تزوير واحتيال بملايين الجنيهات داخل شركة ميد بنك للتمويل الاستهلاكي
في واحدة من القضايا التي كشفت عن أساليب احتيالية معقدة داخل قطاع التمويل الاستهلاكي، أسدلت نيابة شمال الجيزة الكلية الستار على تحقيقات موسعة في قضية تزوير واستيلاء على أموال شركة تساهم الدولة في جزء من رأسمالها، بعد اتهام مسؤول مبيعات بإحدى شركات التمويل وصاحب مكتب رحلات بالاتفاق على تنفيذ مخطط مالي قائم على التحايل وتزوير المحررات الرسمية للحصول على تمويل ضخم تحت غطاء شراء سيارات فارهة.
القضية المقيدة برقم ١٥٨٢ لسنة ٢٠٢٦ جنايات قسم العجوزة، والمقيدة كلي شمال الجيزة برقم ٢٠٠ لسنة ٢٠٢٦، كشفت عن شبكة من الإجراءات المصطنعة والمستندات المزورة التي جرى تمريرها بعناية داخل منظومة التمويل، وصولًا إلى الاستيلاء على ملايين الجنيهات عبر استغلال الثغرات الإدارية والثقة الوظيفية.
وبحسب أوراق القضية، فإن المتهمين لم يكتفيا بتضليل الشركة الممولة، بل لجآ إلى اصطناع مستندات رسمية وخطابات منسوبة لجهات مرورية وشركات تمويل لإتمام الصفقة الوهمية وإخفاء حقيقة السيارة محل التمويل.
مسؤول مبيعات في قلب الاتهام
أظهرت أوراق التحقيق أن المتهم الأول، البالغ من العمر ٣٤ عامًا، كان يعمل مسؤول مبيعات بشركة “ميد بنك للتمويل الاستهلاكي – موجو”، وهي شركة تساهم الدولة في جزء من أموالها، الأمر الذي منح القضية بعدًا أخطر باعتبار أن الاتهامات ارتبطت بالاستيلاء على أموال جهة ذات طبيعة مالية خاصة.
واتهمت النيابة المتهم باستغلال موقعه الوظيفي لتسهيل تمرير طلب تمويل مخالف للحقيقة، عبر اعتماد إجراءات ومستندات يعلم مسبقًا عدم صحتها، وذلك بالتنسيق مع المتهم الثاني، صاحب مكتب رحلات داخلية، والذي لعب دورًا محوريًا في تنفيذ المخطط المالي والحصول على الفارق النقدي الناتج عن عملية التمويل.
كما كشفت التحقيقات عن وجود طرف ثالث توفي قبل بدء المحاكمة، استخدم اسمه في إتمام بعض العقود والإجراءات الخاصة بالتمويل وشراء السيارة.
سيارة فارهة على الأوراق فقط
وفقًا لما ورد بتحقيقات النيابة، بدأت الواقعة عندما اتفق المتهمان على تقديم طلب تمويل باسم المتهم المتوفى لشراء سيارة مرسيدس E200 موديل ٢٠٢٥، وهي من السيارات مرتفعة الثمن التي تصل قيمتها السوقية إلى نحو ٦ ملايين و٢٥٠ ألف جنيه.
اختيار السيارة لم يكن عشوائيًا، بل جاء بهدف الحصول على أعلى قيمة تمويل ممكنة من الشركة، حيث تمت الموافقة على تمويل بلغ نحو ٢ مليون و٩٢٥ ألف جنيه.
لكن المفاجأة التي كشفتها التحقيقات أن السيارة الفارهة لم تكن الهدف الحقيقي من الصفقة، إذ تبين أن المتهمين كانا يعتزمان شراء سيارة أخرى أقل سعرًا من طراز مرسيدس A200 موديل ٢٠٢٣، لا تتجاوز قيمتها ٢ مليون و٤٥٠ ألف جنيه.
ومن خلال هذه الحيلة، تمكن المتهمان – حسب أوراق القضية – من الاستيلاء على فارق مالي ضخم بين قيمة التمويل الحقيقي وسعر السيارة الفعلي.
كيف جرى الاستيلاء على الفارق المالي؟
التحقيقات أوضحت أن مبلغ التمويل تم تحويله بالكامل إلى معرض سيارات يحمل اسم “بوس كار”، باعتباره الجهة البائعة للسيارة محل التمويل.
وعقب إتمام التحويل، جرى رد الفارق المالي بين قيمة التمويل وسعر السيارة الأقل إلى المتهم الثاني، في خطوة اعتبرتها النيابة صورة مكتملة لجريمة الاستيلاء على المال عن طريق الاحتيال والتدليس.
ورأت النيابة أن المتهم الأول استغل صلاحياته الوظيفية داخل شركة التمويل لتجاوز الضوابط المعمول بها، والموافقة على إجراءات غير مطابقة للحقيقة، بما أتاح تمرير التمويل دون اكتشاف التلاعب في نوع السيارة وقيمتها الحقيقية.
رخصة مرور مزورة وخطابات مصطنعة
ولضمان نجاح المخطط، لم يكتف المتهمان بإجراءات التمويل الصورية، بل اتجها إلى تزوير مستندات رسمية وعرفية استخدمت ضمن ملف التمويل.
وكشفت التحقيقات عن اصطناع رخصة تسيير سيارة منسوب صدورها إلى وحدة مرور دكرنس، تضمنت بيانات مزورة تخص السيارة محل التمويل، وذلك بعد إمداد شخص مجهول بالبيانات المطلوبة لإنشاء المحرر المزيف.
كما تضمنت الأوراق خطاب موافقة مزورًا منسوبًا لشركة “ميد بنك للتمويل الاستهلاكي”، يفيد على خلاف الحقيقة بالموافقة النهائية على تمويل السيارة مرتفعة القيمة.
وامتد التزوير إلى تقليد توقيعات ووضع بصمات منسوبة زورًا إلى العضو المنتدب للشركة، بالإضافة إلى اصطناع خطاب موجه للإدارة المرورية يتضمن حظر بيع السيارة لصالح شركة التمويل.
ورأت النيابة أن تلك المحررات لعبت الدور الرئيسي في تمرير الصفقة وإخفاء المخالفة المالية والإدارية داخل الشركة.
شهادة الشؤون القانونية تكشف الخطة
وخلال جلسات التحقيق، استمعت النيابة إلى أقوال يحيى عبد الله يحيى بغدادي، المحامي بالشؤون القانونية بشركة “ميد بنك للتمويل”، والذي أكد أن مراجعة ملفات التمويل كشفت وجود مخالفات جسيمة في إجراءات منح التمويل.
وأوضح الشاهد أن المتهم الأول مرر الطلب رغم وجود تناقضات واضحة في بيانات السيارة والمستندات المقدمة، كما سمح باعتماد أوراق تبين لاحقًا أنها مزورة.
وأضاف أن الشركة اكتشفت الواقعة بعد مراجعات داخلية كشفت أن السيارة الممولة تختلف عن السيارة التي جرى شراؤها فعليًا، فضلًا عن وجود مستندات صادرة بأختام وتوقيعات غير مطابقة للسجلات الرسمية للشركة.
وأكد الشاهد أن الشركة تعرضت لخسائر مالية مباشرة نتيجة الاستيلاء على قيمة الفارق المالي الناتج عن التمويل.
تحريات الأموال العامة: «تقسيم أدوار واتفاق مسبق»
التحريات التي أجراها العقيد عمرو البطران، وكيل مكتب مكافحة جرائم الأموال العامة بمديرية أمن الجيزة، دعمت رواية الشهود والمستندات الفنية.
وأكد الضابط في أقواله أن التحريات السرية أثبتت وجود اتفاق مسبق بين المتهمين على تنفيذ المخطط، وأن كلًا منهما كان يؤدي دورًا محددًا لتحقيق الهدف النهائي وهو الاستيلاء على أموال شركة التمويل.
وأضافت التحريات أن المتهم الأول استغل طبيعة عمله داخل الشركة لتسهيل استخراج الموافقات المالية، بينما تولى المتهم الثاني التنسيق المالي واسترداد فارق الأموال عقب تحويل التمويل للمعرض.
كما توصلت التحريات إلى استخدام مستندات مزورة لإضفاء الشرعية على الإجراءات، بما في ذلك رخصة التسيير وخطابات الحظر والموافقات.
تقرير الأدلة الجنائية يحسم الجدل
وخلال التحقيقات ظهرت تناقضات عدة في أقوال المتهمين، خاصة فيما يتعلق بعقد الشراكة الخاص بالسيارة.
ففي البداية، أنكر المتهم المتوفى توقيعه على العقد، إلا أن تقرير الإدارة العامة لتحقيق الأدلة الجنائية جاء حاسمًا، بعدما أكد أن التوقيع وخط اليد وبصمة الإبهام الموجودة على العقد تعود بالفعل إليه.
واعتبرت النيابة أن التقرير الفني نسف محاولات الإنكار، وأثبت وجود علاقة مباشرة بين أطراف الواقعة والمحررات المستخدمة في عملية التمويل.
كما رصدت التحقيقات اختلافات في تواريخ بعض الصور الضوئية للمستندات، فضلًا عن وجود بيانات متناقضة بشأن السيارة محل التمويل، وهو ما دعم فرضية التلاعب والتزوير المتعمد.
اتهامات ثقيلة أمام محكمة الجنايات
وأسندت النيابة إلى المتهمين عددًا من الاتهامات الجنائية، من بينها الاشتراك في تزوير محررات رسمية وعرفية، واستعمال محررات مزورة مع العلم بتزويرها، والاستيلاء على أموال شركة تساهم الدولة في أموالها، والإضرار العمدي بالجهة محل العمل.
وبعد اكتمال التحقيقات وسماع الشهود وورود التقارير الفنية، أصدرت النيابة العامة قرارها بإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات المختصة بدائرة محكمة استئناف القاهرة، مع الأمر بسرعة ضبطهم وإحضارهم وحبسهم احتياطيًا على ذمة القضية.
كما قررت النيابة ندب محامين للدفاع عن المتهمين خلال مراحل المحاكمة، تمهيدًا لبدء أولى جلسات نظر القضية أمام المحكمة المختصة.







