رئيس التحرير
خالد مهران

من أشهر إلى أيام معدودة..الصين تحدث ثورة في انتاج الأقمار الصناعية

النبأ

قبل سنوات قليلة، كان تصنيع قمر صناعي يشبه صناعة قطعة فنية نادرة؛ مشروعا هندسيا معقدا يستغرق عدة أشهر ويشارك فيه مئات المهندسين والفنيين.

 أما اليوم، فقد أصبح المشهد داخل بعض المصانع الصينية أقرب إلى خطوط إنتاج الهواتف الذكية أو السيارات، حيث تتحرك الأذرع الروبوتية، وتنقل المركبات ذاتية القيادة المكونات بين محطات العمل، بينما تتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي إدارة مراحل التصنيع والاختبار بصورة شبه كاملة.
والنتيجة، أن الصين نجحت في إحداث ثورة غير مسبوقة في قطاع الفضاء التجاري، بعدما خفضت المدة اللازمة لبناء القمر الصناعي الواحد من عدة أشهر إلى نحو 20 يوما فقط. 

وقد تحول تصنيع الأقمار الصناعية من صناعة هندسية معقدة تنفذ حسب الطلب، إلى إنتاج كمي ضخم يعتمد على خطوط تجميع آلية، على غرار صناعة الهواتف الذكية وسيارات الدفع الرباعي.
ووفقا للتقارير، تعمل حاليا 55 منشأة ومصنعا متخصصا في أنحاء الصين بطاقة إنتاجية مصممة لتصنيع نحو 7360 قمرا صناعيا سنويا، في تحول يعكس انتقال صناعة الفضاء من مرحلة الإنتاج المحدود إلى التصنيع واسع النطاق.
في مدينة ووشي بمقاطعة جيانغسو، افتتحت الصين واحدا من أكثر مصانع الأقمار الصناعية تطورا باستثمارات بلغت مليار يوان، وتصل طاقته الإنتاجية إلى أكثر من 150 قمرًا صناعيا سنويا، مع خطط للوصول مستقبلا إلى إنتاج قمر صناعي واحد يوميًا.
ويؤكد مسؤولو المصنع أن دورة إنتاج القمر انخفضت من ثلاثة إلى ستة أشهر إلى ما بين 20 و25 يوما فقط، بفضل خطوط الإنتاج المرنة، والتقنيات والذكاء الاصطناعي وأنظمة التجميع الآلي عالية الدقة.
داخل المصنع، تتولى الأذرع الروبوتية تركيب المكونات الدقيقة ووضع المواد العازلة والحرارية، بينما تخضع الأقمار الصناعية لاختبارات تحاكي بيئة الفضاء، بما في ذلك درجات الحرارة القصوى والاهتزازات والفراغ، قبل اعتمادها للإطلاق.
لكن سر هذه القفزة لا يكمن في سرعة التصنيع وحدها، بل في فلسفة الإنتاج نفسها. فبدلا من تصميم كل قمر صناعي من الصفر، تعتمد الصين على منصات معيارية موحدة يمكن تزويدها بحمولات مختلفة، سواء للاستشعار عن بعد أو الاتصالات أو الملاحة أو رادارات الفتحة الاصطناعية، تماما كما يعمل الهاتف الذكي نفسه مع تطبيقات متعددة. وقد أسهم هذا النهج في تقليل التكاليف، وتسريع الإنتاج، وتسهيل التوسع الصناعي.
ولا تقتصر هذه القدرات على مصنع ووشي، بل تتوزع على مراكز إنتاج استراتيجية في أنحاء البلاد، أبرزها مصنع هاينان وينتشانغ، الذي يعد الأكبر في آسيا بطاقة تصل إلى ألف قمر صناعي سنويا، إلى جانب تحالف "جيلي" لصناعة السيارات، الذي نقل خبراته في التصنيع الروبوتي إلى قطاع الفضاء، مستهدفا إنتاج 500 قمر صناعي سنويا مع خفض تكاليف التصنيع بنحو 45 بالمئة.
ويغذي هذا التوسع الصناعي طموح بكين لتعزيز وجودها في المدار الأرضي المنخفض عبر شبكات ضخمة من الأقمار الصناعية تنافس شبكة "ستارلينك" الأمريكية، وفي مقدمتها كوكبتا "غوووانغ" و"تشيانفان". 

وتشير البيانات إلى أن الصين قدمت بالفعل ملفات تنسيقية إلى الاتحاد الدولي للاتصالات لحجز مدارات تستوعب أكثر من 203 آلاف قمر صناعي موزعة على 14 كوكبة مختلفة.
ومن أبرز نقاط القوة في هذه الاستراتيجية امتلاك الصين سلاسل إمداد محلية متكاملة؛ ففي مدن صناعية مثل ووشي يتم توفير معظم مكونات الأقمار الصناعية محليا بدءا من الرقائق الإلكترونية الدقيقة وحتى أصغر البراغي، وهو ما يقلل الاعتماد على الموردين الخارجيين، ويحد من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، ويخفض التكاليف اللوجستية بصورة كبيرة.
ولا تتوقف الثورة الصينية عند الكمية فقط، بل تمتد إلى النوعية أيضا. فالأقمار الصناعية الحديثة تركز على تقنيات "الحوسبة الفضائية"، التي تمكنها من معالجة الصور وبيانات الاستشعار مباشرة في المدار، بدلا من إرسال البيانات الخام إلى المحطات الأرضية، الأمر الذي يسرع الاستجابة ويزيد كفاءة تشغيل المنظومات الفضائية.
وفي الوقت نفسه، تشهد صناعة الفضاء التجارية الصينية نموا متسارعا. فبحلول نهاية عام 2025، ضمت مدينة ووشي وحدها 325 شركة تعمل في هذا القطاع، فيما تجاوزت إيراداتها 14 مليار يوان، ضمن سلسلة صناعية متكاملة تشمل الصواريخ، والأقمار الصناعية، والمحطات الأرضية، وخدمات البيانات الفضائية.
ما يحدث اليوم في الصين لا يمثل مجرد تطوير لمصنع جديد، بل يعكس تحولا جذريا في فلسفة صناعة الفضاء. فبعدما كان القمر الصناعي مشروعا هندسيا استثنائيا، أصبح يعامل بوصفه منتجا صناعيا قابلا للإنتاج الكمي وفق معايير موحدة وبسرعة غير مسبوقة.
وإذا نجحت الصين في تحقيق هدفها بإنتاج قمر صناعي واحد يوميا، فإنها لن تكون قد خفضت تكلفة الوصول إلى الفضاء فحسب، بل ستكون قد دشنت نموذجا جديدا لصناعة الفضاء العالمية، تصبح فيه السرعة، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، ركائز أساسية لا تقل أهمية عن الصواريخ التي تحمل تلك الأقمار إلى المدار.