يقتصر على خطأ بنقل البيانات، ولكن يثير تساؤلات بشأن آليات التحقق من المصادر التي تستند إليها البيانات الرسمية، خصوصًا في ظل التعديلات التي طرأت على منهجية تصنيف «ويبوميتركس» منذ يوليو 2025، فضلًا عن إتاحة النتائج الكاملة من خلال اشتراك مدفوع، مقابل استمرار بعض المواقع غير الرسمية في تداول بيانات قد لا تتوافق مع المنهجية الجديدة.

ويختتم الدكتور وائل كامل، حديثه في هذا الشأن، موضحًا أن غياب أي تصحيح أو توضيح رسمي من الوزارة، في حال ثبوت خطأ يثير تساؤلات إضافية بشأن آليات مراجعة البيانات الرسمية ومساءلة المسؤولين عن إصدارها، مُشددًا على أن القضية الأهم لا تتعلق بالتصنيفات، ولكن بمدى توافر مقومات المنافسة الحقيقية داخل الجامعات، والتي لن تتحقق إلا من خلال توفير بيئة أكاديمية مستقرة.