رئيس التحرير
خالد مهران

إمام مسجد بزي عقيد ومحامٍ بحقيبة دولارات مزيفة..

كيف أسقطت تحريات البساتين قضية جمعت التزوير وانتحال الصفة وتقليد العملة؟

إمام مسجد بزي عقيد
إمام مسجد بزي عقيد ومحامٍ بحقيبة دولارات مزيفة

لم تكن البداية سوى معلومة وردت إلى مباحث قسم شرطة البساتين عن مجموعة من الأشخاص يترددون على منطقة زهراء المعادي داخل سيارة ميكروباص، وتحيط بتحركاتهم علامات استفهام كثيرة، التحريات الأولية، حسب أوراق القضية، أشارت إلى الاشتباه في تكوين تشكيل عصابي يعتمد على انتحال صفة رجال الشرطة في تنفيذ جرائم السرقة بالإكراه، الأمر الذي دفع رجال المباحث إلى تكثيف التحريات واستصدار إذن من النيابة العامة لضبط المتهمين وتفتيشهم.

كمين أنهى التحريات

في يوم الضبط تحركت قوة من مباحث البساتين إلى المكان الذي حددته التحريات، ووفقًا لمحضر الضبط، عثر رجال الشرطة على المتهمين يستقلون سيارة ميكروباص، بينما كان شخص آخر يقود سيارة هيونداي إلنترا رصاصية اللون.

وبمجرد تنفيذ الإذن والسيطرة على المتهمين بدأت المفاجآت تتوالى، إذ كشفت عمليات التفتيش عن مضبوطات متنوعة تجاوزت مجرد أسلحة أو مبالغ مالية، لتفتح بابًا واسعًا أمام تحقيقات معقدة امتدت إلى جرائم تقليد عملة وتزوير محررات رسمية وانتحال صفات عسكرية.

دولارات أثارت الشكوك

داخل ملابس أحد المتهمين، وهو محامٍ يبلغ من العمر 55 عامًا، عثرت القوة على مبلغ قدره 6500 دولار أمريكي، وبفحصها لاحقًا بمعرفة الإدارة العامة للأدلة الجنائية، تبين – وفق التقرير الفني – أنها عبارة عن 65 ورقة من فئة المائة دولار الأمريكي مزيفة باستخدام طابعة كمبيوتر.

واتهمت النيابة المتهم باصطناع تلك العملات وحيازتها بقصد ترويجها داخل الأسواق والتعامل بها باعتبارها عملة صحيحة.

إمام مسجد في قلب القضية

المفاجأة الأكبر جاءت مع المتهم الآخر، وهو إمام وخطيب بأحد مساجد محافظة المنوفية، بعدما نسبت إليه النيابة اتهامات متعددة شملت تقليد خاتم شعار الجمهورية الخاص بوزارة السياحة والآثار، وتزوير بطاقات رقم قومي، وتزوير رخصة قيادة، وانتحال صفة عقيد بالقوات المسلحة، وارتداء زي عسكري دون وجه حق.

وخلال التفتيش، ضبطت بحوزته – حسب محضر الشرطة – بطاقات شخصية مزورة، ورخص قيادة، وخمسة شارات عسكرية، وعدد من الصور الشخصية وهو يرتدي الزي العسكري برتبة عقيد، بالإضافة إلى مستندات وأوراق منسوبة لوزارة السياحة والآثار.

تقارير فنية تحسم الجدل

لم تعتمد النيابة على محاضر الضبط فقط، بل دعمت الاتهامات بتقارير رسمية من عدة جهات، وأكدت مصلحة الأحوال المدنية أن بطاقات الرقم القومي المضبوطة مزورة ولا تتطابق مع قاعدة البيانات الرسمية، كما أفادت وحدة مرور الباجور بأن رخصة القيادة المضبوطة غير صادرة عنها، وأن البيانات المثبتة بها غير صحيحة.

وأكد المجلس الأعلى للآثار أن الختم المضبوط لا يمت بصلة للأختام الرسمية الخاصة بوزارة السياحة والآثار.

أما تقرير الأدلة الجنائية فقد انتهى إلى أن جميع أوراق الدولار المضبوطة مزيفة، وأن المسدس المضبوط مع المتهم الثاني عبارة عن سلاح محدث للصوت صالح للاستخدام.

رواية الشرطة

أمام النيابة، قرر الرائد محمد لطفي، معاون مباحث قسم البساتين، أن التحريات كشفت عن نشاط المتهمين، وأن تنفيذ إذن النيابة أسفر عن ضبط العملات المزيفة والمستندات المقلدة والشارات العسكرية والأسلحة.

وأضاف أن المتهم الثاني قدم بطاقة شخصية ادعى من خلالها أنه عقيد بالقوات المسلحة، إلا أن فحصها كشف أنها مزورة، كما عثر بحوزته على مستندات وأختام أخرى تستخدم في انتحال الصفة.

كما أيد ضابط بالإدارة العامة لمباحث الأموال العامة تلك الرواية، مؤكدًا أن التحريات أثبتت قيام المتهم الأول بتقليد العملات الأجنبية، بينما تخصص المتهم الثاني في تزوير المحررات الرسمية وتقليد الأختام.

إنكار كامل من جميع المتهمين

في المقابل، تمسك جميع المتهمين بالإنكار أمام النيابة، والمحامي المتهم بتقليد الدولار أكد أنه كان بصحبة أصدقائه متوجهًا إلى كارفور المعادي للتسوق، وأن الشرطة استوقفتهم عقب مشادة كلامية ثم ألقت القبض عليهم، نافيًا تمامًا وجود أي عملات مزيفة بحوزته.

أما إمام المسجد، فأكد أن قوة أمنية اقتحمت منزله ليلًا واصطحبته مع زوجته وابنته إلى قسم الشرطة، ثم أطلقت سراح أسرته بينما احتجزته، نافيًا صلته بالمستندات أو الشارات أو الأسلحة المضبوطة، كما أنكر معرفته بباقي المتهمين.

كما كرر باقي المتهمين الرواية نفسها، مؤكدين أنهم كانوا في طريقهم للتسوق، وأنهم فوجئوا بالقبض عليهم دون ارتكاب أي جريمة.

دفوع الدفاع

دفع محامو المتهمين ببطلان القبض والتفتيش، وعدم جدية التحريات، وبطلان إذن النيابة، وانتفاء صلة موكليهم بالمضبوطات، فضلًا عن الدفع بكيدية الاتهام وتلفيقه، مطالبين بإخلاء سبيلهم بأي ضمان مالي.

قرار الإحالة

وبعد انتهاء التحقيقات، رأت نيابة حلوان الكلية أن الأدلة التي جمعتها من محاضر الضبط، وأقوال الشهود، والتقارير الفنية، تكفي لإقامة الدعوى الجنائية، فأصدرت قرارها بإحالة المتهمين الواردين بأمر الإحالة إلى محكمة الجنايات، مع استمرار حبسهما على ذمة المحاكمة.

وتبقى الكلمة الأخيرة لمحكمة الجنايات، التي ستفصل في الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين بعد مناقشة الأدلة وسماع الشهود، مع التأكيد على أن جميع المتهمين يتمتعون بقرينة البراءة حتى يصدر حكم قضائي نهائي وبات بإدانتهم.