رئيس التحرير
خالد مهران

على الهواري يكتب: ظاهرة الكلاب الضالة والأمن القومي المصري

على الهواري يكتب:ظاهرة
على الهواري يكتب:ظاهرة الكلاب الضالة تهديد للأمن القومي

تصاعد الجدل في الفترة الأخيرة حول أزمة الكلاب الضالة في مصر، بعدما تحولت الظاهرة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش في الشارع المصري، مع تزايد أعداد الكلاب الضالة في العديد من المدن والقرى، وتصاعد الانتقادات التي يوجهها المدافعون عن حقوق الحيوان لأساليب تعامل بعض المواطنين والجهات المعنية مع هذه الأزمة.

ويتعامل البعض مع الأزمة من منظور عاطفي بحت، دونما اهتمام كافي للجوانب المرتبطة بالصحة العامة والسلامة المجتمعية والبيئية، فضلًا عن الاعتبارات الاقتصادية والخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع المصري.

ويرجع انتشار الكلاب الضالة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها غياب أو محدودية برامج التعقيم التي تحد من تكاثرها، فضلًا عن توافر مصادر الغذاء في الشوارع من خلال القمامة ومخلفات الأسواق والمطاعم، كما يسهم تخلي بعض أصحاب الحيوانات الأليفة عنها، إلى جانب التوسع العمراني ووجود مناطق غير مأهولة، في توفير بيئة مناسبة لتكاثرها وانتشارها.

ولا تقتصر مشكلة الكلاب الضالة على كونها ظاهرة بيئية، بل تمتد آثارها إلى الصحة والسلامة العامة، حيث تتسبب في وقوع العديد من حوادث العض والإصابات، التي قد تكون خطيرة في بعض الأحيان، كما يمكن أن تنقل أمراضًا معدية، وفي مقدمتها داء الكلب، الذي يمثل خطرًا على صحة الإنسان.

وتؤدي هذه الظاهرة كذلك إلى إثارة الخوف والقلق لدى المواطنين، خاصة الأطفال وكبار السن، وتؤثر على حركتهم اليومية، فضلًا عن تسببها في بعض الحوادث المرورية نتيجة تحرك الكلاب المفاجئ على الطرق.

ويثير ملف الكلاب الضالة أحيانًا نقاشًا حول استهلاك لحوم الكلاب، وهو أمر يختلف باختلاف المرجعية الدينية والقانونية والثقافية من دولة إلى أخرى.

ففي معظم الدول العربية والإسلامية، يُعد أكل لحوم الكلاب أمرًا مرفوضًا دينيًا واجتماعيًا، بينما توجد مجتمعات أخرى اعتادت استهلاكها لأسباب تاريخية أو ثقافية.

ففي الصين، لا يوجد حظر وطني شامل على استهلاك لحوم الكلاب، رغم تراجع هذه الممارسة وفرض قيود عليها في عدد من المدن، أما كوريا الجنوبية فقد أقرت عام 2024 قانونًا يحظر تربية الكلاب للذبح والاتجار بلحومها مع فترة انتقالية للتنفيذ، وفي فيتنام لا تزال هذه الممارسة قائمة في بعض المناطق، بينما توجد في إندونيسيا مناطق تسمح بها وأخرى تحظرها أو تقيدها.

وتشترك الأديان السماوية وغيرها من المنظومات الأخلاقية في الدعوة إلى الرحمة بالحيوان وعدم تعذيبه.

ففي الإسلام، يحث النبي ﷺ على الإحسان والرفق إلى الحيوان بقوله: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»، كما وردت قصة الرجل الذي سقى كلبًا فغفر الله له، وقصة المرأة التي عُذبت بسبب حبسها لهرة حتى ماتت، ويرى جمهور الفقهاء في الإسلام أن لحم الكلب غير مأكول، وأن اقتناءه يكون للحاجة كالحراسة أو الصيد أو رعي الماشية.

كما تؤكد التعاليم المسيحية على الرحمة بجميع المخلوقات، وتنتشر في كثير من المجتمعات المسيحية ثقافة تربية الكلاب باعتبارها حيوانات أليفة.

وقد جعلت الشرائع السماوية الإنسان في منزلة التكريم والاستخلاف، مع تحميله مسؤولية الحفاظ على الكون ومخلوقاته، يقول تعالى في كتابه العزيز: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا.

كما سخر الله ما في الأرض لخدمة الإنسان، فقال سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وقال أيضًا: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الحيوانات دورًا مهمًا في التوازن البيئي، فضلًا عن إسهامها في حياة الإنسان من خلال الغذاء والنقل والزراعة وغيرها من أوجه التسخير.

ويرى الكثير من الخبراء أن حل أزمة الكلاب الضالة لا يتحقق بإجراء واحد، وإنما من خلال استراتيجية متكاملة تراعي حماية الإنسان والرفق بالحيوان في آن واحد، ومن أبرز الحلول المقترحة، تنفيذ برامج موسعة لتعقيم الكلاب للحد من تكاثرها، التوسع في حملات التطعيم ضد داء الكلب، إنشاء وتطوير مراكز إيواء ورعاية للحيوانات الضالة، تحسين منظومة جمع القمامة وإدارة المخلفات لتقليل مصادر الغذاء، وتطبيق القوانين الخاصة بتسجيل الكلاب الأليفة ومنع التخلي عنها، تعزيز التوعية المجتمعية بشأن التعامل الآمن مع الكلاب الضالة، تشجيع ثقافة التبني وتحمل المسؤولية تجاه الحيوانات الأليفة، تعزيز التعاون بين البلديات والهيئات البيطرية ومنظمات المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان لوضع حلول مستدامة.

وهناك الكثير من التجارب الناجحة في هذا الصدد، فدولة مثل هولندا نجحت في الحد بشكل كبير من ظاهرة الكلاب الضالة من خلال، فرض تسجيل إلزامي للكلاب باستخدام الشرائح الإلكترونية ، وتعقيم الحيوانات للحد من التكاثر العشوائي، فرض ضرائب وغرامات على التخلي عن الحيوانات الأليفة، إنشاء ملاجئ متطورة وتشجيع التبني، تطبيق قوانين صارمة ضد إساءة معاملة الحيوانات، مما أدى إلى انخفاض أعداد الكلاب الضالة إلى مستويات محدودة جدًا.

كما نجحت تركيا إلى حد كبير في الحد من هذه الأزمة، من خلال تتبنى سياسة تعتمد على، جمع الكلاب الضالة وتعقيمها وتطعيمها، ووضع علامات تعريفية للحيوانات التي خضعت للبرنامج، وإعادة بعضها إلى بيئتها أو إيواؤها في مراكز متخصصة وفقًا للتشريعات المحلية، وإشراك البلديات في إدارة الملف.

أما الولايات المتحدة الأمريكية فتعتمد سياسية تقوم على، توفير مراكز إيواء تديرها البلديات أو الجمعيات المختصة، تسجيل الكلاب وتركيب شرائح إلكترونية لها، برامج التبني لتقليل أعداد الحيوانات في الملاجئ، فرض غرامات على التخلي عن الحيوانات الأليفة، حملات تطعيم دورية ضد داء الكلب.

أما اليابان فتعتمد سياسة قائمة على، الرقابة الصارمة على تربية الحيوانات، تسجيل الحيوانات الأليفة، حملات واسعة للتبني، توعية المجتمع بمسؤولية اقتناء الحيوانات.

وتشير التجارب الدولية إلى أنه لا يوجد حل واحد يناسب جميع الدول، بل يعتمد النجاح على تبني سياسة متكاملة ومستدامة تراعي ظروف كل مجتمع، وتوازن بين حماية الصحة والسلامة العامة وإدارة أعداد الكلاب الضالة بوسائل فعالة وإنسانية، مع معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة مثل التكاثر غير المنضبط وتوافر مصادر الغذاء والتخلي عن الحيوانات الأليفة.

ولا يمكن فصل أزمة الكلاب الضالة عن الأمن القومي الشامل، الذي لم يعد يعتمد على البعد العسكري فقط، بل أصبح يشمل الأمن الصحي والاجتماعي والاقتصادي والبيئي والغذائي.

ففي البعد الصحي، أصبحت الكلاب الضالة تمثل تحديًا للصحة العامة بسبب احتمالية نقل بعض الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وفي مقدمتها داء الكلب، وهو مرض خطير يمكن الوقاية منه بالتطعيم والعلاج الوقائي بعد التعرض، كما أن ارتفاع أعداد حالات العقر يفرض أعباء على المستشفيات ومنظومة الرعاية الصحية، ويستلزم توفير اللقاحات والأمصال بصورة مستمرة.

وفي البعد الأمني والمجتمعي، قد يؤدي انتشار الكلاب الضالة في الأحياء السكنية والطرق العامة إلى شعور المواطنين بعدم الأمان، خاصة لدى الأطفال وكبار السن، كما يمكن أن تتسبب في إعاقة الحركة أو وقوع حوادث مرورية نتيجة تحركها المفاجئ، وهو ما ينعكس على مستوى الأمن المجتمعي وجودة الحياة.

وفي البعد الاقتصادي، تتحمل الدولة تكاليف كبيرة لعلاج المصابين بحوادث العقر، وتوفير اللقاحات والأمصال، وتنفيذ برامج التطعيم والتعقيم والإيواء وإدارة الظاهرة. كما قد تؤدي الإصابات إلى خسائر اقتصادية غير مباشرة نتيجة التغيب عن العمل أو الدراسة وتكاليف الرعاية الطبية.

أما في البعد البيئي، فتؤثر الزيادة غير المنضبطة في أعداد الكلاب الضالة على التوازن البيئي في بعض المناطق، وقد تؤثر في الحياة البرية المحلية أو تتغذى على المخلفات، ما يبرز أهمية دمج إدارة الكلاب الضالة ضمن سياسات الإدارة البيئية وإدارة النفايات.

وبناء على ذلك، ترتبط أزمة الكلاب الضالة بالأمن القومي من خلال تأثيرها في الصحة العامة والسلامة المجتمعية والاقتصاد والبيئة وكفاءة مؤسسات الدولة، ومن ثم، فإن إدارتها تتطلب رؤية شاملة تقوم على أسس علمية وتشريعية وإدارية، بما يحقق حماية المواطنين ويعالج أسباب الظاهرة بصورة مستدامة، مع مراعاة الاعتبارات الإنسانية والبيئية.

في النهاية، تبقى أزمة الكلاب الضالة قضية مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الصحية والبيئية والاجتماعية والدينية والاقتصادية، ولا يمكن التعامل معها بمنطق أحادي، فحماية الإنسان وضمان أمنه وسلامته يجب أن تكون أولوية، بالتوازي مع الالتزام بمبادئ الرفق بالحيوان والبحث عن حلول علمية ومستدامة.

 وتشير التجارب الدولية إلى أن برامج التعقيم والتطعيم وتحسين إدارة المخلفات والتوعية المجتمعية من أكثر الوسائل فاعلية في خفض أعداد الكلاب الضالة والحد من مخاطرها على المدى الطويل، بما يحقق مصلحة المجتمع ويحافظ على التوازن البيئي والاعتبارات الإنسانية.

والسؤال الذي يطرخ نفسه: هل الدولة المصرية في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية قادرة على توفير مراكز إيواء ورعاية لأكثر من 20 مليون كلب ضال " حسب التقديرات المتداولة من جهات حكومية وبيطرية ومنظمات معنية بالحيوان"، وتوفير الغذاء والدواء والشراب لهم؟، وهل الدولة المصرية قادرة على تعقيم أكثر من 20 مليون كلب ضال، بتكلفه أكثر من تريليون جنيه مصري كما أكد وقدر أحد الخبراء؟، مع العلم أن الدولة المصرية تتحمل ملايين الجنيهات سنويا لعلاج ضحاية عقر الكلاب، حيث تشير بيانات وتقارير صادرة عن جهات صحية مصرية خلال السنوات الأخيرة،  إلى أن عدد المصريين الذي يتعرضون لعقر "عض" الكلاب سنويا تقدر بأكثر من مليون ونصف مصري، يتكلف علاجهم ملايين الجنيهات.

وهل يمكن أن تسمح الدولة المصرية بتصدير الكلاب لحل الأزمة؟، رغم اعتراض بعض المدافعين عن حقوق الحيوان على تصدر الكلاب الضالة للدول التي تجيز ذبحها وأكلها بحجة أن ذبحها يتعارض مع قيم الرفق بالحيوان، ونسوا أو تناسوا أن هناك الكثير من الحيوانات يتم ذبحها وأكل لحومها مثل الخرفان والجاموس والأبقار، وغيرها من الحيوانات التي أباحت الأديان السماوية ذبحها وأكلها.