المواطن يدفع الثمن.. سر ارتفاع الصادرات الزراعية على حساب السوق المحلية وغلاء الأسعار داخليا
في الوقت الذي تواصل فيه الدولة الإعلان عن تحقيق أرقام قياسية في الصادرات الزراعية، وتؤكد أن القطاع الزراعي أصبح أحد أهم مصادر توفير النقد الأجنبي ودعم الاقتصاد الوطني، تظل مائدة المواطن المصري شاهدة على معاناة يومية مع ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة على شراء غذاء صحي ومتوازن.
فبينما تتحدث المؤشرات الرسمية عن نجاحات متتالية في فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية، وتحقيق طفرة غير مسبوقة في حجم الصادرات الزراعية، ما زالت الأسر المصرية تواجه ضغوطًا معيشية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار السلع الغذائية، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انعكاس تلك الإنجازات الاقتصادية على الحياة اليومية للمواطن.
وأعلنت الحكومة -مؤخرًا- تجاوز حجم الصادرات الزراعية المصرية 5.8 مليون طن خلال النصف الأول من العام الجاري، في استمرار لمسار تصاعدي شهدته الصادرات خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت المنتجات الزراعية المصرية تصل إلى أكثر من 160 دولة حول العالم، في ظل تطوير منظومة الحجر الزراعي، والتوسع في الرقعة الزراعية، وتحسين جودة المنتجات بما يتوافق مع المعايير الدولية.
ويأتي ذلك في وقت تعتمد فيه الدولة على زيادة الصادرات باعتبارها أحد أهم الأدوات لتوفير النقد الأجنبي، وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في فاتورة الواردات، وما يشهده الاقتصاد العالمي من تحديات أثرت على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، الأمر الذي جعل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة، تلعب دورًا أكبر في دعم الاقتصاد الوطني.
لكن على الجانب الآخر، تبرز تساؤلات لا تقل أهمية عن أرقام الصادرات نفسها؛ فإذا كانت الصادرات الزراعية تحقق هذا النمو الكبير، فلماذا لا ينعكس ذلك على أسعار الغذاء داخل السوق المحلية؟ ولماذا لا يزال ملايين المواطنين يواجهون صعوبة في الحصول على غذاء صحي ومتوازن؟ وهل استفاد المزارع، باعتباره الحلقة الأولى في منظومة الإنتاج، من هذه الطفرة، أم أن العوائد ذهبت إلى حلقات أخرى داخل سلسلة التسويق والتصدير؟
وتتزامن هذه التساؤلات مع ما كشفته دراسة حديثة للبنك الدولي، أشارت إلى أن أكثر من 60% من المصريين أصبحوا غير قادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي، نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القوة الشرائية.
وأوضحت الدراسة أن عدد غير القادرين على شراء غذاء صحي ارتفع من نحو 52 مليون شخص عام 2017 إلى ما يقرب من 66 مليونًا في عام 2024، في مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة.
ولم تتوقف الدراسة عند هذا الحد، بل أشارت أيضًا إلى أن العاملين في القطاع الزراعي ما زالوا يحصلون على أجور أقل مقارنة بالعاملين في قطاعات اقتصادية أخرى، رغم القفزة التي شهدتها الصادرات الزراعية، والتي ارتفعت قيمتها من نحو 2.2 مليار دولار في عام 2020 إلى نحو 11.5 مليار دولار في عام 2025، وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية توزيع عوائد النمو داخل القطاع الزراعي.
بين التصدير والسيادة الغذائية
وفي هذا السياق، قال الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، إن الزيادة الكبيرة في الصادرات الزراعية تمثل جانبًا إيجابيًا للاقتصاد المصري، لكنها لا تعني انتهاء المشكلات الهيكلية التي يعاني منها القطاع الزراعي أو الاقتصاد بشكل عام، موضحًا أن المشكلة لها شقان رئيسيان.
وأوضح أن الشق الأول يتمثل في استمرار العجز الكبير في الميزان التجاري، حيث لا تزال مصر تعتمد بصورة واسعة على الخارج لتوفير جزء كبير من احتياجاتها الأساسية من الغذاء، بينما يرتبط الشق الثاني باتساع فجوة الاكتفاء الذاتي في عدد من السلع الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن مصر أصبحت أكبر مستورد للقمح في العالم، وخامس أكبر مستورد للذرة، فضلًا عن وجود فجوات في محاصيل أخرى مثل الأرز والمحاصيل السكرية، وهو ما يزيد من الطلب على النقد الأجنبي ويجعل السوق المحلية أكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار العالمية.
وأضاف أن الطفرة في الصادرات الزراعية لم تنعكس بصورة مباشرة على انخفاض أسعار الغذاء داخل السوق المحلية، مرجعًا ذلك إلى استمرار الفجوة الغذائية من ناحية، وإلى اتجاه عدد من المنتجين إلى تفضيل التصدير باعتباره أكثر ربحية من البيع داخل السوق المحلية.
وأشار إلى أن هذا التوجه يؤدي في بعض الأحيان إلى ارتفاع أسعار عدد من المحاصيل داخل السوق المحلية، لافتًا إلى أن المستهلكين شهدوا خلال الفترات الماضية ارتفاعات كبيرة في أسعار منتجات مثل الطماطم والليمون والبامية والبصل وغيرها من المحاصيل التي تحظى بطلب مرتفع في الأسواق الخارجية، وهو ما يجعلها في بعض الأوقات تتجاوز القدرة الشرائية للمواطن متوسط الدخل.
وأكد «الميرغني»، أن الأولوية يجب أن تكون لتحقيق ما وصفه بـ«السيادة الغذائية»، وليس الاكتفاء بمفهوم الأمن الغذائي فقط، موضحًا أن الهدف الأساسي لأي سياسة زراعية يجب أن يكون توفير احتياجات المواطنين أولًا، ثم التوسع في التصدير بعد ضمان استقرار السوق المحلية، حتى لا تتحول الصادرات إلى عامل ضغط إضافي على الأسعار.
وشدد على أن استمرار ارتفاع أسعار الغذاء يمثل أحد أهم أسباب زيادة معدلات الفقر، لأن الغذاء يعد البند الأكثر تأثيرًا في إنفاق الأسر المصرية، موضحًا أن أي زيادة في أسعار السلع الغذائية تؤدي بصورة مباشرة إلى تراجع القدرة الشرائية، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ولفت إلى أن معالجة هذه الأزمة تتطلب إعادة النظر في السياسات الزراعية، من خلال العودة إلى تطبيق الدورة الزراعية، وتحسين استخدام الأراضي الزراعية والموارد المائية، مع التركيز على إنتاج المحاصيل التي تحقق احتياجات السوق المحلية وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
كما دعا إلى وضع سياسة تسعير عادلة للمحاصيل الزراعية، تضمن تحقيق هامش ربح مناسب للمزارعين، حتى لا يضطروا إلى ترك زراعة بعض المحاصيل أو التحول إلى أنشطة أخرى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج مقارنة بأسعار البيع.
ويرى «الميرغني»، أن نجاح أي سياسة تصديرية لا يقاس فقط بما تحققه من عائدات دولارية، وإنما أيضًا بقدرتها على تحقيق استقرار السوق المحلية، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفع مستوى معيشة المواطنين، مشددًا على أن تحقيق الاكتفاء من السلع الأساسية يجب أن يظل هدفًا استراتيجيًا بالتوازي مع التوسع في التصدير، حتى تصبح الصادرات وسيلة لدعم الاقتصاد دون أن تتحول إلى عبء إضافي على المستهلك.
المكاسب الاقتصادية
وفي هذا الإطار، قال الدكتور إبراهيم حسيني درويش، أستاذ بكلية الزراعة جامعة المنوفية ووكيل الكلية السابق، إن نجاح الصادرات الزراعية يعد أحد أبرز الإنجازات التي حققها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، موضحًا أن وصول المنتجات الزراعية المصرية إلى أكثر من 160 دولة حول العالم يعكس ارتفاع جودة المنتج المصري، وتحسن منظومة الرقابة والحجر الزراعي، فضلًا عن نجاح الدولة في فتح أسواق خارجية جديدة أمام المنتجات الزراعية.
وأضاف أن هذا النجاح لم يتحقق بصورة عشوائية، وإنما جاء نتيجة جهود كبيرة في تطوير القطاع الزراعي، سواء من خلال التوسع في الرقعة الزراعية، أو تحسين نظم الري، أو إدخال أصناف جديدة أكثر إنتاجية، إلى جانب تطوير منظومة الفحص والرقابة بما يتوافق مع اشتراطات الأسواق العالمية.
وأوضح أن زيادة الصادرات الزراعية تحقق العديد من المكاسب الاقتصادية، في مقدمتها توفير النقد الأجنبي، ودعم الاحتياطي من العملات الأجنبية، وتحسين الميزان التجاري الزراعي، بالإضافة إلى توفير فرص عمل في مجالات الزراعة، والتعبئة، والتغليف، والنقل، والتصنيع الغذائي، فضلًا عن تشجيع الاستثمارات الزراعية وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية.
وأشار إلى أن أثر الصادرات يظهر بصورة أوضح على الاقتصاد الكلي، إذ تسهم حصيلة التصدير في تمويل الواردات الاستراتيجية، مثل القمح والزيوت والأعلاف، وسداد الالتزامات الخارجية، ودعم استقرار سوق الصرف، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على الاقتصاد، وإن كان المواطن لا يلمس هذا الأثر بشكل فوري في أسعار السلع.
وأكد «درويش»، أن أسعار الغذاء لا تتحدد بحجم الصادرات فقط، وإنما تخضع لمنظومة اقتصادية متكاملة، موضحًا أن التضخم، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، وزيادة أسعار الأسمدة، والطاقة، والنقل، فضلًا عن تغيرات سعر الصرف، وارتفاع تكلفة التخزين، جميعها عوامل تضغط على الأسعار النهائية للسلع الغذائية.
وأضاف أن تعدد حلقات التداول بين المنتج والمستهلك يؤدي إلى ارتفاع الأسعار أيضًا، حيث يمر المنتج الزراعي بعدة مراحل قبل وصوله إلى المستهلك، وهو ما يزيد من تكلفته، وفي الوقت نفسه لا يحصل المزارع على نصيب عادل من السعر النهائي الذي يدفعه المواطن.
ورفض «درويش» الربط بين التوسع في التصدير وتهديد الأمن الغذائي، مؤكدًا أن التجارب الدولية تثبت إمكانية الجمع بين الأمرين إذا تمت إدارة المنظومة الزراعية بصورة سليمة، من خلال زيادة الإنتاج، ورفع إنتاجية الفدان، والحفاظ على الاحتياجات المحلية، وتكوين مخزون استراتيجي من السلع الأساسية.
وأوضح أن الأمن الغذائي لا يعني إيقاف التصدير، وإنما يعني ضمان توافر الغذاء بالكميات والأسعار المناسبة لجميع المواطنين، وهو ما يتطلب التوسع في الإنتاج وتحسين كفاءته، وليس تقليص الصادرات التي تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية.
وأشار إلى أن انخفاض دخول المزارعين رغم زيادة الصادرات ليس أمرًا يقتصر على مصر، وإنما يمثل ظاهرة موجودة في العديد من الدول النامية، موضحًا أن المزارع غالبًا ما يحصل على أقل نسبة من القيمة النهائية للمنتج، بينما تذهب الحصة الأكبر إلى عمليات النقل، والتخزين، والتعبئة، والتغليف، والتسويق، والتصدير.
وتابع أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، من أسمدة وتقاوٍ ومبيدات ووقود، يلتهم جزءًا كبيرًا من أرباح المزارعين، وهو ما يجعل الزيادة في الصادرات لا تنعكس تلقائيًا على دخولهم، مؤكدًا أن تحسين أوضاع المزارعين يتطلب إصلاحًا شاملًا لمنظومة التسويق الزراعي، وليس الاكتفاء بزيادة حجم الصادرات.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على رفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية من خلال التوسع في التصنيع الزراعي، بدلًا من تصدير المنتجات الخام فقط، لما لذلك من أثر في زيادة العائد الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز تنافسية القطاع الزراعي.
كما دعا إلى تطوير سلاسل الإمداد، وتحسين منظومة النقل والتبريد، وتقليل الفاقد من المحاصيل الزراعية، وإنشاء أسواق وبورصات منظمة للسلع الزراعية، بما يسهم في تقليل عدد الوسطاء، وتحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع الأرباح بين المنتج والمستهلك.
وأكد أهمية تعزيز دور التعاونيات الزراعية، وتحسين دخول المزارعين من خلال عقود عادلة وأسعار مجزية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الزراعة الذكية والميكنة الحديثة، والتوسع في استخدام الأصناف عالية الإنتاجية، بما يسهم في زيادة الإنتاج وخفض تكلفة الوحدة المنتجة.
ويرى أن تحقيق استفادة حقيقية للمواطن والمزارع يتطلب تنفيذ حزمة متكاملة من السياسات، تشمل التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، ورفع إنتاجية الفدان، ودعم التصنيع الزراعي، وتحسين الخدمات الإرشادية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، حتى يصبح النمو الذي يحققه القطاع الزراعي أكثر انعكاسًا على مستوى معيشة المواطنين.






