رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: الكاميرا التي تستحقها مصر في عصر "عقل الدولة" الجديد

محمد مازن
محمد مازن

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الكاميرا في مصر مجرد وسيلة لحفظ الأمن أو توثيق الأحداث، بل أصبحت أحيانا طرفا في مشكلات اجتماعية وقانونية لم تكن مطروحة بهذا الحجم من قبل.

نقرأ بين الحين والآخر عن فتاة صورت خلسة داخل وسيلة مواصلات، أو مواطن فوجئ بصوره الخاصة تتداول على مواقع التواصل الاجتماعي دون إذنه، أو أسرة اكتشفت أن كاميرا أحد الجيران تطل على نوافذ منزلها، أو ضحية تعرضت للابتزاز الإلكتروني بعد تسريب مقطع مصور، أو....

وفي المقابل، نرى الكاميرات نفسها تساعد أجهزة الأمن في كشف جريمة، أو تعيد سيارة مسروقة إلى صاحبها، أو توثق حادث سير، أو تقود إلى القبض على شخص يسئ التصرف.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي.

إذا كانت الكاميرا تستطيع أن تحمي المجتمع، وتستطيع في الوقت نفسه أن تنتهك خصوصية أفراده، فأين تكمن المشكلة؟

هل المشكلة في الكاميرا نفسها؟

أم في الإنسان الذي يستخدمها؟

أم في غياب المنظومة التي تنظم عملها؟

هذا السؤال أعادني سنوات إلى الوراء، عندما وصلت إلى بكين للمرة الأولى.

في ذلك الوقت كنت، مثل كثيرين، أنظر إلى الكاميرات المنتشرة في الشوارع باعتبارها أكثر ما يلفت الانتباه في المدينة.

ثم جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين مؤخرا، وانشغل جزء من الإعلام الأمريكي بعد الكاميرات المنتشرة في العاصمة الصينية، وكأن عددها وحده يكفي لفهم كيف تدار مدينة يزيد عدد سكانها على عشرين مليون نسمة.

ابتسمت وقتها.

لأنه كان يشبه كثيرا ما كنت اعتقده  في سنواتي الأولى.

كنت أرى الكاميرات. لكنني لم أكن أرى ما وراء الكاميرات.

وبعد سنوات طويلة من الحياة في بكين، أدركت أن الكاميرا ليست سوى أصغر أجزاء المشهد.

فالمدينة لا تدار بالكاميرات. بل تدار بمنظومة كاملة من القوانين، والتشريعات، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، ومراكز التشغيل، والربط بين المؤسسات، وآليات المراجعة والمساءلة.

الكاميرا مجرد عين إلكترونية. أما العقل الحقيقي فهو الحوكمة.

وهذا هو الدرس الأهم الذي تعلمته من مدينة بحجم بكين لا يمكن أن تعتمد على الذاكرة البشرية، ولا على الاجتهادات الفردية، مدينة تتحرك فيها ملايين السيارات يوميا، ويستخدم سكانها شبكة هائلة من القطارات والحافلات والمستشفيات والمدارس والخدمات العامة.

كان لا بد من عقل جديد يدير كل ذلك.

ولهذا أنشأت بكين ما يمكن تسميته بعقل المدينة، وهو مركز تشغيل ضخم يستقبل البيانات القادمة من آلاف الكاميرات، وأجهزة الاستشعار، وشبكات المرور، والمرافق العامة، ثم يحللها باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويرسلها إلى الجهات المختصة لاتخاذ القرار.

إذا بدأ الازدحام في أحد المحاور، تتغير الإشارات المرورية تلقائيا.

إذا وقع حادث، تصل المعلومات إلى الإسعاف والشرطة والمرور في الوقت نفسه.

إذا اقتربت أمطار غزيرة، تبدأ الجهات المختلفة استعداداتها قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة.
شيئا فشيئا بدأت أكتشف أن الكاميرا تراقب أداء الحكومة أيضا.

فإذا تأخر إصلاح طريق، أو تعطلت خدمة، أو وردت شكوى من أحد المواطنين، تستطيع المنظومة متابعة زمن الاستجابة، ومعرفة الجهة التي تأخرت، ثم تطلب من المواطن نفسه تقييم جودة الحل بعد انتهاء المشكلة.

وهنا تغيرت فكرتي تماما.

لم تعد الكاميرا بالنسبة لي رمزا للمراقبة.

بل أصبحت جزءا من منظومة تحاول أن تجعل مدينة عملاقة تعمل بكفاءة.

لكن الذي غير قناعتي نهائيا لم يكن ما قرأته عن هذه المنظومة.

بل ما عشته بنفسي.

شعرت بالضيق ذات مرة عندما أوقفت سيارتي في مكان غير مسموح بالانتظار فيه لبضع دقائق فقط بسبب ظرف طارئ، ووصلتني مخالفة على الفور
قلت لنفسي أن  الكاميرا لا تعرف الظروف الإنسانية، فهي لا ترى سوى سيارة متوقفة في مكان ممنوع، فذهبت إلى إدارة المرور، وشرحت ملابسات ما حدث.

استمع الموظف إلى روايتي، ثم راجع البيانات والصور المسجلة، وبعد دقائق تقرر إلغاء المخالفة.

خرجت يومها بفكرة لم تغادر ذهني حتى الآن.

الكاميرا ليست القاضي.. هي ترصد الواقعة فقط.

أما الحكم فيصدره نظام يسمح بالمراجعة، ويمنح الإنسان حق التظلم، ويوازن بين النص القانوني والظروف الواقعية.

بعدها بمدة، تلقيت درسا مختلفا تماما.

كنت أقود سيارتي خارج بكين، وفي رحلة واحدة سجلت أجهزة الرادار مخالفتين للسرعة، يفصل بينهما تسع دقائق فقط.

اعترضت وحاولت إلغاء إحدى المخالفتين، لكن المراجعة أثبتت أن المخالفتين صحيحتان تماما.

هذه المرة لم يكن لدي ما أقوله.

تم خصم تسع نقاط من رخصة القيادة، ولم يتبق لي سوى ثلاث نقاط قبل سحبها.

لكن ما أدهشني لم يكن قيمة الغرامة.

بل طريقة العقوبة.

فقد نصحتني الإدارة بحضور ست جلسات تعليمية عبر الإنترنت، استغرقت كل واحدة منها نصف ساعة، ثم أداء اختبار بعد كل جلسة حول قوانين المرور والسلامة العامة.

وبعد اجتياز الاختبارات استعدت ست نقاط من رخصتي.

وقتها أدركت أن المنظومة لا تعتبر العقوبة نهاية الطريق. بل تعتبرها بداية التعلم، فالغاية ليست أن يدفع السائق المال، وإنما أن يفهم لماذا أخطأ، وكيف يتجنب الخطأ مستقبلا.

وهنا تذكرت كثيرا من النقاشات التي تدور في مصر. ينشغل الناس بقيمة الغرامات، بينما السؤال الأهم هو: هل تغير السلوك؟

فإذا خرج المخالف بعد دفع الغرامة وهو مستعد لتكرار الخطأ في اليوم التالي، فإن القانون لم يحقق هدفه الحقيقي.

أما إذا خرج أكثر وعيا بخطورة ما ارتكب، فقد نجحت المنظومة في حماية المجتمع قبل أن تعاقبه.
ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي رأيت فيها وجها مختلفا للكاميرات.

ذات يوم نسي ابني جهازه اللوحي داخل سلة إحدى الدراجات التشاركية المنتشرة في شوارع بكين.

يمكن أن تتعامل مع الأمر كأنه انتهى. مدينة يعيش فيها ملايين البشر، ودراجة تتحرك من حي إلى آخر طوال اليوم. من المستحيل تقريبا العثور عليه.
لكننا حررنا بلاغا، وذكرنا المكان والوقت التقريبي ومواصفات الجهاز.

وبعد ساعات قليلة تلقينا اتصالا من الشرطة.
تم العثور على الجهاز. لم يكن في مخزن للمفقودات، بل كان لا يزال داخل سلة الدراجة نفسها بعد تتبع مسارها والوصول إليها.
يومها أدركت أن الشبكة نفسها التي تستطيع تسجيل مخالفة مرورية، تستطيع أيضا أن تعيد لطفل شيئا فقده، وأن تختصر على أسرة ساعات طويلة من القلق والبحث.

فالتكنولوجيا هنا لا تعمل ضد المواطن، بل تعمل من أجله أيضا. 

أما أكثر المواقف تأثيرا في حياتي، فكان ذلك اليوم الذي كنت أقود فيه سكوترا كهربائيا، وقادني خطأ غير مقصود في الملاحة إلى دخول منطقة شديدة الحساسية لا يسمح للعامة بدخولها.

لم أكن أعلم طبيعة المكان. وفجأة وجدت نفسي محاطا برجال الأمن.

بدأت أسئلة كثيرة، من أنت؟ ولماذا دخلت هنا؟ وهل تعرف طبيعة هذه المنطقة؟

قال لي أحد المسؤولين إنني أول أجنبي يدخلها بالخطأ منذ إنشائها، في تلك اللحظة أدركت أن حسن النية وحده لا يكفي.

كنت بحاجة إلى دليل. وهنا لعبت الكاميرات دورا لم أتوقعه.

راجع المسؤولون تسجيـلات الطريق بالكامل، وتتبعوا مساري منذ لحظة دخولي وحتى توقيفي.

وأظهرت التسجيلات أنني كنت أسير بصورة طبيعية، ولم أتوقف، ولم أصور، ولم أحاول الاقتراب من أي موقع حساس، وأن كل ما حدث كان نتيجة خطأ في الطريق.

وبعد مراجعة الوقائع والسجلات الأمنية انتهى الأمر دون أي إجراء قانوني، خرجت وأنا أحمل قناعة جديدة.

المنظومة التي تستطيع أن تثبت ارتكاب مخالفة، تستطيع أيضا أن تثبت براءة إنسان.

والكاميرا التي قد تدين مذنبا، يمكنها في الوقت نفسه أن تنصف بريئا.

وهنا فهمت أن القضية لم تكن يوما وجود الكاميرا.

بل في العقل الذي يعمل في الوراء والقواعد التي تحكم استخدامها، والضمانات التي تمنع تحولها من شاهد على الحقيقة إلى أداة لإصدار الأحكام أو انتهاك الحقوق.

عندما أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات التي قضيتها في بكين، لا أتذكر عدد الكاميرات التي رأيتها في الشوارع.

أتذكر الدروس التي تعلمتها منها.
تعلمت أن الكاميرا وحدها لا تصنع أمنا.
كما أن غيابها لا يصنع حرية.

فالحرية الحقيقية هي أن يشعر المواطن أن خصوصيته مصونة، وأن القانون يحميه إذا أسيء استخدام التكنولوجيا.

والأمن الحقيقي هو أن يشعر المواطن أيضا أن حقه لن يضيع إذا تعرض لاعتداء، أو سرقت ممتلكاته، أو وقع حادث، أو اتهم ظلما.

وأنا اتذكر هذا العقل، حضر إلى ذهني عقل مصر الجديد، الذي افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس الأحد، مركز القيادة الاستراتيجية، وهي خطوة كبيرة تعكس أن فكرة إدارة الدولة بالبيانات والربط الرقمي لم يعد مجرد تصور للمستقبل.

ما يلفت الانتباه في هذا الصرح لا يجب أن يكون حجمه أو تقنياته، بل الفلسفة التي يقوم عليها، وهي الانتقال من إدارة المؤسسات بصورة منفصلة إلى إدارة الدولة باعتبارها منظومة واحدة مترابطة، تتدفق فيها المعلومات لحظيا بين الوزارات والمحافظات والجهات المختلفة عبر شبكات اتصالات مؤمنة، بما يسمح باتخاذ القرار على أساس بيانات دقيقة وفي الوقت المناسب.

لا يمكن تجاهل الفوائد التي يمكن أن تتحقق نتيجة تكامل قواعد البيانات، ومتابعة المشروعات القومية لحظة بلحظة، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل المؤشرات، واستشراف التحديات، ودعم صانع القرار قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات.

وتصبح الفائدة مضاعفة إذا امتدت المنظومة من إدارة الطوارئ إلى ترسيخ مفهوم جديد للحوكمة، تصبح فيه البيانات لغة مشتركة بين مؤسسات الدولة، وتصبح سرعة الاستجابة وجودة التنفيذ جزءا من منظومة قابلة للقياس والتقييم، بدلا من الاعتماد على التقارير الورقية أو الاجتهادات الفردية.

ومن هنا أرى أن الكاميرا التي تستحقها مصر هي التي تصبح جزءا من هذه المنظومة، ليست كاميرا يقتصر دورها على تسجيل المخالفات أو مراقبة الشوارع، بل كاميرا تصبح جزءا من منظومة أوسع لإدارة الحياة اليومية، كاميرا تحمي فتاة من التحرش بدلا من أن تتحول إلى وسيلة لتصويرها خلسة.

كاميرا تساعد الشرطة في الوصول إلى طفل مفقود أو سيارة مسروقة.

كاميرا تنظم المرور لحظة بلحظة، فتخفف الزحام وتختصر زمن الرحلات وتفتح الطريق أمام سيارات الإسعاف والإطفاء.

كاميرا تساعد المحليات والمؤسسات على اكتشاف عمود إنارة معطل أو مسروق، أو كسر في خط مياه، أو تراكم للقمامة، أو طريق يحتاج إلى صيانة قبل أن تتحول المشكلة إلى أزمة.

كاميرا تجعل الحكومة ترى ما يحدث على الأرض لحظة بلحظة، كما تجعل المواطن قادرا على تقييم سرعة استجابة الجهات المختلفة لشكواه.

لكن كل ذلك لا يكتمل إلا إذا صاحبته منظومة قانونية واضحة تعزز الخصوصية وتحاسب كل من يسيء استخدام الصور أو البيانات أو تسجيلات الكاميرات، سواء كان فردا أو مؤسسة.

فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي تحول رقمي. 
لقد تعلمت من تجربتي في بكين أن التكنولوجيا لا تسبق القانون، كما لا ينبغي للقانون أن يقف عقبة أمام التكنولوجيا. فالعلاقة بينهما تشبه جناحي الطائر؛ إذا غاب أحدهما اختل التوازن.

وأعتقد أن المستقبل لن يكون من نصيب الدول التي تمتلك أكبر عدد من الكاميرات، بل من نصيب الدول التي تمتلك أفضل منظومة لإدارة ما تراه تلك الكاميرات، وتحويله إلى قرارات أكثر كفاءة وعدالة وإنسانية.
وعندها فقط تتحول العين الإلكترونية إلى عقل يدير الدولة بكفاءة، وإلى شاهد يحمي الحقيقة، وإلى جسر ثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.

وهذه هي الكاميرا التي تستحقها مصر.