الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في الصين.. وظائف جديدة ونمو متسارع في الأجور
تشهد الصين تحولات متسارعة في سوق العمل مع توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث تتجه البلاد نحو بناء اقتصاد رقمي يولّد وظائف جديدة بدل الاكتفاء بتقليص الوظائف التقليدية.
ولا يقتصر هذا التحول على الجانب التقني، بل يمتد إلى إعادة هيكلة شاملة للمهن وسلاسل القيمة في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والصحة والصناعة.
ولفتت وكالة شينخوا الصينية في تقرير حديث لها إلى أن مراكز تشغيل الطائرات المسيرة في مدن مثل شنتشن أصبحت جزءًا من البنية التشغيلية اليومية للاقتصاد الجديد، حيث تدار شبكات التوصيل الجوي عبر أنظمة ذكية تجمع بين الإنسان والآلة، ما أوجد وظائف تشغيل ومراقبة وتحليل بيانات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة.
وبحسب وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي الصينية، فقد تم اعتماد 72 مهنة جديدة خلال السنوات الخمس الماضية، أكثر من 20 منها مرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، مثل مدربي الذكاء الاصطناعي، ومهندسي اختبار المركبات الذكية، ومشغلي الطائرات المسيرة، وأخصائيي تطبيقات الأنظمة التوليدية، إضافة إلى وظائف متخصصة في تدريب الروبوتات وتحليل البيانات.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن كل مهنة من هذه المهن يمكن أن توفر ما بين 300 ألف و500 ألف وظيفة محتملة.
وفي سياق متصل، يواصل قطاع "اقتصاد الارتفاعات المنخفضة" التوسع بوصفه أحد أسرع مجالات النمو، حيث توسعت خدمات التوصيل بالطائرات المسيرة بشكل كبير، ما أدى إلى زيادة الطلب على مشغلي الأنظمة الجوية ومهندسي البيانات ومتخصصي إدارة المسارات.
بدوره، يشهد قطاع المركبات الذكية المتصلة بالشبكات تطورًا سريعًا، حيث تعمل فرق هندسية في مدن صناعية مثل يانتشنغ على اختبار أنظمة لوجستية متكاملة تربط بين المركبات ذاتية القيادة وخزائن الطرود ومحطات الاستلام، بما يضمن إدارة آلية لسلاسل التوزيع.
كما يشهد القطاع اللوجستي استخدامًا متزايدًا للخوارزميات الذكية، إذ طورت شركات مثل "إس إف إكسبرس" نماذج رياضية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة التوزيع. وقد أسهمت هذه النماذج في تحسين تسليم أكثر من مليار طرد وتقليل الانبعاثات الكربونية بملايين الأطنان.
وفي قطاع الرعاية الصحية، توسع استخدام الروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في مهام المساعدة والتدريب، حيث تتطلب هذه الأنظمة كميات كبيرة من البيانات لتعليمها تنفيذ مهام دقيقة مثل التعامل مع الأدوية ومساعدة المرضى.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، تجاوزت القيمة الأساسية لصناعة الذكاء الاصطناعي في الصين 1.2 تريليون يوان، وفق "تقرير تنمية الصين الرقمية 2025"، مع وجود أكثر من 6200 شركة تعمل في القطاع.
كما تشير بيانات مؤتمر الصين لحضارة الإنترنت 2026 إلى أن عدد المتخصصين في صناعة الذكاء الاصطناعي تجاوز 500 ألف شخص، بينما يعمل ما بين 1.5 و2 مليون شخص في القطاعات المرتبطة بها.
وهذا النمو السريع انعكس بشكل مباشر على مستويات الأجور.
فوفقًا لبيانات منصات التوظيف، يبلغ متوسط الراتب الشهري للوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 60،738 يوان، أي ما يعادل حوالي 8،300 دولار أمريكي، وهو أعلى بنحو 26 في المائة من متوسط الرواتب في بقية قطاعات الاقتصاد الرقمي.
وتتصدر بكين المدن الصينية من حيث متوسط الرواتب السنوية في هذا القطاع بنحو 512 ألف يوان سنويًا، تليها شنغهاي ثم شينزين. كما تبدأ رواتب بعض المهندسين الجدد من 30 إلى 36 ألف يوان شهريًا نتيجة المنافسة الشديدة بين الشركات على استقطاب الكفاءات.
وفي قمة هرم الرواتب يقف علماء الذكاء الاصطناعي ومطورو النماذج اللغوية الكبيرة، حيث يصل متوسط دخلهم الشهري إلى نحو 132 ألف يوان، بينما قد تتراوح الحزم السنوية لكبار الخبراء في شركات التكنولوجيا الكبرى بين خمسة وثمانية ملايين يوان عند احتساب المكافآت والأسهم والحوافز المختلفة.
ورغم المخاوف العالمية من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على الوظائف التقليدية، فإن التجربة الصينية تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فالتكنولوجيا لا تستبدل العمالة بالكامل بقدر ما تعيد تشكيلها وتخلق تخصصات جديدة لم تكن موجودة من قبل.
وفي الوقت نفسه، اتخذت الجهات القضائية الصينية خطوات لحماية العاملين، مؤكدة عدم قانونية الاستغناء التعسفي عن الموظفين واستبدالهم بأنظمة الذكاء الاصطناعي دون مبررات قانونية واضحة.
وبين مراكز تشغيل الطائرات المسيرة ومختبرات الروبوتات الذكية ومواقع اختبار المركبات ذاتية القيادة، تتشكل في الصين ملامح سوق عمل جديد يقوده الذكاء الاصطناعي.
وإذا كانت الثورة الصناعية قد صنعت عمال المصانع قبل أكثر من قرن، فإن الثورة الرقمية الحالية تصنع جيلًا جديدًا من المهن التي قد تحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.