رئيس التحرير
خالد مهران

قلب الحروف في الكلام.. ظاهرة مُضحكة أم مشكلة نفسية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تُعدّ الأخطاء الصوتية غير المقصودة، والمعروفة بالأخطاء اللفظية أو قلب الحروف، من أشهر أخطاء الكلام، وقد تكون مضحكة للغاية، لكنها بالنسبة للغويين وعلماء النفس أكثر من مجرد مصدر للتسلية، وهي تُتيح لنا لمحة نادرة عن أحد أكثر الأشياء إثارة للدهشة التي يقوم بها دماغنا يوميًا من خلال تحويل الأفكار إلى كلام فصيح في جزء من الثانية.

صاحب ظاهرة قلب الحروف

كان ويليام أرشيبالد سبونر (1844-1930) كاهنًا أنجليكانيًا وعالمًا، أصبح لاحقًا رئيسًا لكلية نيو كوليدج في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة. وبحسب جميع الروايات، كان لامعًا ولطيفًا، ومعروفًا بتشتت ذهنه، وبطريقة ما، أصبح اسمه مرادفًا لظاهرة قلب الحروف عن طريق الخطأ.

وقلب الحروف هو تبديل الأصوات الأولى لكلمتين متجاورتين. يُنسب العديد من حالات قلب الحروف إلى سبونر نفسه. يُقال إنه في حفل زفاف، صرّح قائلًا: "من المعتاد شتم العروس"!

وعندما وجد سبونر شخصًا يجلس في مقعده بالكنيسة، يُقال إنه احتج قائلًا: "معذرةً يا سيدتي، أنتِ تشغلين فطيرتي. هل لي أن أخيطكِ على ملاءة أخرى؟" 

ومن شبه المؤكد أن سبونر لم ينطق بمعظم الأخطاء اللفظية المنسوبة إليه. مع أنه كان يتلعثم في كلامه كثيرًا، إلا أن العديد من الاقتباسات المرتبطة باسمه اختلقها طلابه وكتاب الأعمدة الصحفية والفكاهيون، وانتشرت هذه القصص لدرجة أنها طغت على الرجل نفسه، وسرعان ما ارتبط اسمه بهذا النوع من الأخطاء الكلامية.

لماذا يبدل الدماغ الأصوات؟

يبدو الكلام سهلًا، لكن إنتاج جملة بسيطة أمر معقد للغاية، وقبل أن تنطق بكلمة، يكون دماغك قد اختار الكلمات التي تريدها، ورتبها بالترتيب الصحيح، واسترجع أصواتها، وهيأ العضلات اللازمة لإنتاج الكلام، حيث يحدث معظم هذا بسرعة فائقة وبشكل تلقائي لدرجة أنك لا تدركه تمامًا.

ولكن في بعض الأحيان، تتداخل إشارات الدماغ، وتخيل أنك تنوي قول "دراجة مُشحّمة جيدًا" ولكنك تقول بالخطأ "جليد مغلي جيدًا"، وهو مثال طريف آخر يُنسب غالبًا إلى سبونر، فالكلمات والأصوات ليست عشوائية؛ فهي تنبع من نفس العبارة المُخطط لها بعناية، ولكن أجزاء من خطة الكلام قد تشابكت لفترة وجيزة.

وتكشف هذه الهفوات عن أمر مهم: لا يُحضّر الناس الكلام كلمة كلمة، بل يُخطط دماغنا لعدة كلمات مُسبقًا، مما يسمح لأصوات الكلمات المُجاورة بالظهور في الوقت نفسه، وقد تتداخل أحيانًا.

وتُتيح لنا أخطاء سبونر لمحة عن التنسيق الخفي وراء الكلام الطليق، حيث يجب على الدماغ تنسيق المعاني والكلمات والأصوات بسرعة فائقة، وأحيانًا تتصادم هذه الأجزاء المتحركة لفترة وجيزة.

أكثر من مجرد أخطاء مضحكة

القلب اللفظي ليس سوى نوع واحد من أخطاء الكلام، فالناس أيضًا يستبدلون كلمة بأخرى، أو يدمجون الكلمات معًا، أو يكررون الأصوات، أو ينطقون اسمًا عن غير قصد.

ويُخلط أحيانًا بين هذه الأخطاء وزلات اللسان، المعروفة أيضًا بالزلات الكلامية، لكنها ليست متطابقة تمامًا. فالقلب اللفظي هو تبديل غير مقصود لأصوات الكلام، بينما يُعتقد تقليديًا أن زلة اللسان تكشف عن فكرة غير مقصودة أو فكرة لا شعورية، وقد جادل المحلل النفسي سيغموند فرويد بأن أخطاء الكلام قد تكشف عن رغبات مكبوتة أو أفكار لا شعورية.

أما علماء اللغة النفسية المعاصرون فهم أكثر حذرًا، إذ يرون أن معظم زلات اللسان لا تتطلب تفسيرًا نفسيًا عميقًا، فهي عادةً ما تكون نتيجة لتعثر نظام اللغة المعقد للغاية في الدماغ أحيانًا.